الحيدرية .. جنة بين منائر الذهب - شبكة أخبار النجف الأشرف
خدمات

الحيدرية .. جنة بين منائر الذهب

الأرشيف

دليل المواقع

الطقس

معرض الصور

اسأل الفقيه

اتصل بنا


 

 

 

 

بقلم: أحمد رضا المؤمن

من حيث تدري أو لا تدري وفرت هذه المدينة على زوارها مشوار البحث عن معالمها يوم إجتمعت في مكان واحد ولملمت نفسها وقاربت بين مُعطياتها الجميلة حتى تكاد العين تلم مرة واحدة بخانها الأثري ومراقد رجالاتها الصالحين وأحيائها السكنية ودكاكينها ومحالها التجارية .

على أن أمتع ما فيها يكمُن في تلك الصفوف المنسقة من الأشجار المعمرة التي تزين طرقاتها الداخلية حيث التشابك والتداخل والتجاور بين أغصان الصفصاف والكاليبتوز ولوحة الظلال التي تحجُب غضبة الشمس من إذابة الأجساد وقت الظهيرة .

هذا هو مركز ناحية الحيدرية ، يوحي لعابر السبيل بأنه لا يود التمدد والإسترخاء على هواه مع أنه مُنفتح على أرض صحراوية مُنبسطة وعلى الرغم من أن المساحة الكلية للناحية واسعة جداً فهي تبلغ أكثر من 1226 كم2 وفقاً .

قد يعود إصرار المدينة على عرض مفاتنها مُجتمعة إلى موقعها الذي يتوسط إثنتين من أبرز المدن الدينية في العالم الإسلامي فهي تقع إلى الشمال الغربي من النجف الأشرف بمسافة 45كم2 فيما تبعد عن كربلاء المقدسة 35 كم2 وهذا يعني أن المسافر بين هاتين المدينتين المقدستين لن يتوقف في الحيدرية طويلاً وكان خير ما فعلته أنها جمعت أطراف حُسنها وقدمتهُ في صحن من ذهب لكسب زبائنها العابرين فهي تُدرك أن وقتهم وغاية تنقلهم لن تسمح بالمكوث والبحث .

مدخل أولي :
رُبما كان من الطبيعي أن تُعاني الحيدرية ( التي إكتسبت إسمها من الروضة الحيدرية في النجف الأشرف ) من صراع داخلي لتحديد إنتمائها إلى إحدى المدينتين المقدستين إلاّ أن واقع الأمر أنها تغلبت على هذا الصراع بوسيلة ذكية فبإستثناء تبعيتها الإدارية لقضاء النجف ( مع أنها أقرب إلى كربلاء المقدسة ) يُمكن القول أن المدينة عدت نفسها جُزءاً لا يتجزأ من عموم التكوينة الدينية والتركيبة الإجتماعية لهاتين المدينتين مع الإحتفاظ في الوقت نفسه بإستقلال تام لشخصيتها رسم حضوره القوي في زهوها الوطني والزراعي والعشائري والريفي وفي تفاخرها الذاتي أنها مدينة قادرة على رفد الحركة السياسية والمسار الثوري للعراق بالكثير الكثير من المناضلين وصور الصمود والتحدي بدءاً من ثورة العشرين .

الحيدرية على إتساع رُقعتها الجغرافية تميّزت عن غيرها بتلك الوشيجة المتينة من علاقاتها الإنسانية بحيث تبدو وكأنها أسرة واحدة الجميع فيها يعرف الواحد والواحد يعرف الجميع وربما كما يعتقد أحد وجهائها أن مرد ذلك يعود إلى أن عشائرها الأربع الرئيسة والتي تشكل الثقل السُكاني الأهم تنتمي جميعاً إلى جذر أو سلف واحد ونعني به ( بِني حِسَن ) بكسر الحاء وفتح السين وتسكين النون .

كما أن أبناء الناحية التي دخلت المدينة وسائل الحضارة الحديثة مُفردات لُغتهُم ومنزلهم وحياتهم اليومية مازالوا مُتمسكين في ريفهم ومدينتهم بقوة التقاليد والعادات القروية والعشائرية .

ويقول أحد وجهاء المدينة واصفاً بعض عاداتها وتقاليدها بأن الضيف يُقدم لهُ مع الطعام كُل وسائل الطعام الحديثة من سكاكين وملاعق وشوك ، ولكنّهم حين يزوجون بناتهم فإنهم ــ سُكان الحيدرية ــ يشترطون على الزوج أن يبني مضيفاً في داره قبل أن تُزف العروس إليه .

