محمد علي جعفر التميمي

مشهد الإمام

أو

مدينة النجف

الجزء الأول

فيما يختص المرقد المقدس

الطبعة الأولى

حقوق الطبع محفوظة

1372هـ 1958م

مطبعة دار النشر والتأليف في النجف

‹ صفحة 3 ›

الإهداء

إلى من هو من أهل ذلك البيت الذي يقال في حقه صغيرهم

جمرة لا تداس وكبيرهم لا تدركه الحواس

إلى من يؤدي الخدمات العامة للصالح العام بكل تواضع بعيدا كل البعد

عن المصلحة الخاصة

إلى من تجارته العمل الصالح وربحه الثواب وفائدته التوفيق وحسبه

التواضع وشرفه العلم وعبادته أداء الفرض وعقله التدبير

إلى من حليته الوفاء وعزه الحلم وزينته العلم

إلى من ينشد المثل العليا للغاية القصوى .

إلى من قوته استمدت كيانها من نور القلب ( وضياء )

العقل وسمو النفس وروعة الإيمان

إلى من تتمثل به الاستقامة والنزاهة والخبرة والجد المتواصل

في خدمة المجموع بدون تفرقة .

إلى معالي الدكتور ضياء جعفر أهدي إليه هذا المجهود وهو

تاريخ مشهد جده الأعظم عسى أن يقع من معاليه موضع القبول

وهذا غاية ما يتمناه المخلص

محمد علي جعفر التميمي

‹ صفحة 4

‹ صفحة 5 ›

صاحب المعالي الدكتور ضياء جعفر

‹ صفحة 6 ›

سماحة الإمام كاشف الغطاء

ينعت معالي الدكتور ضياء جعفر بالسحاب الماطر أينما وقع نفع

وحيثما تصبب أصاب ، ويشكره باسم عموم لواء كربلاء

بسم الله الرحمن الرحيم

من النجف الأشرف 15 ربيع 1 سنة 1372

معالي السيد الشريف الدكتور ضياء أدام الله علاه

على أثر ما بلغني من انصراف رأيك عن نيابة وطنك

الأعلى ( النجف ) الأشرف الذي مثلته في الدورة الغابرة أحسن

تمثيل وخدمت مراقد أجدادك الطاهرين في هذا اللواء المقدس

ألمع خدمة ، ولا غرو فأنت ابن النجف البار ، وولدها النجيب ،

وبهذه المناسبة نشكر لك عن عموم هذا اللواء صنايعك الجميلة

والجليلة ، والتي لا تزال تذكر فتشكر واثقين بعونه تعالى أنك

أينما كنت فمصلحة هذه الأعتاب الشريفة والبلاد المقدسة بل العراق

كله هدفك الأسمى ، ونبراسك الأسنى ، بيد أنك والله ولله الحمد كالسحاب

الماطر أينما وقع نفع ، وحيثما تصبب أصاب ، فاسلم لهذه الأمة أجمع

مؤيدا أبدا بدعاء أبيك الروحي .

محمد الحسين

كاشف الغطاء

‹ صفحة 7 ›

تمثال المؤلف

‹ صفحة 8 ›

بقلم العلامة الجليل والكاتب الكبير

فضيلة الشيخ محمد رضا المظفر

المعتمد العام لمنتدى النشر

تصدير

لا شك أن النشاط الفكري الذي حظيت به هذه البلدة العلمية من عهود بعيدة ،

مضافا إلى ما لها من نشاط سياسي وخلق اجتماعي ونزعة حربية ، مضافا ذلك كله

إلى مركزها الديني من جهة كونها عتبة مقدسة تضم مرقد سيد الكونين أمير

المؤمنين عليه السلام هي مهوى أفئدة ملايين المسلمين وموضوع عناية ملوكهم وأمرائهم

من جهة كونها عاصمة دينية هي مرجع تقليد طائفة كبيرة من المسلمين - كل ذلك

جعل تأريخها حافلا بكثير من المزايا التي تغري المؤرخين والمتعطشين للبحث بأن

يتتبعوا الزوايا المهملة والآثار المبعثرة والخبايا المنسية .

ولكن بقدر ما لهذه البلدة من صور لامعة في تأريخها العلمي يبتدئ من عهد

الشيخ الطوسي العظيم المتوفى سنة 460 هـ‍ ، قد منيت - ويا للأسف - بالغموض في

سلسلة حوادثها التأريخية والعلمية بسبب حرمانها ممن يسجل تأريخها وتأريخ رجالها

في تلك العصور الغابرة ، ولعل السر أن حركتها الثقافية كانت ولا تزال منصرفة

بكلها إلى التخصيص بالفقه الاسلامي وما يتصل به ، فلم يكن من هم العلماء ولا الأدباء

على كثرتهم طيلة تأريخها المجيد هذه الناحية - أعني الناحية التأريخية - فلم يسجل من

تاريخ هذه العاصمة الدينية فيما غير شئ يستحق الذكر والعناية ، وبقي فيه مجالات

للبحث لا تزال بكرا لم تتوفر له المصادر المبسطة غير ما هو مبعثر في الزوايا وبطون

الكتب ، ومخبيات الآثار والمجاميع وهذا ما يحز في نفس كل من يتطلع إلى الماضي

ليفتش عن حوادثه وكل من يهمه أن يسجل سلسلة تأريخها الحافل بجلائل الآثار والأعمال

وهنا يتجلى مقدار التبعة الملقاة على عاتق من يقحم نفسه في تسجيل تأريخ هذه

‹ صفحة 9 ›

البلدة ، كما يتجلى ما يلاقيه من عقبات كأداء في طريقه قد تحمل أقوى الناس شكيمة

على الهزيمة من هذا الميدان . ومن خرج ظافرا ولو بعض الظفر في تسجيل ما قصر

فيه التأريخ القديم فإنه يستحق التقدير والإعجاب بل الشكر . وفي هذه العصور

الأخيرة عني جماعة بتدارك ما فات السابقين من تأريخ الدينية ، ولم

تظفر المطابع بنتاجهم على رغم الحاجة إلى مثله ، وكأنهم درجوا على نهج السابقين

أيضا في إهمال هذا الواجب المقدس ، عدا الأستاذ الجليل الشيخ جعفر محبوبة في

الجزء الأول من كتابه ( ماضي النجف وحاضرها ) الذي لم يفتني أن أقول كلمتي عنه

حين صدوره ، وقد نشرت في مجلة " الاعتدال " الغراء المحتجبة .

وأراني الآن متلهفا لصدور هذا الكتاب الثاني عن تأريخ النجف الذي مكنني

الأستاذ " التميمي " من الاطلاع على الجزء الأول منه لأقدمه إلى القراء وكان أول

ما واجهني وأعجبني منه تحريه لدقائق التأريخ عن مرقد الإمام " ع " وإن كان فيه

من التكرار ما أرجو أن ينخله منه عند تجديد طبعه للمرة الثانية وليست هي بالبعيدة عليه .

وأنه ليستشف القارئ من صفحاته مقدار الجهد المبذول من المؤلف والصبر على

التتبع لالتقاط النوادر من تأريخ هذا المرقد المقدس ، فلم شعث ما تفرق في الكتب

والصحائف المطوية والصحف المنشورة ، وألف بين متفرقات ما استوعبته الآثار .

فجاء في مجموعة مجهودا مشكورا وعملا محمودا وسجلا خالدا لكثير من المطويات

المعرضة للإهمال والنسيان ، شكر الله سعيه وأجزل ثوابه وجعل عمله خالصا لوجهه

الكريم ، وحقيق بمن تمسك بالعروة الوثقى من خدمة سيد الكونين ورئيس الموحدين

وإمام الإلهيين ، أن يستلهم من روحه الجبارة ، ونفسه العظيمة الطاهرة المؤمنة ،

ما يجعل منه عاشقا للحقيقة المجردة ، وملهما يرنو إلى نور الحق الأبلج ولا بدع

لو ينال هذا الكتاب الحظوة لدى كل عالم ومتعلم وأرجو أن يسد الفراغ الذي نحس

به في هذا الباب ، ويتدارك ما فات الأولين من القيام بهذا الواجب وجدير بأن يقتنيه

كل من يتطلع إلى تأريخ هذا البلد المقدس وفقه الله تعالى إلى إكماله ، وأرجو

لكتابه الرواج والانتشار ليعم الانتفاع به ومن الله تعالى نستمد التأييد والتسديد .

17 جمادى الأولى سنة 1472 ه‍

محمد رضا المظفر

‹ صفحة 1 ›

محمد علي جعفر التميمي

مشهد الإمام

أو

مدينة النجف

الجزء الأول

الطبعة الأولى

محتويات الجزء الأول

القسم الأول - ما قيل في النجف

القسم الثاني - ما قيل في الإمام " ع "

القسم الثالث - بحث عام عن النجف وعن

قبر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )

وما يتعلق به

القسم الرابع - العمارات التي أجريت على

الضريح المقدس والانشاءات الأخرى في

الروضة المطهرة وفي الصحن الحيدري

الشريف

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

1372 - 1953 م

مطبعة دار النشر والتأليف في النجف

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

لعل البعض يتسائل ويريد أن يفهم الأسباب التي دعتني إلى ترك

بغداد ، والهجرة إلى النجف الأشرف لتأليف كتاب يضم بين دفتيه

تأريخها المجيد الناصع مع أنها زاخرة بالعلماء الأعلام وجل المؤرخين

والبحاثين . . ! !

أجل . . لم يخطأ السائل . . ولكن النجف امتازت بشرف الهجرة كما

وصفها حجة الإسلام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، وأني قد

هاجرت من بغداد لأسباب عديدة أهمها سببان :

الأول - لأكمل تأريخ مدن الفرات الأوسط وعشائرها قديما

وحديثا حسب خطتي المرسومة .

الثاني - لأحقق ما وسعني التحقيق - وما واتتني القدرة على التحقيق

فيما اختلفت فيه طبقات المسلمين ومذاهبهم بشخصية الإمام علي أمير

المؤمنين عليه السلام - وعن السر الذي اختفي قبره الشريف من أجله

أما وقد حللت النجف الأشرف فقد هيئ لي - ولي الشرف - أن أقدم بين

يدي القارئ الكريم كتابي هذا الذي خصصته بالبحث عنها وذلك

ما لقيمة هذه المدينة من قدسية ، لأنها تضم مرقد الإمام علي أمير المؤمنين ( ع )

الذي هو فخر الإسلام بل فخر العالم كله . ولما خلفته لنا من آثار

‹ صفحة 2 ›

علمية وأدبية خالدة . ولكونها مدرسة الثقافة الإسلامية والمركز المهم

لدائرة الفكر العربي . وفوق هذا أصبحت مركزا للسياسة الإسلامية

وعاصمة دينية على أنها هي إحدى المدن الفراتية المقصودة من خطتي المرسومة

فالنجف والحال هذه مدينة قد " جمعت بين قدس العبادة ، وكرامة

العلم

، وشرف الهجرة " وزاد في قيمتها التأريخية مركزها الديني

الاسلامي في عالم التقليد ، وما أنجبته من علماء وأدباء هم مفخرة التأريخ

الاسلامي منذ تسعة قرون فأكثر .