وإذا ما جردنا هذا التعبير من دلالته البلاغية فعلينا أن نُدرك حقاً كما يقول أحد مشائخها بأن المضيف وحياة المضيف وسلوكيات التعامل بمُقتضيات وواجبات المضيف هي الهوية الأكثر وضوحاً في الحيدرية إذ لا يكاد يخلو مسكن من هذا الإرث والتقليد العربي القديم بغض النظر عن حجم وصورة وإمكانية المضيف لأن الأساس هو الأحتفاظ به .

ويؤشر إنعكاس هذا الوقع على المدينة التي أنجبت مُجتمعاً مُحافظاً بكُل دلالات هذه المفردة ويتجلى ذلك بالصورة التي رسمها السيّد قاسم العباسي فبسبب من هذه النزعة يميل الرجُل إلى الأعمال الزراعية أكثر من ميله إلى التواصل الدراسي وعادة ما تترُك (البنت) مدرستها بعد نيل الشهادة الإبتدائية لتتفرغ للأعمال المنزلية وتُقدم شيئاً من العون المحدود في المهام الزراعية .

وفي إطار هذه اللوحة الإجتماعية نتعرف على مدينة تعنى في مجالسها ومظايفها بالغة الرمز أو ما يعرف في منطقة النجف وعموم الفرات الأوسط بالحسجة وعلى مدينة يندر أن يخلى فيها الرجل عن العباءة واليشماغ الأسود والعقال الذي تترك فاصلة صغيرة بين طيته أثناء وضعه على الرأس كميزة من ميزات الزي الحيدري .

صحراء خضراء
تجمع الحيدرية بين طبيعة الريف الزراعي وبين طبيعة الصحراء ولا يفصل بينهُما غير الطريق العام وقد جاهدت المدينة لإحياء الصحراء وإنبات الرمال ونجحَت في مسعاها وهو الأمر الذي إجتذب الكثير من الأيادي العاملة التي قدمت بهيأة أفراد أو عوائل أو جماعات من ذي قار والبصرة لإستثمار الصحراء وزراعتها بأنواع المحاصيل كالرقي والبطيخ والخضار والثوم والبصل .

في أوراق أحد المسؤولين أرقام تُشير إلى أن عموم الأراضي المستثمرة زراعياً كانت معظمها خاصة بالشلب ( في المقام الأول ) ثم الحنطة والشعير وشتى المحاصيل إلى جانب مساحات واسعة مُخصّصة للبساتين التي تحتل النخيل منها مركز الصدارة أمّا طريقة السقي فتعتمد على أكثر من وسيلة فهُناك الآبار السطحية الخاصة بالمحاصيل الخضرية وهذه الآبار سمة من سمات الإرواء الصحراوي وهُناك الطريقة السيحيّة التي تستمد مياهها من جدول ( بِني حِسَن ) زيادة على طريقة الإرواء بواسطة المضخات المنصوبة على الفرات القريب جداً من أراضي الناحية والطريقتان المذكورتان خاصتان بالحنطة والشعير والشلب وبساتين النخيل .

لم يكُن صعباً علينا ونحنُ نتجول في قُرى الحيدرية ( تتبع الناحية 8 قُرى ) لغرض الإطلاع والتصوير أن نلتمس الثقل الريفي الذي يشكل العمود الفقري للحيدرية ، فحيثما تجولت بنا المركبة فوق تلك الطرق القروية الترابية كُنا وسط أرض شاسعة إنتهت لتوها من حصاد الحنطة والشعير وأغرقت المساحات المحصودة بالماء إستعداداً لموسم الشلب وحيثُما تجولت بنا المركبة كان البيت الريفي الفخم ومضيفه الملحق ببناء الدار يؤلف مشهداً دائم المثول أمام العين . وعلى الدوام أكداس قمح وشعير وفلاحون لم تقهرهم حرارة الصيف .

معومات عامة :
هي واحدة من المدن الحديثة التي إرتبط تأسيسها بتشييد العتبات المقدسة في كربلاء والنجف لتكون محطّة إستراحة ولذلك سُمّيت بخان النص ثُم الحيدرية تماماً كما سُمّي خان الحواتم بخان الربع القريب من النجف وخان المصلّى القريب من كربلاء بخان الربع كذلك ، وهذه المسميات الحسابية ( النص- الربع ) إشارة بينة إلى المسافة وجدير بالذكر أن الطريق بين النجف وكربلاء قسّمت إلى ثلاث مسافات كانت الحيدرية في مُنتصفها فإكتسب خانها الذي ما زال قائماً إسم خان النص . وفي ميدان المسميات يوضح أحد وجهاء المدينة ( السيّد إبراهيم ) أن ( خان الحماد ) وهو من بين الأسماء التي كانت تُطلق على الحيدرية ويُراد بهذه التسمية ( خان الصحراء ) فالحماد أو الحمادة في الإستعمال الريفي الشائع إشارة إلى الصحراء كما حملت المدينة إسم ( خان زيبار ) وزيبار مُحرفة عن أصلها العربي صًبار ، وصبّار إسم لأول الشيوخ الذين سكنوا الخان وما حوله .