وبعد هذا . . .

لا أريد - يا سيدي القارئ - في كلمتي هذه بيان كل ما قاسيته

من جهود وما لاقيته من أتعاب في هذا السبيل من تنقيب وبحث ودرس

ومن جمع أوثق الأخبار المستندة إلى أوثق المصادر ، وتحصيل المعلومات

غير المدونة من ثقات البلد ورجالها اللامعين . وما شاكل ذلك مما يلاقيه

المؤلفون في مثل هذه البحوث الشاقة العسيرة .

أجل - لقد لاقيت كل ما لاقيت في هذا السبيل . ولكني لا أجد

فيه على الرغم من تلك الجهود والأتعاب غير اللذة والمتعة لما فيه من إرضاء

لنفسي التواقة إلى خدمة هذه المدينة المقدسة خدمة صادقة خالصة راجيا

من الله سبحانه تعالى أن يتقبل عملي هذا بأحسن قبول ، ومن الله التوفيق

التميمي

‹ صفحة 3 ›

القسم الأول

ما قيل في النجف الأشرف

وصف عام ومقتطفات أثرية قيمة

‹ صفحة 4 ›

لمحة عن مكانة النجف العلمية

النجف الأشرف كعبة العلم ، وأم وأم العواصم الدينية ، ومجمع

القرائح وملتقى العقول :

قال رسول الله ( ص ) " أنا مدينة العلم وعلي بابها "

إن امتازت كل عاصمة من عواصم الدنيا الكبرى بما فيها من حسن

وجمال وأبهة وجلال ، وزينة وكمال ، فميزة النجف الأشرف عاصمة

علم آل البيت ( ع ) بأنها مصدر التقليد عند الإمامية ، وإليها يولي

وجههم

كل الشيعة من سائر آفاق الدنيا الإسلامية ، منذ أن هبط

إليها شيخ الطائفة الجليل شيخنا الطوسي رحمه الله أي منذ سبع عشرة

وتسعمائة سنة حيث جاور بها ينبوع الحكمة وبحر العلم الزاخر ، فخر

الأوائل والأواخر علي بن أبي طالب عليه السلام ، فهاجر إليها العلماء

وقصدها المجتهدون من كل حدب ينسلون فكانت من ذلك العهد

‹ صفحة 5 ›

إلى هذا العهد الحاضر مأوى عظماء العقول ، ومعقل رجال التشريع

وزعماء الدين ومراجع التقليد ، ومصادر الأنوار الإلهية ومصابيح الهداية

الربانية مسكنهم في الحياة ومدفنهم عند الممات ، وإذا قدر لأحدهم أن يحظى

بشرف المثول فيها حيا أوصى أن تنقل إليها رفاته بعد موته تبركا بتربتها

وتشرفا بمجاورتها بنيت على أساس من التقى جدرانها ، وأقيمت على

حساب الدين بيوتها ، وأنشئت بالعلم محلاتها ، واكتظت بالعلماء المجاورين

والمهاجرين طرقاتها ، وليس في النجف عائلة من العوائل العراقية - أيا

كان نوعها وصلتها - إلا وكان سبب سكناها بالنجف الهجرة العلمية ،

والنقلة الدينية ، فليس فيها بيت يسكن إلا وهو مدرسة لعالم أو مدفن

وطلبة العلم فيها وإن كانوا من جنسيات مختلفة يسعون لغاية واحدة مؤتلفة

وليس في العالم الشيعي على تباعد أرجائه وتشتيت أنحائه عالم ديني كبير

إلا من النجف أو إليها وعواصم الشيعة المختلفة في تأريخهم كالحلة

الفيحاء ، وحلب السهباء ، وبغداد ، وسامراء ، وقم ، وأصفهان ، وتبريز

وطهران ، منها تتجمع وعليها تتفرع ففضلها على تلك المدن كفضل

القمر البازغ على النجوم ، وحسب الناظر ما فيها من جوامع قدسية

حافلة ومدارس دينية آهلة يصعب على المرء تعدادها ويكفي ما فيها من

المقابر للعلماء الماضين والمجتهدين الغابرين .

‹ صفحة 6 ›

الثروة الأدبية في النجف الأشرف

في النجف - علاوة على الثروة العلمية الغزيرة - ثروة أدبية قيمة ،

هي ينبوع غزير ، لا ساحل له ولا قرار ، وعين للآداب فوارة ،

يمكن أن يرتوي منها أبناء الضاد ، وأن يخلقوا منها للعراق كيانا أدبيا

جديدا ، يتناسب والعصر الحاضر ، ويتفق والطراز الحديث . .

وكل هذه الثروة والخزانة الغالية لا تحتاج إلا إلى قليل من

الاعتناء والصقل والجلاء ، لتبرز إلى القراء ، والمتشوقين إلى هذه الآثار

الثمينة ، ولتخلق لنا جيلا متأدبا ، وطبقة من الأدباء كبرى ، يرفعون

رأس اللغة العربية في هذه الربوع ويجعلون لأبنائها مكانة سامية ومقاما

محمودا ، تحسدها عليه الأمم ، وتغبطها الشعوب . .

لمدينة النجف - في الناحية الأدبية - خصائص وميزات قلما توجد

في مدينة أخرى ، فقد عجنت بالآداب ، واختمرت به إلى درجة بعيدة جدا

فإني سرت وأين حللت ، رأيت وسمعت ما يطربك ويعجبك ، من

نثر رائق ، وشعر فائق ، ونكات مستملحة ، ونقد نزيه ، علاوة على

الذكاء الفطري المحس في سائر الطبقات في النجف .

‹ صفحة 7 ›

وهب أنك استطعت ( وهيهات ) أن تحصي في مدة طويلة أسماء

أدبائها وتعرف من مؤلفاتهم شيئا فإنك لا محالة عاجز عن الوقوف على

نهاية آثارهم المبعثرة هنا وهناك ، ويمكننا في هذا المقام أن نحصر الثروة

الأدبية في النجف بنطاق ضيق ونلخصه في مواضع ثلاث :

1 - أدب الجدران والأبواب

لا يكاد السائح أو الزائر أن يدخل إلى هذه المدينة المقدسة ، ويقف

على جدار جامع أو باب مدرسة أو مقبرة أو مشهد أو معبد ، إلا ويجد

عليه البيت أو البيتين أو القطعة النفيسة الرائقة ، مما يتناسب والمقام ،

وينطبق ومقتضى الحال فهذا باب جامع كتبت عليه أبيات جميلة ذكر

فيها عبارات التقوى والعبادة واسم الباني له وتاريخ بنائه ، وهذه دكة

رسمت عليها مقطوعة غالية يرثى بها صاحب القبر ، مع مقدار من شرح

مزاياه وآثاره وتأريخ وفاته ، وتلك زاوية أثرية مرت عليها الأجيال

والقرون بما فيها من أدباء يجتمعون بفنائها فأصبحت مجموعة نفيسة فيها

ما فيها من أبكار أفكار النجف وفطاحلها .

وحبذا لو تصدى بعض الباحثين من أدبائنا لإصدار مجموعة تضم تلك

الآثار الدارسة ليقف منها على أدب وتأريخ ومقدرة لا يستهان بها .

2 - أدب المجاميع الناطقة

ظاهرة من ظواهر أندية النجف الحافلة ، ومزية من مزايا عمار محافلها

‹ صفحة 8 ›

اختصت بها دون غيرها ، وهي أنك لا تكاد تجتمع بشيخ أو كهل

من رواد تلك المحافل ، ووراد هاتيك المناهل ، إلا وسمعته يروي لك

عن شعرها وشعرائها وطرائف أدبائها ، ونكاتهم ومطارحاتهم

ومساجلاتهم ، مما مرت عليه العصور التي قضاها في أوساط أولئك الكتاب

والشعراء ، وإذا أخذت نصيبك من تصفح صفحات ذاكرته وتبينت

خلال سطور حافظته وجدت نفسك - بلا ريب - وبين يديك مجموعة

( ناطقة ) تزيدك مادة أدبية كلما زدتها تصفحا واستطلاعا .

3 - أدب المجاميع المخطوطة

أجل - وفي زوايا النجف ومكتباتها ( العامة والخاصة ) وحجراتها

القديمة ، وخزائنها وصناديقها من المخطوطات الأثرية القديمة والحديثة

والمجاميع الجامعة ، والدواوين الشعرية ، والمقامات والرسائل النثرية

البليغة والمعارضات والمساجلات وتراجم مختلف الأدباء في مختلف

الأدوار والعصور ، ما يفوق حد الإحصاء .

فلو فتش أحدنا القصائد وتتبع المنظومات الشهيرة - أمثال البردة

والهمزية والدريدية والتترية والعلويات الهاشميات

‹ صفحة 9 ›

وبانت سعاد وميمية الفرزدق وغير ذلك ، فلا يجد لكل منها

إلا تخميسا أو تخميسين وتشطير أو تشطيرين ذلك في غير النجف .

ولو قلبنا وجوه هذه المجاميع التي أشرنا إليها - في زوايا النجف -

لوجدنا لكل واحدة من التخميس والتثمين والتشطير ، عددا كبيرا من

أحسن ما جادت به قرائح الأدباء النجفيين الوقادة .

ولقد حدثني أحد الأصدقاء وقال بأنه يعرف قصيدة واحدة اجتمع

عليها مقدار غير قليل من الشعراء فغير كل منهم قافيتها ورويها مع حفظ

الوزن والتراكيب ثم ادعاها كل منهم أنها له ، وأنها من بنات أفكاره

الخاصة ، ونظم دعواه أرجوزة حاوية على مستنداته ، وكل ما يبرر دعواه

وقد عرض هؤلاء دعاويهم " أراجيزهم " على قاضي النجف وكان أدبيا في

‹ صفحة 10 ›

زمانهم فحكم لأحدهم بها وإصدار قرارا منظوما بذلك ، يستند فيه

على أدلة مقنعة ، ويرد على شهادات الشهود ، كل ذلك بشعر نفيس

ونظم متين . وقد جاءت هذه المحاكمة من أنفس الكتب الأدبية ، التي

تدل على براعة ومقدرة أولئك الأدباء الفطاحل .