وفي مسارها الإداري كانت قرية صغيرة ثُم تابعاً من توابع الكفل البابلية قبل أن يحل بها المطاف جناحاً من أجنحة النجف الأشرف لكنها في كُل أدوارها ظلّت الجسر البري بين منائر الذهب . وتتألف الحيدرية كما يقول أحد مسؤوليها من 4 أحياء سكنية ويبلُغ تعداد نفوسها أكثر من 23 ألف نسمة تقوم على خدمتهم مؤسسات تربوية وصحية ودينية تفي بالحاجة ولكن الحيدرية من ناحية أخرى كما يوضح أحد أبنائها ( السيّد إبراهيم ) تشكو من حاجتها إلى المياه سواء للشرب أم لسقي المزروعات لأن جدول بني حِسَن البالغ طوله 63 كم ويبدأ من سدة الهندية وينتهي بالكِفِل لا يفي بالغرض خاصة وأنه يمُر بثلاث مُحافظات ، هذا غير حاجة التربة ( التي أنهكتها العمليّات الزراعية من دون توقف ) إلى حصّة كافية من الأسمدة الكيمياوية تمنحها القُدرة على المقاومة والعطاء المستمر نحن بدورنا لمسنا حاجة الناحية التي تأسست عام 1965م إلى طُرق مُعبّدة ومُجمّعات مائية وبدّالة حديثة وملعب رياضي ومُتنزه ولمسة حنان لخانها الأثري منافذ العمل في الحيدرية مُتعددة وإن كانت الزراعة في المقام الأول كما يقول السيّد مُدير الناحية فهُناك تربية المواشي وصيد الأسماك إلى جانب بعض المصانع والمعامل الصغيرة التي شغلت عدداً غير قليل من الأيادي العاملة كمعمل الطابوق ومعمل إطارات بابل ومجارش شلب وعلى مُستوى الأعمال اليدوية عُرفت الحيدرية بأنها تصنع نوعاً من اللبن ( الروبة ) الذي لقي شُهرة واسعة في عموم المنطقة .

وعن الدور الوطني المتميز لأبناء الحيدرية حاولنا إيجازه مُراعاة لمساحة النشر ففي ثورة العشرين حيث أبلت عشائر الحيدريّة البلاء الحسن حالها في ذلك حال المدن والعشائر العراقية الأخرى إضطر الثوار أمام التفوق العسكري للإحتلال الإنجليزي إلى تسليم أسلحتهم للقُوات البريطانية حيث يتم تجميعها في مضيف الشيخ ( سلمان آل زجري ) وقد لاحظ الإنجليز أن هُناك بُندقية ناقصة أصروا على إحضارها وحضر الرجُل مع بُندقيته وقبل أن يُلقيها أطلق الهوسة المشهورة : ( بس لا سمحة الخد وياها .. ) أي عسى أن لانُسلم نساؤنا كذلك مع البنادق وفهم الحاضرون ( الحسجة ) فأخذتهم الحميّة وتناولوا بنادقهم وثاروا مُجدداً على الإنجليز في حركة مايس كان ( موسى آل علوان ) شيخ بني حسن يومها يقود جماعته في معركة سن الذبان .

أما في النصف الثاني من القرن الماضي فقد شهدت ناحية الحيدرية حركات وتنظيمات ونشاطات إسلامية ساهمت وبشكل كبير في نظال الحركة الإسلامية ضد سلطات حزب البعث الكافر بحكم موقعها الجغرافي المميز والذي يمُر عليه الآلاف لا بل الملايين من زوار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء مشاة على الأقدام في تظاهرات ( حُسينيّة ) أبية رافضة للظلم والطغيان في كل زمان ومكان .

وبعد أن أقدم الطاغية صدام الهدام وحزبه الكافر على منع إقامة وأداء الشعائر الحسينية في تحدي صارخ لحرية الشعب العراقي المظلوم كان لأبناء ناحية الحيدريّة وعشائرها الدور المشرف في مساعدة وإعانة الزوار ــ المشاة ــ على أداء زيارتهم بأمان بعيداً عن أعين البعثيين الأرجاس وبطشهم بالناس .