قدمت حكومة الأندلس للمؤرخ ابن خلدون جواز سفر بصورة

أرجوزة فقامت قيامة المؤرخين في الثناء على الأدب الأندلسي ، ولو

قارنا بين هذا الجواز الأندلسي وبين هذه الدعوى الكبيرة في النجف لألفينا

بونا بين الأدبين شاسعا ، وفرقا بين الحالين واسعا ، هذا جواز سفر

منظوم لا أكثر ولا أقل ، وهذه دعوى بها مقدار كبير من المدعين

ولكل مدع شاهدان ويتبعها قرار من المحكمة ، كلها نظم في نظم ، ولا

نرى مع ذلك كله مكبرا ولا مقدرا .

النجف وطبقات شعرائها

أن النجف قد اشتهرت بين البلدان بأمور ، منها كونها مدفن بطل

‹ صفحة 11 ›

الإسلام الإمام علي ( ع ) أما الأمر الثاني فهو مدارسها القديمة التي

أنشئت لدراسة علوم الشريعة الإسلامية ، وفنون اللغة العربية على الطريقة

المألوفة منذ عصور وقد كانت هذه المدارس تعد ما يناهز الثلاثين

مدرسة كبيرة وذلك خلال الربع الأول من هذا القرن ولا شك أن

عددها الآن دون ذلك .

ومن الأمور التي ذاع بسببها اسم النجف على ما نرى كثرة شعرائها

فلا نعرف في بلدان العرب بلدة تجاري النجف بكثرة تخريجها للشعراء

خصوصا في هذه القرون الأربعة الأخيرة ، هذا مع مراعاة صغر

رقعتها وأنها لا تعد في الحواضر الكبيرة ، وقد يجهل الأديب أو المفكر

العراقي هذه الحقيقة ولكنني لما كنت أتنقل في بعض الأقطار العربية

وذلك خلال سنة 1338هـ  - 1920 م دهشت من الأسئلة الموجهة إلي

في هذا الشأن ولا أنسى إلى الآن اهتمام فريق من أعلام الشام بالموضوع

إذ ذاك ، فقد سئلت لماذا يكثر قالة الشعر في النجف والحلة ؟ وما سر

شاعريهم ؟ إلى هذا وغيره ، والحق إننا إذا رجعنا إلى بعض كتب الطبقات

أو التاريخ التي تم وضعها من بعد الألف للهجرة إلى عهد قريب ألفيناها

تسمي لنا أعلاما كثيرين من شعراء وأدباء نجفيين ولا أنسى كذلك أن فريقا

من فحول شعراء بغداد كانوا يحتكمون في مناقضاتهم إلى محافل النجف

الأدبية وذلك منذ عشرين سند أو نحو هذا التأريخ وقد كنا شبانا

‹ صفحة 12 ›

نطلب العلم في النجف إذ ذاك ، فما هو يا ترى ، منشأ هذه الخصوصية

في الحاضر المذكورة ؟

يترائى لنا أن السر في ( البيئة ) فإنها منشأ ما رأيت من كثرة

الشعراء في النجف والبيئة كلمة نريد منها حيث نطلقها فيما نحن فيه

مجموع المؤثرات الخارجية والذهنية - وفي مصطلح كتاب العصر

المؤثرات المادية والمعنوية التي تؤثر في تكوين الشخصية الإنسانية

من أوضاع خاصة بالزمان والمكان والثقافة والأخلاق وقد انتبه

المفكرون من علمائنا السابقين إلى أثر البيئة في تكوين خصائص

الكائنات إجمالا ومن أقوالهم المأثورة " إن لله أسرارا في الأزمنة

والأمكنة والبقاع " وغير ذلك ، ففي النجف توجد من جهة بعض

وسائل الثقافة وأدواتها من مدارس ومعاهد ودور كتب ، وتشاهد

حلقات الطلاب والمحصلين أثناء مذاكرتهم ترسم لنا صورة من تلك

الصور المأثورة في المجتمع الاسلامي القديم وتمثل لنا حلقات البصرة

ومجالس الكوفة المعروفة وليس لنا أن نستكثر ذلك على بلد الغريين

فإنها سواء في عصور الجاهلية أو الإسلام ذات صلة لا تنكر بمراكز

الثقافة والتهذيب ، فالنجف في جاهليتها قطعة من الحيرة عاصمة المناذرة

أو عاصمة عرب العراق قبل الإسلام حيث عاش الأدب الجاهلي في كنف

القوم ووفد عليهم فحول شعراء الجاهلية من أقصى نجد والحجاز هذا

‹ صفحة 13 ›

عدا من نبغ في الحيرة نفسها من شعراء وخطباء أنجبتهم قبائل ( أياد )

و ( العباد ) وغيرهما من قبائل الحيرة المشهورة وربما سبق الحيريون

إلى إنشاء أول مجمع للأدب الجاهلي إذا صح ما رواه علماء الأدب من أن

المعلقات جمعت في الحيرة وأن النعمان بن المنذر أمر فنسخت له أشعار

العرب في الكراريس ثم دفنها في قصره الأبيض فلما وثب المختار

بالكوفة سنة 66 قيل له إن تحت القصر كنزا فاحتفره فأخرج تلك

الأشعار ، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة . وإذا صح

ما يروي عن هشام بن الكلبي من أنه استخرج أخبار ملوك الحيرة

عن بعض صحفهم .

فعلى هذا كان في الحيرة تدوين وكانت صحف وكراريس

وبالجملة كان أدب جاهلي وكانت ثقافة حيرية عربية على الاجمال ، ومما لا

شك فيه أن الخط الكوفي المعروف إنما تفرع عن الخط الحيري الذي

انتشر في بلاد العرب في أواخر أدوار الجاهلية ، ولا بد مع

الخط من مخطوطات ومكتوبات فلذلك نحن لا نميل إلى نفي قصة المختار

بتاتا وإن كان أصلها وهو حماد الرواية متهما بوضعه لطائفة من الشعر

الجاهلي وكذلك الأمر في رواية ابن الكلبي والروايتان تدلان إجمالا

على تدوين شئ من الشعر والتاريخ الجاهلي في مدينة الحيرة على إننا لا نصحح

كثيرا مما نقلوه أو رووه في هذا الباب ، ففيه المنحول وفيه المدسوس

‹ صفحة 14 ›

بلا ريب .

أما النجف بعد الفتوح ودخول العراق في حوزة المسلمين فقد

أصبحت جزءا من الكوفة وقد مصرت الكوفة من قبل الفاتحين في

جوار الحيرة ولم تمض على تمصيرها أعوام قليلة حتى بدت على المسلمين

أعراض جديدة لا عهد لهم بها من قبل ومن مظاهرها الفتور والسأم

من الحرب والقتال والميل إلى الأدب والدراسة شأن الأمم التي تنتقل

من حال إلى آخر في مطالبها وأوضاعها الاجتماعية وهكذا مال

الكوفيون بكليتهم إلى الأدب والثقافة وعقد المحافل والمجالس لهذه الغاية

وبالغوا في الأمر بحيث أثر على سجاياهم الحربية تأثيرا أرمض قادتهم

وجعل الإمام عليا ينحي باللائمة عليهم وكيف لا يكون كذلك

والفروسية قلما اجتمعت مع الحضارة ومظاهرها من الأدب والدراسة

فهما خلقان متفاعلان في كثير من الأحيان كلما قوي أحدهما أضعف

الآخر ولما شعر الإمام علي ( ع ) باستفحال الأمر أي بما يجلبه التعمق

في الأدب على جنده وأصحابه من ضعف خلق الرجولة والكفاح فيهم

حاول اصلاحهم وحملهم على التمسك بأخلاقهم الماضية وانبرى لتقريعهم

قائلا في إحدى خطبه البليغة " تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين

تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار تربت أيديكم نسيتم الحرب

واستعدادها وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها "

‹ صفحة 15 ›

فمن ذلك التاريخ وضعت في الكوفة أقوم الخطط والمناهج لدراسة

الشعر والأدب واللغة دراسة واسعة جامعة نوهت بها جميع الآثار

الموضوعة في تاريخ آدابنا العربية حتى قيل أن الأدب أو الشعر ميراث

في الكوفة فلا بدع أن تحتفظ النجف بشئ من ذلك التراث الأدبي

العظيم أو الثروة العلمية الضخمة ومن المعقول أن تنطبع في ذاكرة

المثقفين من أبنائها ذكريات الكوفة ، ومآثر علمائها وشعرائها ونحاتها

ولغوييها في خدمة اللغة العربية ، وقد فطن بعض السواح من المستعربين

إلى أن لهجة النجفيين من أفصح اللهجات العربية في هذا العصر وقد

سمعت منهم ذلك .

ثم إننا نرى النجف من جهة أخرى حاضرة عربية في موقعها ونزعتها

وسجايا سكانها على الأكثر فالسكان يتعشقون حريتهم ويميلون إلى

البساطة في معيشتهم والبلد واقعة على مرتفع يشرف من جهد المغرب

على " البحيرة " الجافة المعروفة ثم على أفق واسع الرقعة مترامي الأطراف

من الصحراء ، ولمغرب الشمس مساء كل يوم وانحدارها في قلب تلك

البحيرة أو في جوف الصحراء منظر رايع طالما شاهدنا الطارئين على

النجف ولا سيما من الغربيين يتذوقونه ويقصدون تلك الأنشاز للتمتع

‹ صفحة 16 ›

به ثم ما تكاد تغيب الشمس في كثير من الأمسية والعشايا حتى تسطع

الكواكب أو يبزغ " ملك الليل " من ناحية المشرق يتهادى في سماء

صافية الأديم صحيحة الهواء إلى أن يغمر الصحراء أو الكون بأشعته

الفضية فيتكون من ذلك منظر آخر لا يقل في روعته عن المنظر

السابق ، ولا ينفك يذكي خيال النجفي الحساس ويغذيه غذاء لا ينفذ

معينه ولا ينقطع مادته أضف إلى ذلك توفر العزلة والسكون في تلك

الأرجاء ، فالنجف قد انتبذت ناحية عن الطرق العامة في العراق ، وطبيعة

البلد هادئة لا تعكر صفوها ضوضاء العمال ، أو الزراع المنتشرين في

سقي الفرات .