وتُعتبر ناحية الحيدرية من المناطق التي أُكتشفت فيها الكثير من المقابر الجماعية التي إرتكبها صدام وحزبه وجلاوزتهُ ضد الثوار الشيعة في إنتفاضتهم سنة 1411 هجــ / 1991م بحُكم العمليّات الجهادية البطولية العظيمة التي قام بها المجاهدين دفاعاً عن حُرمة وقُدسيّة مدينتي كربلاء والنجف عندما وصلت إليها قوات الجيش الصدامي المجرم فقامت بأبشع المجازر فيها بحقّهم وبحق المدنيين الهاربين من القصف المدفعي وبمُساعدة الطائرات المروحيّة .

سياحة مفقودة ..!!
للأسف الشديد فإن هذه المدينة تشكو من عدم إعطائها حقها الحقيقي الذي تستحقه من الناحية السياحية أولاً والزراعية ثانياً والعمرانية ثالثاً كنتيجة لما هي عليه معظم المدن في العراق من إهمال وتدمير وتأخر عمراني وسياحي بسبب السياسات الصدامية البعثية التي دأبت على تدمير أو إهمال البنى التحتية في العراق عموماً ومناطق الجنوب خصوصاً ولأسباب لا مجال لشرحها .

ولعل من أبرز مظلوميات ناحية الحيدرية هي المظلومية السياحيّة ، إذ أن الموقع الإستتراتيجي السياحي لهذه المدينة لو كان في مكان آخر لا يمر بما يمر به العراق من إرهاب ودمار لرأيت المتر الواحد من هذه الناحية بملايين الدولارات ..

ومن يدري فلعل الأيام القادمة ستأتي لهذه المدينة بهذه الملايين كنتيجة للتغيرات والتطورات التي يشهدها العراق الجديد ( وإن كانت بطيئة .. ) وكذلك نتيجة لبناء المطار الدولي ( مطار النجف الأشرف ) الذي يستمر العمل ببنائه والذي من المؤمل إستيعابه لأعداد كبيرة من الزوار والمسافرين القادمين من جميع أنحاء العالم لزيارة العتبات المقدسة وبذلك تصبح ناحية الحيدريّة ( منجماً سياحياً ) إن شاء الله تعالى يستفيد منه أبنائها ويعوضون أيام القهر والإضطهاد والظلم الصدامي البائد .

تغييرات عمرانية جارية ..
شهدت ناحية الحيدريّة بعد سقوط صنم بغداد صدام الهدام العديد من مشاريع الإعمار والتطوير والإصلاح والتأهيل ( وإن كانت غير كافية وبطيئة ) منها ما يتعلق بالدوائر الرسمية ومنها ما يتعلق بالمدارس وباقي البُنى التحتيّة ومنها :
ــ تحويل بناية حزب البعث البائد إلى مركز للرعاية الصحية المتطور في الناحية
ــ بناء مركز صحّي في منطقة المزوكة التابعة للناحية .
ــ بناء مركز للإسعاف الفوري في مركز الناحية .
ــ حصول الموافقات الرسمية على بناء مستشفى للطوارئ في مركز الناحية
ــ بناء مركز صحي في منطقة حي السلام .
ــ بناء عدد من المدارس منها مدرسة الحبوبي ومدرسة الفاطمة "ع" ومدرسة مريم العذراء "ع" ومدرسة إقرأ ومدرسة سيّد الشُهداء "ع" ومدرسة أنوار الصحراء ومدرسة العراق الجديد وهُناك أجنحة إضافية في مدرسة الشهيد مُحمّد تقي الخوئي ومدرسة الأصمعي وسيُباشر العمل بجناح إضافي في مدرسة الأنوار إضافة إلى ترميم كافة المدارس التابعة للناحية .

ــ تعبيد طريق جدول بَني حِسَن بطول 15 كم الذي يربُط ناحية الحيدرية بناحية الخيرات في الشمال وبناحية الكِفِل من الجنوب .
ــ إكساء شوارع حي 17 / ربيع الأول .
ــ تعبيد طريق بطول 540 م في حي السلام .
ــ إيصال التيار الكهربائي للمنطقة الزراعية الجنوبية .
ــ إنشاء مُجمّع بسعة 1 مليون غالون / يوم في منطقة المزوكة .
ــ نصب بدالة بسعة 5000 خط ومن المؤمل أن تغطي القُرى والأرياف في المستقبل .

ارسل هذا الموضوع لصديق

2256