فمن تلك المناظر الرائعة أحيانا التي تبعث على التأمل وتيقظ الشعور

والوجدان ومن ذلك السكون الذي لا يثمر التأمل إلا في ظله استوحى

كثير من شعراء النجف أشعارهم الوجدانية وهاموا في كل واد .

وأصبحت تلك الناحية بيئة صالحة لتنمية الخيال وإرهاف الشعور ،

سخية بإنتاج الشعراء إنتاجا فاض عن حاجتها ، وربما جعل عنصر الخيال

في حياتها أقوى من عنصر الحقيقة .

ولا يؤخذ على الشاعر النجفي على الأكثر إلا نقص أو ضيق بين في ثقافته وإلا

‹ صفحة 17 ›

حاجته الظاهرة إلى استكمال أدوات هذا الفن كما يتطلبه هذا العصر

وهو نقص أو حاجة تستدعيها حالة البلد وأنها لا تعد في الحواضر

الكبير ولا في الأمصار الغنية الجامعة .

هذا ومن الحقائق المسلمة أن الشعر يتسم إلى حد بعيد بميسم العصر

الذي ينشأ فيه ، ولما كان الخمول والجمود والتقليد البحث من خصايص

هذه العصور الأربعة الأخيرة وصفاتها العامة ، فقد تأثر بها شعر

الشعراء لا في النجف وحدها ، بل في العالم العربي بأسره ، فغلب عليه

التكلف والتقليد وندر الابتكار والتوليد .

وإذا أنت سبرت قصائد القوم المنظومة في هذه البرهة ألفيتها على

الأكثر ترديدا سخيفا لما قاله الأقدمون في لفظه ومعناه تقرأها

فتقرأ فيها التصنع والضعف وتروى لك فيروى معها التخريف والأوهام

وما زال الأمر كذلك إلى عهد قريب ، أدركنا نحن أواخره كما

أدركنا بداية هذا العصر الحديث ، فعصرنا هذا إذا عصر يختلف

بطبيعته عن سابقه من حيث أنه عصر اليقظة والانتباه ومحاولة التحرر

والانعتاق من قيود التقليد والعادات بل هو عصر الحوادث الجسام

والماجريات العظام التي هزت النفوس وأثارت الأفكار فلا بدع أن

يتأثر ما يقال من الشعر في مثل هذا العصر بأخص خصائصه وأحواله .

ومن هذه الناحية ظهر الشعر العصري الموسوم بسمة هذا العصر تقرأه

‹ صفحة 18 ›

فتقرأ فيه الدعوة إلى التجديد والنهوض . . وتتصفحه فتتصفح فيه التطلع

إلى الحياة أو المطالبة بالإصلاح والحث على الأخذ بوسائل القوة

والاتحاد .

وبالجملة تجددت فيه أغراض وفنون أخرى ترمي إلى تصوير المثل

العليا للخير والحق والجمال في هذه الحياة وهي غاية الأدب الحقيقي في

جميع العصور . وادي النجف

لمعالي العلامة : الشيخ علي الشرقي

اللطف غبش صفحة * الوادي المنور بالشقايق

والرمل مواج السبائك * بالشذى القدسي عابق

والدار عالية البنا * قوراء كاملة المرافق

وضح الطريق لها * وزالت عن شرايعها المزالق

فيها مفاتيح لأبواب * الرجا وبها مغالق

‹ صفحة 19 ›

ولها مجاز ينتهي * بالسالكين إلى حقايق

وطني المقدس أي سر * في ثراك الطهر عالق

أمن الثرى هذي الدمى * ومن الورى هذي الغرانق

ومن التراب وما التراب * خلقت أوراد الحدايق

لله فيك عناية * جعلتك مخلوقا وخالق

مرت بصخرتك القرون * سريعة مر الدقائق

ملئ بكل طريفة * من كل معجزة وخارق

زاهي الحدود منيعة * ببني المدارس والخنادق

ساع لرفعة شعبه * بلد المنابر والمشانق

ولوائه القومي فوق * شعاره الوطني خافق

العز وضاء المنارة * لاهب والعزم صادق

تاج الجزيرة قبة * سطعت على خير المفارق

الحق تحت رواقها * والمجد ممدود السرادق

أين اللواحق يا غري * فأنت أنت أبو السوابق

يا لمعة النجف المعلى * لا تجهمك الطوارق

‹ صفحة 20 ›

النجف مركز اقتصادي للجزيرة العربية

لقد أرادت الطبيعة أن تعطي مدينة الغري صفة ممتازة في وضعها

الاقتصادي إضافة إلى ما لها من المركز الممتاز في عالم الأدب والدين

فالنجف هي منذ بدء تكوينها مدينة الاقتصاد ومدينة المال للجزيرة

العربية . لقد اعتاد سكان الجزيرة من بدويين وحضريين أن يتمونوا بما

يحتاجونه من ملابس وحبوب ولوازم وأثاث من أسواق النجف منذ

عهد بعيد كما أنهم يرتادون النجف للاكتيال من مناهلها الغزيرة أبان

اشتداد الأزمات وقلة المرعى في سنين المحل . حيث يضعف إنتاجهم

من الماشية والإبل ولقد اعتاد النجفيون تسليف أمثال هؤلاء بما

يحتاجونه من مال وحبوب وغيره دون أن يطلبوا لقائه أي وثيقة أو أي

مرتهن لعلمهم أن سكان البادية أمناء على ذممهم يسددون ما يترتب عليهم

دفعه ولو بعد انقراض الجيل الذي اقترض المال إذ كثيرا ما يأتي الأبناء

بالمال لسد ما بذمم آبائهم من أثمان المسابلة وهذه المدينة المنورة وحائل

وسائر مدن الصحراء مملوءة بالجالية النجفية التي بعثت روح النشاط

التجاري في هذه الأصقاع الصحراوية . أما النجف فمركزها الاقتصادي

‹ صفحة 21 ›

بالنسبة للأصقاع العراقية التي تحيطها ولما يجاورها من زراع فمهم جدا إذ قد

تشرب النجفيون بروح الاشتغال بالزراعة ومشاركة أربابها في مناطق

الفرات الأوسط برمته .

فالنجفيون ميالون بطبيعتهم إلى الأخذ بالأسس الاقتصادية الحديثة

ولو قيض الله لهذه المدينة من أبنائها المتمولين من يحسن التمشي على

أسس اقتصادية حديثة وقام بتأسيس المعامل والأدوات الاقتصادية

المختلفة لوجد في أبناء النجف نشئا يستعين ويسد حاجته به في مختلف

فروع الأعمال فالنجف الواقعة على مقربة من الفرات والمستمدة حيويتها

من مياه الفرات العذبة ونسيم الصحراء العليل لجديرة بأن تكون

مركزا اقتصاديا هاما بجمع بين النهضة الأدبية العلمية وبين النهضة

الاقتصادية ولا غرو أن الجمع بين هاتين النهضتين هو غاية الكمال .

‹ صفحة 22 ›

القسم الثاني والثالث

محتويات القسم الثاني

ما قيل في الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

ومقتطفات من أقوال المؤرخين العظام وفلاسفة الغرب الكبار

محتويات القسم الثالث

1 - ما قاله اللغويون عن النجف 2 - النجف قبل دفن الإمام وما قاله

المؤرخون عنها 3 - ما قاله الرحالون عنها 4 - بيان عن أسماء النجف

5 - بيان عن فضل النجف والتختم بحصبائها ومجاورة قبر أمير المؤمنين عليه السلام

6 - من دفن في النجف الأشرف من الأنبياء عليهم السلام وفضل الدفن فيها

7 - من دفن في النجف من صحابة الرسول الكرام 8 - قبر الإمام علي بن

أبي طاللب " ع " 9 - بيان عن أسباب إخفاء قبر الإمام علي بن أبي طالب " ع "

10 - من زار قبر الإمام علي بن أبي طالب " ع " من الأئمة " ع " 11 - ثواب زيارة

قبر الإمام علي ( ع ) 12 - تعيين المرقد المقدس من قبل علماء الآثار

13 - تعيين قبر المغيرة بن شعبة بموجب الأدلة القطعية 14 - ظهور القبر المقدس

15 - بعض الكرامات التي ظهرت عند المرقد المقدس

‹ صفحة 23 ›

كلمة جبران في الإمام " ع "

قال النابغة جبران خليل جبران :

في عقيدتي أن ابن أبي طالب كان أول عربي لازم الروح الكلية

وجاورها وسامرها وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها فرددها

على مسمع قوم لم يسمعوا بمثلها من ذي قبل ، فتاهوا بين مناهج بلاغته

وظلمات ماضيهم فمن أعجب بها كان إعجابه موثوقا بالفطرة ، ومن

خاصمه كان من أبناء الجاهلية .

مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته ، مات والصلاة بين شفتيه ،

مات وفي قلبه الشوق إلى ربه ، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره

حتى قام من جيرانهم الفرس أناس يدركون الفارق بين الجواهر والحصى

مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملة وافية ، غير أنني أتمثله مبتسما قبل

أن يغمض عينيه عن هذه الأرض ، مات شأن جميع الأنبياء الباصرين

الذين يأتون إلى بلد ليس ببلدهم وإلى قوم ليسوا بقومهم في زمن ليس

بزمنهم ، ولكن لربك شأن في ذلك وهو أعلم .

جبران

‹ صفحة 24 ›

ما جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد

في الجزء الأول

بحق الإمام ( ع )

ما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ولم يمكنهم جحد

مناقبه ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان

الإسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره

والتحريف عليه ووضع المعايب والمثالب له ولعنوه على جميع المنابر

وتواعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث

يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه

وكلما كتم تضوع نشره وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار إن

حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة .

وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة وتنتهي إليه كل فرقة

وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق

مضمارها ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى

مثاله احتذي وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي لأن

شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات فكان هو

‹ صفحة 25 ›

أشرف العلوم ومن كلامه عليه السلام اقتبس وعنه نقل وإليه انتهى

ومنه ابتدأ ، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر

ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه لأن كبيرهم واصل بن

عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه

وأبوه تلميذه عليه السلام وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن

علي بن أبي الحسن وإلى علي بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي

الجبائي وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بآخره إلى

أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأما الإمامية

والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .

ومن العلوم علم الفقه وهو عليه السلام أصله وأساسه وكل فقيه في

الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، وأما أصحاب أبي حنيفة

كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة وأما الشافعي فقرأ

على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة وأما أحمد بن حنبل

فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة وأبو حنيفة قرأ على

جعفر بن محمد عليه السلام وقرأ جعفر على أبيه ( ع ) وينتهي الأمر إلى

علي عليه السلام وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي وقرأ ربيعة على

عكرمة وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على علي ( ع )

وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك فهؤلاء

‹ صفحة 26 ›

الفقهاء الأربعة ، وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر وأيضا فإن فقهاء

الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وكلاهما أخذا عن

علي ( ع ) أما ابن عباس فظاهر وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه

إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة .

ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أخذ ومنه فرع وإذا رجعت إلى

كتب التفسير لعلمت صحت ذلك .

ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف وقد عرفت أن

أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون .

ومن العلوم علم النحو والعربية وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه

وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله من جملتها

الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى

معرفة ونكرة وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر

والجزم وهذا يكاد يلحق بالمعجزات لأن القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر

ولا تنهض بهذا الاستنباط . وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل

النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها ، أما الشجاعة فإنه

أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ومن اسم من يأتي بعده . ومقاماته

في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة وهو الشجاع

الذي ما فر قط ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحد إلا قتله ولا ضرب

‹ صفحة 27 ›

ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية .

وأما القوة والأيدي فيه يضرب المثل فيهما قال ابن قتيبة في المعارف

ما صارع أحدا قط إلا صرعه وهو الذي قلع باب خيبر واجتمع عليه

عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة

وكان عظيما كبيرا جدا فألقاه إلى الأرض وهو الذي اقتلع الصخرة

العظيمة في أيام خلافته بيده عليه السلام بعد عجز الجيش كله عنها

فانبط الماء من تحتها .

وأما السخاء والجود فماله فيه ظاهرة كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده

وفيه أنزل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما

نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " وروى المفسرون

أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم

سرا وبدرهم علانية ، فأنزل فيه ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار

سرا وعلانية " .

وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن مذنب وأصفحهم عن مسئ .

وأما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين .

وأما الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء وعن

كلامه قيل دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ومنه تعلم الناس

الخطابة والكتابة .

‹ صفحة 28 ›

وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد وبدل الأبدال وإليه تشد

الرحال وعنده تنفض الأحلاس ما شبع من طعام قط وكان أخشن

الناس مأكلا وملبسا

وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاد وصوما ومنه تعلم

الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة .

وأما قراءته القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب

اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ( ص ) ولم

يكن غيره يحفظه ثم هو أول من جمعه ، وإذا رجعت إلى كتب القراءات

وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلاء وعاصم بن

أبي النجود وغيرهما لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ

وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن فقد صار هذا الفن من

الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق .

وأما الرأي والتدبير فكان من أسد الناس رأيا وأصحهم تدبيرا وهو الذي

أشار على عمر لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما

أشار وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم

يحدث عليه ما حدث وإنما قال أعداؤه لا رأي له لأنه كان متقيد بالشريعة

لا يرى خلافها ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه وقد قال عليه السلام

لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب .

‹ صفحة 29 ›

وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة خشنا في ذات الله لم يراقب

ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به ،

وأحرق قوما بالنار ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله

البجلي وقطع جماعة وصلب آخرين .

وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة وتعظمه

الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة وتصور ملوك الفرنج ولزوم صورته

في بيعها وبيوت عباداتها حاملا سيفه مشمرا لحربه وتصور ملوك الترك

والديلم صورته على أسيافها ، وكان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف

أبيه ركن الدولة صورته وكان على سيف الب أرسلان وابنه ملكشاه

صورته كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر .

وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكثر به وود كل أحد أن

يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها

أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك فإن أربابها نسبوا

أنفسهم إليه وصنفوا في ذلك كتبا وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه ،

وقصروه عليه وسموه سيد الفتيان وعضدوا مذهبهم بالبيت المشهور

المروي أنه سمع من السماء يوم أحد .

لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي

وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش

‹ صفحة 30 ›

ورئيس مكة قالوا قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال

له وكانت قريش تسمية الشيخ ، وهو الذي كفل رسول الله ( ص )

صغيرا وحماه وحاطه كبيرا ومنعه من مشركي قريش ولقي لأجله عنتا

عظيما وقاسى بلاء شديدا وصبر على نصره والقيام بأمره ، وجاء في الخبر

أنه لما توفي أبو طالب أوحى إليه الجليل يأمره بالهجرة وأن يخرج منها فقد

مات ناصره وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين

والآخرين ، وأخاه جعفر ذو الجناحين وزوجته سيدة نساء العالمين وابنيه

سيدا شباب أهل الجنة فآباؤه آباء رسول الله وأمهاته أمهات رسول الله

وهو مسوط بلحمه ودمه لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد

المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة فكان منهما

سيدا الناس هذا الأول وهذا التالي وهذا المنذر وهذا الهادي .

وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى وآمن بالله وعبده وكل

من في الأرض يعبد الحجر ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحد إلى التوحيد

إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله ( ص ) .

ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول

الله ( ص ) وإيمانا به ولم يخالف في ذلك إلا الإقلال وقد قال هو عليه السلام أنا

الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام الناس وصليت

قبل صلاتهم .

‹ صفحة 31 ›

الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )

( في سطور )

* ولد الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكعبة المشرفة ولم يولد فيها

أحد غيره .

* تربى في حجر النبي وتلقن بمبادئ النبي وتخلق بأخلاقه .

* وهو أول من أسلم وأجاب داعي الله في اتباع الحق ومحاربة الشرك

* قال الرسول الأعظم ( ص ) إلى علي وكان ذلك في أول بدائة

الإسلام ، وذلك عندما جمع الرسول عليه الصلاة والسلام رؤوس

قريش بما فيهم أبناء عبد المطلب في دار أبي طالب ممتثلا الأمر الصادر

من الجليل جل جلاله بقوله ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك

لمن اتبعك من المؤمنين ) قال له : أنت أخي ووزيري ووصي ووارثي

وخليفتي من بعدي ) وهو صريح بالنص على إمامة الإمام ( ع ) .

* فدى الإمام نفسه قربانا لرسول الله وذلك عندما قررت قريش

قتل الرسول الأعظم في فراشه فلبس سلام الله عليه برد النبي ونام على

فراشه معرضا نفسه للموت الزؤام وهذه منتهى الشجاعة والإقدام

والتضحية في سبيل الواجب المقدس .

* كان الإمام علي ( ع ) أعظم كتبه الوحي عند النبي عليه الصلاة

والسلام .

‹ صفحة 32 ›

* رأى النبي ( ص ) توثيقا لعرى المودة بين المهاجرين والأنصار أن

يؤاخي بينهم فكان يختار واحد من هؤلاء وواحدا من أولئك ويربطهم

برباط الأخوة ولما فرغ من الجميع آخى بين نفسه وبين فتاه الربيب فآثره

على كل حبيب بعيد وقريب .

* كانت معركة بدر هي أول انتصار للإسلام وقد أبلى فيها الإمام

علي ( ع ) على حداثة سنه بلاء عظيما فبطش بأشد أبطال مكة ومنهم

حنظلة والوليد وابن سعيد وغيرهم .

* كان الناس يخافون الإمام علي ( ع ) ويتهيبون منه خاصة في الحروب

بالنظر لعلمهم من صدق حملته وحد نصله كما أن يقظته كانت لا تغادره

لحظة مهما تأجج لهب الحرب بل يظل أبدا متمالك الأعصاب .

* ذو الفقار هو لقب سيف النبي الذي أهداه إلى علي ( ع ) فكان بيد

أبي الحسن آلة الخلود في عالم البطولة - وهو الذي قال فيه القائل

لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي

* جاء النبي ( ص ) بيت علي ( ع ) في يوم بارد وكان علي وفاطمة

وولداهما الحسن والحسين عليهم السلام قد لجئوا إلى فراش واحد

ووضعوا فوقهم ملحفة يستدفئون بها لشدة البرد فدخل ( ص ) معهم

تحت الملحفة وجاء جبريل وهم على تلك الحالة فتمنى أن يكون سادسهم .

* فتك الإمام علي ( ع ) في غزوة أحد ببني عبد الدار حاملي لواء

‹ صفحة 33 ›

المشركين وكلما قتل واحد منهم أخذ اللواء آخر وآخر من أخذ اللواء

عبدهم ولما سقط يخور بدمه سقط اللواء فكانت الهزيمة ، ولولا مخالفة الرماة

لأمر النبي ( ص ) لكان النصر في جانب المسلمين ، وعلى أثرها كانت

الهزيمة الأولى والأخير غير أن - بضعة رجال - لم يكن من قريش فيهم

سوى الإمام علي والعباس وابنيه - ثبتوا فذادوا عن النبي في وقت

محنته بعد انهزام المسلمين كان لها الأثر في بقاء المسلمين ببقاء ( محمد ) ( ص )

فوقف الإمام أمام النبي وهو لا يستطيع أن يلهم سيفه السكون لو أنه

أراد وأخذ ينتقل به بين الرقاب والقلوب ويروي نصله بالدم أن كان

يرتوي حديد

* وفي غزوة الخندق قال النبي ( ص ) " برز الإيمان كله إلى الشرك

كله " اللهم إن قتل علي لا تعبد وإن شئت لا تعبد لا تعبد ، ولما قتل عمرو

ابن عبد ود العامري - قال ( ص ) ( ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين )

وفي غزوة خيبر كان الفتح على يد الإمام علي بعد أن استعصى على يد

المسلمين حتى قال فيه النبي ( لأعطين اللواء غدا رجلا يحبه لله ورسوله

ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله على يديه كرار غير فرار .

ثم إن عليا لما تهيأ للقتال في يوم خيبر قال له رسول الله ( ص ) يا علي والذي

نفسي بيده إن معك من لا يخذلك هذا جبريل عليه السلام عن يمينك

بيده سيف لو ضرب به الجبال لقطعها فاستبشر بالرضوان والجنة يا علي

‹ صفحة 34 ›

إنك سيد العرب وإني سيد ولد آدم .

* وفي غزوة السلسلة أو غزوة الرمل كان للإمام علي ( ع ) الموقف

العظيم الذي انفرد به عن بقية المسلمين فعقد النبي ( ص ) اللواء للإمام

بعد أن عجزت الحملات المتكررة المرسولة من قبل النبي بقيادة الصحابة

الكرام ، وقال الرسول الأعظم للإمام : إذهب كرار غير فرار . ثم

رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كنت تعلم أني رسول الله فاحفظني

فيه وافعل به وافعل وخرج علي ورافقه الرسول ( ص ) لتشييعه وبلغ معه

إلى مسجد الأحزاب وعلي على فرس أشقر مهلوب ، عليه بردان يمانيان

وفي يده قناة خطية ، فشيعه الرسول وأنفذ معه في من أنفذ أبا بكر ( رض )

وعمرو بن العاص ، وعندما أمكن الله تعالى الإمام بآل سليم وأتباعهم نزلت

على النبي ( ص ) سورة العاديات وهي " والعاديات ضبحا " ومعناها الخيل

التي تعدو فتضبح ، والضبح هو صوت أجوافها عند الركض " فالموريات

قدحا " لأن حوافرها تقدح في الأرض ذات الحجارة " فالمغيرات صبحا

، فأثرن به نقعا ، فوسطن به جمعا " فبشر النبي أصحابه بالفتح وأمرهم

أن يستقبلوا عليا فقاموا له صفين ، فلما بصر بالنبي ترجل عن فرسه فقال

له النبي راكب فإن الله ورسوله عنك راضيان فبكى علي فرحا فقال له

النبي . لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى

في المسيح لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بعده بمكان إلا أخذوا التراب

‹ صفحة 35 ›

من تحت قدميك .

* ومما قاله النبي في حق علي " ع "

- علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .

- أنا مدينة العلم وعلي بابها ولن تدخل المدينة إلا من أبوابها .

- أقضاكم علي

- عترتي تشبه السفينة من دخلها نجا من الغرق .

- علماء أهل بيتي النجوم فويل للمكذبين بفضلهم وإلى قوله أئمتكم

وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون .

* قوله ( ص ) لعمار بن ياسر " رض "

- إذا سلك الناس واديا وعلي واديا فاتبع عليا ودع الناس إنه لن

يدلك على ردئ

* نهج البلاغة فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق من حيث الفصاحة

والبلاغة ، قد ضمنه الإمام كلما يصلح حال الإنسانية ويرفع من قيمها المعنوية

* وفي غدير خم قال الرسول الأعظم " ص " بعد خطبة الوداع أيها

الناس ! ! إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن

كنت مولاه فهذا مولاه " يعني عليا " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه

وعند الانتهاء من الخطبة أتى كبار الصحابة وفيهم أبو بكر الصديق

وعمر بن الخطاب " رض " يهنئون الإمام قائلين بخ بخ لك يا ابن أبي

‹ صفحة 36 ›

طالب لقد أصبحت وأمسيت مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة وأمر

النبي " ص " أمهات المؤمنين أن يهنئنه أيضا ففعلن .

* دعا النبي عليا فحباه خاتمه وحمائل سيفه ثم طلب دواة وصحيفة وقال

اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال بعضهم إن رسول الله قد غلبه الوجع

وقال سواه بل قربوا يكتب فلم يستجب طلبه .

* ولعل أقسى محنة اجتازتها نفس بشرية كانت تلك التي ألمت بعلي إذ

وقف في جوف ذلك الليل هو وفاطمة " ع " على حافة قبر الرسول بعد

أن وسد الجثمان الكريم في مرقده .

* ظل علي المرجع الأعلى للفقه والأحكام في عهد الخليفتين أبي بكر

الصديق وعمر بن الخطاب " رض " ويستشير أنه وينزلان على رأيه

العالي ولا يكلمانه إلا بلهجة الاحترام والتقدير .

* بقي سلام الله عليه في عهد خلافة عثمان بن عفان " رض " المصلح

والمرشد والوسيط بين الجماهير الثائرة على سياسة عثمان من أجل عماله

وبين الخليفة الثالث مسديا له النصح بما يخص أعمال الخلافة المتعلقة

بمصالح الناس . ولم يجد عثمان مغيثا في حياته إلا الإمام علي " ع " فهو

الذي حمل إليه الماء وشق صفوف الثوار وعهد بالدفاع عنه إلى ولديه الحسن

والحسين ولكن ما عساهما يفعلان حيال الجماهير الزاخرة الثائرة ، وقد

أصيبا بالجراح وعلى الرغم من ذلك فقد ظنهما علي " ع " مقصرين فصفعهما

‹ صفحة 37 ›

* سار الإمام في خلافته على نهج النبي " ص " فرفع منار الحق ، وأقام

معالم العدل ، وكل قطيعة أقطعها عثمان وكل ما أعطاه من المال أعاده

إلى بيت المال .

* فالإمام علي هو بطل بدر وخيبر والخندق وحنين ووادي الرمل

والطائف واليمن وهو المنتصر في صفين ، ويوم الجمل والنهروان والدافع

عن الرسول يوم أحد وقيدوم السرايا ولواء المغازي .

* وعلي هو الذي تذكره النصارى في مجالسهم فيتمثلون بحكمه

ويخشعون لتقواه ويتمثل به الزهاد في الصوامع فيزدادون زهدا وقنوتا ،

وينظر إليه المفكر فيستضئ بهذا القطب الوضاء ويتطلع إليه الكاتب

الألمعي فيأتم ببيانه ويعتمد عليه الفقيه فيسترشد بأحكامه .

* وأعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية ، فلم ير أصبر منه على

المكاره ، إذ كانت حياته موصولة الآلام منذ أن فتح عينيه على النور في

الكعبة حتى أغمضها على الحق في مسجد الكوفة .

* ولم يستطع خصوم الرجل أن يأخذوا عليه مأخذا فاتهموه بالتشدد

في إحقاق الحق أي أنهم شكوا شدة تمسكه بالدين وأراده دنيويا يماري

ويداري ويحابي وأراد نفسه روحانيا رفيعا يستميت في سبيل العدل ،

لا تأخذه في سبيل الله هوادة ولا يلبي إلا النداء الصادر من أعماق نفسه

لإحقاق الحق ونشر لواء المساواة في بلاد الإسلام كما أراد الله - تعالى -

‹ صفحة 38 ›

من نبيه الكريم ( ص )

* فالإمام علي سلام الله عليه هو الذي قرن الله سبحانه - الولاية له بعد

رسوله على المؤمنين .

- وهو الذي فرض الله علينا طاعته وأمرنا بولائه في صريح من آي

الذكر الحكيم .

- وهو الذي تربى في حجر الرسالة حتى كان من صاحبها ( ص ) بمنزلة

هارون من موسى " ع " .

- وهو الذي كان باب مدينة علم النبوة .

- وهو الذي كان وصي رسول الله وخليفته في أمته وزوج ابنته

وأبا لأولاده .

وختاما لسيرة أبي السبطين : فأقول ماذا أنعم الرفيق الأعلى جل

شأنه على هذا الإمام من بعد وفاته ؟ ! أقول .

إن الله تعالى : جعل المكان الذي اتخذه الإمام لقبره موضعا روضة

من رياض الجنة وللشارد ملاذا ، وللعلم منارا ، وللفقراء ملجئا وللخائف

مأمنا بالإضافة إلى إنها مركز ديني ودار هجرة لطلب العلم حتى نبغ فيها

أعاظم العلماء وجهابذة الفقه ، وأصبح للعالم الكوني هدفا وللاسلام معهدا

فإلى من ألفت ؟ ! !

- ألفت كتابي هذا إلى من امتزج حبه بدمي وكل مشاعري

‹ صفحة 39 ›

- إلى من أول ما نطق لساني باسمه .

- إلى الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )

وماذا أرجو من سيدي ومولاي أبي الحسن من تقديم هذا المجهود الضئيل

أرجوا أن أنال فيه حظوتي وأحصل على أماني التي لا تتجاوز غير أن

يكون الوسيط إلى الله - سبحانه - لأن يثبتني على الهدى ويجعل هواي

تبعا لطاعته وأفوز بشفاعة سيدي ومولاي الإمام عليه السلام .

‹ صفحة 40 ›

الباب الأول

ما قاله اللغويون عن النجف

قال الإمام اللغوي محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني

الواسطي الزبيدي الحنفي نزيل مصر المعزية بالجزء السادس من تاج

العروس في ص 350 في مادة نجف .

( النجف محركة ) والنجفة ( بهاء مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد )

كما في الصحاح ( و ) قال الليث النجف ( يكون في بطن الوادي ) شبيه

بنجاف الغبيط وهو جدار ليس بحد عريض له طول منقاد من بين معوج

ومستقيم لا يعلوه الماء ( وقد يكون ببطن من الأرض جمع ( نجاف )

بالكسر ( أو هي ) أي النجف ( أرض مستديرة مشرفة على ما حولها )

الواحدة نجفة قال امرؤ القيس:

أرى ناقة المرء قد أصبحت * على الأين ذات هبات نوارا

رأت هلكا بنجاف الغبيط * فكادت تجد لذاك الهجارا

وقيل النجاف شعاب الحرة التي يسكب فيها يقال أصابنا مطر

أسال النجاف " و " قال ابن الأعرابي ( النجف محركة التل ) وقال غيره

شبه التل " و " النجف أيضا " قشور الصليان " وقال ابن دريد : النجفة

( بهاء " ع " بين البصرة والبحرين ) وقال السكوني هي رملة فيها نخل

يحفر له فيخرج الماء وهو شرقي الحاجر بالقرب منه " و " قال ابن الأعرابي

‹ صفحة 41 ›

النجفة " المسناة " وقال الأزهري النجفة ( مسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء

السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها ) وقال أبو العلاة العرضي النجف قرية

على باب الكوفة ، وقال إسحق بن إبراهيم الموصلي :

ما إن رأى الناس في سهل وفي جبل * أصفى هواء ولا أغذي من النجف

كأن تربته مسك يفوح به * أو عنبر دافه العطار في صدف

وقال السهيلي بالفرع عينان يقال لأحدهما العريض وللآخر النجف

يسقيان عشرين ألف نخلة ، وهو بظهر الكوفة كالمسناة وبالقرب من هذا

الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . . ونجفة

الكثيب - محركة ( الموضع الذي تصفقه الرياح فتنجفه فيصير كأنه

جرف منجرف )

ما قاله اللغوي في الجزء الثالث من قاموس ص 197

النجف : محركة وبهاء مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد ويكون

في بطن الوادي ، وقد يكون ببطن الأرض " جمعه " نجاف ( أو هي )

أرض مستديرة مشرفة على ما حولها والنجف محركة التل وقشور الصليان

وبهاء ( موضع ) بين البصرة والبحرين والمسناة ومسناة بظاهر الكوفة

تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها ونجفة الكثيب الموضع تصفقه

الرياح فتنجفه فيصير كأنه جرف منجرف .

‹ صفحة 42 ›

ما قاله الإمام الفقيه اللغوي الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة

1085 هـ‍ في مجمع البحرين ومطلع النيرين في اللغة ما نصه :

نجف : النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة يمنع ماء السيل أن

يبلغ منازلها ومقابرها قاله في المغرب والنجف والنجفة بالتحريك مكان

لا يعلوه الماء مستطيل ولتسميته نجفه وجه لطيف مشهور

ما جاء في المنجد ( المعجم المدرسي للغة العربية ) تأليف لويس معلوف

ص 858 ( النجف ) نجاف و ( النجفة ) التل . المكان الذي لا يعلوه

الماء في بطن الوادي . ( النجفة ) القليل من الشئ

( النجاف ) ما بني ناتئا فوق الباب مشرفا عليه . نجاف الغار : صخرة

ناتئة تشرف عليه .

البستان وهو معجم لغوي تأليف الشيخ عبد الله البستاني اللبناني جاء في

الجزء الثاني منه ص 2370 " النجف محركة مكان مستطيل منقاد لا يعلوه الماء

قد يكون في بطن الوادي وقد يكون ببطن من الأرض نجاف و - التل

و - قشور الصليان النجفة محركة النجف للمكان المذكور و - مسناة

بظواهر الكوفة تمنع سيل السحاب أن يعلو مقابرها ومنازلها

النجاف ككتاب دروند الباب هو ما بني ناتئا فوق الباب مشرفا عليه

كنجاف الغار وهو صخرة ناتئة تشرف عليه و - جمع النجف وهي أرض

‹ صفحة 43 ›

مستديرة مشرفة و - شعاب الحرة التي يسكب فيها يقال أصابنا مطر

أسال النجاف "

" نجفة الكثيب " إبطه وهو الموضع تصفقه الرياح فتنجفه فيصير كأنه

جرف منجرف يقال " قعد تحت نجفة الكثيب "

النجفة أيضا محركة موضع بين البصرة والبحرين

النجفة بالضم القليل من الشئ

النجيف سهم عريض النصل ج نجف بضمتين أو قال أبو حنيفة " هو

العريض الواسع الجرح " والجمع نجف قال أبو كبير الهذلي

نجف بذلت لها خوافي ناهض * حشر القوادم كاللفاع الأطحل

وقوله كاللفاع الأطحل أي كأن لون هذا النسر لون لحاف أسود

معجم البلدان للشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد

الله الحموي الرومي البغدادي المتوفى سنة 626 هـ‍ المجلد السابع ص 266

" النجف " بالتحريك . . قاله السهيلي بالفرع عينان يقال لأحدهما

الربض وللأخرى النجف تسقيان عشرين ألف نخلة . . وهو بظهر الكوفة

كالمسناة تمنع مسيل الماء أن يعلو الكوفة ومقابرها والنجف قشور

الصليان وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

رضي الله عنه وقد ذكرته الشعراء في أشعارها فأكثرت فقال علي بن محمد

العلوي المعروف بالحماني الكوفي

‹ صفحة 44 ›

فيا أسفي على النجف المعرى * وأودية منورة الأقاحي

وما بسط الخورنق من رياض * مفجرة بأفنية فساح

ووا أسفا على القناص تغدو * خرائطها على مجرى الوشاح

وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي يمدح الواثق ويذكر النجف

يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف * نحي دارا لسعدى ثم ننصرف

وابك المعاهد من سعدى وجارتها * ففي البكاء شفاء الهائم الدنف

أشكو إلى الله يا سعدى جوى كبد * حرى عليك مني ما تذكر تجف

أهيم وجدا بسعدى وهي تصرمني * هذا لعمرك شئ غير مؤتلف

دع عنك سعدى فسعدى عنك نازحة * واكفف هواك وعد القول في لطف

ما إن رأى الناس في سهل وفي جبل * أصفى هواء ولا أغذي من النجف

كأن تربته مسك يفوح به * أو عنبر دافه العطار في صدف

حفت ببر وبحر في جوانبها * فالبر في طرف والبحر في طرف

وبين ذاك بساتين تسيح بها * نهر يجيش بجاري سيله القصف

وما يزال نسيم من أيامنه * يأتيك منه بريا روضة نف

تلقاك منه قبيل الصبح رائحة * تشفي السقيم إذا أشفى على التلف

لو حله مدنف يرجو الشفاء به * إذا شفاه من الأسقام والدنف

يؤتى الخليفة منه كلما طلعت * شمس النهار بأنواع من التحف

‹ صفحة 45 ›

والصيد منه قريب إن هممت به * يأتيك مؤتلفا في زي مختلف

فيا له منزلا طابت مساكنه * بخير من حاز بيت العز والشرف

خليفة واثق بالله همته * تقوى الإله بحق الله معترف

ولبعض أهل الكوفة

وبالنجف الجاري إذا زرت أهله * مها مهملات ما عليهن سائس

خرجن بحب اللهو في غير ريبة * عفائف باغي اللهو منهن آيس

يردن إذا ما الشمس لم يخش حرها * ظلال بساتين جناهن يابس

إذا الحر آذاهن لذن بفينه * كما لاذ بالظل الظباء الكوانس

له إذا استعرضتهن عشية * على ضفة النهر المليح مجالس

يفوح عليك المسك منه وإن تقف * تحدث وليست بينهن وساوس

ولكن نقيات من اللؤم والخنا * إذا ابتز عن أبشارهن الملابس

( النجفة ) بالتحريك مثل الذي قبله وزيادة هاء والنجفة تكون في بطن

الوادي شبه جدار ليس بعريض له طول منقاد من بين معوج ومستقيم

لا يعلوها الماء وقد يكون في بطن الأرض وقد يقال لإبط الكثيب

نجفة الكثيب وهو الموضع الذي تصفقه الرياح فتنجفه فيصير كأنه

جرف منجرف وتبر منجوف وهو الذي ينجفر في عرضه هو غير

مضروح أي موسع والنجفة * موضع بين البصرة والبحرين . وقال السكوني

النجفة رملة فيها نخل تجفر له فيخرج الماء وهو في شرقي الحاجر بالقرب منه .

‹ صفحة 46 ›

الباب الثاني

وما قاله المؤرخون عنها

1 - النجف قبل دفن الإمام علي ( ع )

جاء في ماضي النجف وحاضرها ص 13

النجف مهبط الأولياء ، ودار هجرة الأنبياء ( ع ) عليها استوت سفينة

نوح ( ع ) كما في بعض الأحاديث ومنه تفرقت أولاد نوح " ع " كما في

الأعلاق النفيسة ص 108 وبها كان منزل إبراهيم الخليل " ع " وإليها

كانت هجرته وفي أيام التنوخيين واللخميين والمناذرة يوم كانت الحيرة عاصم ء ملكهم قد

‹ صفحة 47 ›

أخذت بنصيب وافر من الحضارة والعمران كانت النجف مأهولة ومعمورة

وكانت الحضارة قائمة بها على أسس عربية لقربها من الحيرة ومجاورتها لها .

فالنجف عربية قبل كل شئ وأهلها في ذلك العهد عند شيوع النصرانية

نصارى من النسطورية وهم من العرب الأقحاح ولم تزل بعض الأديرة

موجودة فيه حتى بعد انتشار الإسلام وعلو شوكته منها ما هو في

النجف ومنها ما هو مشرف عليها كدير مارت مريم وهو دير قديم

مشرف على النجف ذكره الثرواني فقال :

بمارت مريم الكبرى * وظل فنائها فقف

فقصر أبي الخصيب المشرف * الموفي على النجف

فأكناف الخورنق والسدير * ملاعب السلف

إلى النخل المكمم * والحمائم فوقه الهتف

ديارات الأساقف

هذه الديارات بالنجف ظاهر الكوفة وهي قباب وتصور بحضرتها نهر

يعرف بالغدير عن يمينه قصر أبي الخصيب وعن شماله السدير وفيه يقول

علي بن محمد بن جعفر العلوي الكوفي الحماني

كم وقفة لك بالخورنق * ما توازي بالمواقف

بين الغدير إلى السدير * إلى ديارات الأساقف

فمدارج الرهبان في * أطمار خائفة وخائف

‹ صفحة 48 ›

دمن كأن رياضها * يكسين أعلام المطارف

وكأنما غدرانها * فيها عشور في مصاحف

بحرية شتواتها * برية فيها المصائف

و " دير الأسكول " هو بالحيرة راكب على النجف - وهناك أديرة

أخر بين النجف والحيرة أعرضنا عنها وتوجد في ساحة النجف عيون

كثيرة زراعية تنتهي إلى البر وقد ذكرها ابن الفقيه في كتاب البلدان

ص 187

وعند الفتتح الإسلامي كانت ساحة النجف مأهولة بالعرب وهم أهل

زراعة ووقعت فيها عدة معارك مهمة . منها ما كان عند فتح الحيرة سنة

12 هـ فإنه نزلها خالد بن الوليد وكانت معسكرا له كما ذكر ذلك الطبري

في تاريخه جزء " 4 " ص 12 ووقعت بينه وبين أهل الحيرة مناوشات

كثيرة قتل بعض المسلمين في النجف .

فقال بن عمرو يذكر القتلى في النجف

سقى الله قتلى بالفرات مقيمة * وأخرى بأثباج النجاف الكوانف

فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا * وبالثني قرني قارن بالجوارف

ويوم أحطنا بالقصور تتابعت * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف

حططناهم منها وقد كان عرشهم * يميل به مفل الجبان المخالف

رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا * غبوق المنايا حول تلك المحارف

‹ صفحة 49 ›

وفي حياة الحيوان في حرف الحاء عند ذكر الحية قال :

إن خالد بن الوليد لما تحصن منه أهل الحيرة بالقصر الأبيض وغيره من

قصورهم نزل بالنجف وأرسل إليهم أن ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم

فأرسلوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حبان بن بقيلة الغساني

وكان من المعمرين فقاوله ألح - ونزلها عصمة - ( أحد قواد خالد بن

الوليد ) سنة 12 عند وقعة البويب وهو موضع الكوفة اليوم - ونزلها

سوار بن مالك واستاق من ماشية العرب النازلين بها ثلاثمائة دابة وفي

أيام القادسية سنة 14 ه‍ كانت النجف ساحة حرب يتبادل النزول بها

المسلمون والفرس .

ووقعت في النجف لكثير من الرجال المشاهير مطارحات ونوادر

مأثورة آثرنا ذكر بعضها ،

أ - كتب شريح القاضي إلى صديق له هرب إلى النجف من الطاعون

أن المكان الذي أنت فيه بعين من لا يفوته طلب ولا يعجزه هرب والمكان

الذي خلفت لا يعجل إلى امرئ حمامه وأنت وهم على بساط واحد وأن

النجف من ذي قدرة لقريب

‹ صفحة 50 ›

ب - قال الهيثم خرج شريح إلى مكة فشيعه قوم فانصرف بعضهم

من النجف بعد السفرة ومضى معه قوم فلما أرادوا أن يودعوه قال أما

أصحاب النجف فقد قضينا حقهم بالطعام وأما أنتم فأغنيكم ورفع عقيرته وغنى

إذا زينب زارها أهلها * حشدت وأكرمت زوارها

وإن هي زارتهم زرتها * وإن لم يكن لي هوى دارها

ح‍ - ووقعت للمغيرة بن شعبة يوم كان واليا على الكوفة في النجف

مكالمة مأثورة مع ابن لسان الحمراء أحد بني يتم الله بن ثعلبة وكان معه

الهيم بن التيهان النخعي ذكرها ابن أبي الحديد ج 3 ص 163

وفي أيام المنصور سنة 144 ه‍ ، لما مروا ببني الحسن على النجف وهم عبد

الله بن الحسن ابن الحين . . وإبراهيم بن الحسن - وعلي بن الحسن .

والحسن بن جعفر بن الحسن بن لحسن وسليمان وعبد الله ابنا داود

ابن الحسن بن الحسن وكانوا ثلاثة عشر رجلا قال عبد الله لأهله أما

ترون في هذه القرية " وأشار إلى النجف " من يمنعنا هذه الطاغية

انتهى

وبالنظر لما تقدم كانت في النجف قرية عامرة في غير موضع بلدة النجف

اليوم إذا لم يكن في ذلك العهد عمارة حول القبر الشريف ولا هو ظاهر معلوم .

‹ صفحة 51 ›

ويساعده قول بعض اللغويين . قال في تاج العروس عند ذكر النجف :

وقال أبو العلا العرضي النجف قرية على باب الكوفة .

ما قاله المؤرخون عن النجف

1 - جاء في كتاب البلدان لليعقوبي طبع ليدن ص 309 بعد ذكر الكوفة

ووصفها ( قال والحيرة منها على ثلاثة أميال والحيرة على النجف والنجف كان

ساحل بحر الملح ، وكان في قديم الدهر يبلغ الحيرة وهي منازل آل بقيلة وغيرهم )

2 - وفي معجم البلدان للياقوت الحموي عند ذكر الحيرة قال : -

( الحيرة مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له

النجف )

3 - وجاء في صبح الأعشى ج 4 ص 333 للقلقشندي بعد ذكر

الحيرة وضبطها وتحديدها :

( وقال : في العزيزي مدينة قديمة على ثلاثة أميال من الكوفة وكانت

منازل آل النعمان بن المنذر وبها تنصر المنذر بن امرئ القيس وبنى بها

الكنائس العظيمة والحيرة على موضع يقال له النجف )

‹ صفحة 52 ›

4 - وجاء في تأريخ الطبري ج 1 ص 73 ما نصه :

( جلس النعمان يوما في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه

من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب وعلى الفرات مما يلي

المشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع فأعجب ما رأى من

الخضرة والنور والأنهار )

5 - وجاء في تأريخ العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ج 1 ص 204

طبع مصر سنة 1908 ما نصه :

( كانت الحيرة على شاطئ الفرات والفرات يدنو من أطراف البر حتى

يقرب من النجف فلما تبسط النعمان في العيش رأى أن يتخذ مجلسا عاليا

يشرف منه على المدينة فاتخذ الخورنق على مرتفع يشرف منه على

النجف وما يليه من البساتين والجنان والأنهار )

‹ صفحة 53 ›

الباب الثالث

ما قاله الرحالون عن النجف

1 - جاء في رحلة ابن جبير في ص 166 ما نصه .

( وأصبحنا بالنجف وهو بظهر الكوفة كأنه حد بينها وبين الصحراء

وهو صلب من الأرض منفسح متسع للعين فيه مزاد واستحسان

وانشراح ) وفي ص 168 بعد انتهائه من زيارته للكوفة قال ما نصه .

" وفي غربي مدينة الكوفة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير

الشأن المنسوب لعلي بن أبي طالب " رض " وحيث بركت ناقته وهو

محمول عليها مسجى ميتا على ما يذكر ثم يقول في هذا المشهد بناء حفيل

على ما ذكر لنا لأنا لم نشاهده بسبب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن

ذلك لأنا لم نبت فيها سوى ليلة السبت وفي غذائه رحلنا "

2 - وجاء في رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 109 ما نصه

نزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب ( ع ) بالنجف وهي مدينة حسنة

في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها

بناء ولها أسواق حسنة نظيفة دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا

سوق البقالين والطباخين والخبازين ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين

والقسارية ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون

أنه قبر علي " ع " وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة

‹ صفحة 54 ›

وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزليج عندنا لكن لونه أشرق ونقشه أحسن

ذكر الروضة والقبور التي فيها

ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية

من الشيعة ، ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر

مرتين في اليوم ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة وعلى بابها

الحجاب والنقباء والطواشية فعندما يصل الزائر يقول إليه أحدهم أو

جميعهم وذلك على قدر الزائر ينفقون معه على العتبة ويستأذنون له

ويقولون عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضعيف يستأذن على

دخوله للروضة العلية فإن أذنتم له وإلا رجع - وإن لم يكن أهلا لذلك

فأنتم أهل المكارم والستر ثم يأمرونه بتقبيل العتبة وهي من الفضة وكذلك

العضادتان ثم يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير

وسواه وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبار والصغار ، وفي

وسط القبة مسطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة

المحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر

منه شئ وارتفاعها دون القامة . وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن

أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام والثاني قبر نوح عليه الصلاة

والسلام والثالث قبر علي رضي الله تعالى عنه وبين القبور طسوت ذهب

وفضة فيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك

‹ صفحة 55 ›

ويدهن به وجهه تبركا ، وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة وعليه

ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان

مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير وله أربعة أبواب عتباتها فضة وعليها

ستور الحرير . ولهذه الروضة كرامات ثبت بها عندهم فمنها : أن في ليلة

السابع والعشرين من رجب وتسمى عندهم المحيا ويؤتى إلى تلك الروضة

بكل مقعد من العراقيين وخراسان وبلاد فارس والروم فيجتمع منهم

الثلاثون والأربعون ، ونحو ذلك فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا

فوق الضريح المقدس والناس ينتظرون قيامهم وهم بين مصل وذاكر

وتال ومشاهد للروضة فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك

قام الجميع أصحاء من غير سوء وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله

علي ولي الله ، وهذا أمر مستفيض عندهم سمعته من الثقاة ، ولم أحضر

تلك الليلة ، لكن رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من

أرض الروم والثاني من أصبهان والثالث من خراسان ، وهم مقعدون

فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنهم أناس من البلاد ويقيمون سوقا

عظيمة مدة عشرة أيام وليس بهذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال .

وإنما يحكم عليهم نقيب الأشراف وأهلها تجار يسافرون في الأقطار وهم

أهل شجاعة وكرم ، ولا يضام جارهم صحبتهم في الأسفار فحمدت

‹ صفحة 56 ›

صحبتهم ، وخزانة الروضة عظيمة فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته

ذكر نقيب الأشراف

ونقيب الأشراف مقدم من ملك العراق ومكانه عنده مكين

ومنزلته رفيعة وله ترتيب الأمراء الكبار في سفره وله الأعلام

والأطبال وتضرب الطبلخانة عند بابه مساء وصباحا وإليه حكم هذه

المدينة ولا والي بها سواه ولا مغرم فيها للسلطان ولا لغيره وكان

النقيب في عهد دخولي إليها " نظام الدين حسين بن تاج الآوي نسبة

إلى بلدة آوة من عراق العجم " وكان قبله جماعة يلي كل واحد منهم بعد

صاحبه ، منهم جلال الدين ابن الفقيه ومنهم قوام الدين بن طاووس

ومنهم ناصر الدين مطهر ابن الشريف الصالح شمس الدين محمد من

عراق العجم وهو الآن بأرض الهند من ندماء ملكها ومنهم أبو غرة

ابن سالم بن مهنا بن جماز بن شيحة الحسيني المدني .

‹ صفحة 57 ›

ما قاله الرحالة صاحب جريدة * السفير *

السيد عبد الرحمن شرف التي كانت تصدر في الإسكندرية

تحت عنوان رحلته في ( الشرق المجهول ) بعددها المرقم 30

والمؤرخ 18 ديسمبر سنة 1928

لم يكن في ( مدينة النجف ) خلال بسط النفوذ التركي عليها

رغم جودة هوائها وحسن مناخها أي أثر من آثار الحضارة والعمران

وكلما تمتاز به هذه ( المدينة ) المقدسة هو وجود ضريح الإمام علي بن

أبي طالب فيها وقد عني بتشييد هذا الضريح وتنسيقه وزخرفته في صورة

تبهر الألباب وتسبي العقول أشهر مشاهير مهندسي الفرس وكان ذلك

تحت إشراف ملوك إيران وأمراء الهند وعظمائهم ولقد زاد في جمال

ذلك البناء الفخم بعض سلاطين آل عثمان وحكام العراق أما الضريح

فقائم في مقصورة مربعة طول كل منها ثلاثة أذرع بوجه التقريب على

ما أذكر وهكذا ارتفاعه . وهذه المقصورة تعلوها قبة شاهقة عظيمة

يزين سقفها نقوش هندسية بديعة ، وآيات من الكتاب العزيز وأحاديث

نبوية تختص بآل البيت وكلها محلى بالذهب الأبريز ولهذه القبة من

الخارج شكل قلما يوجد له نضير بين قباب الأضرحة والمساجد أيضا

في العالم كله ، إذ أنها مكسوة بطبقة نحاسية تعلوها طبقة ثانية من

‹ صفحة 58 ›

الذهب الخالص ويبلغ سمك هذه الطبقة الذهبية ثلاث ( مليمترات )

على ما أكد لي بعض الفنين المطلعين على بنائها .

وهكذا شرفات المآذن الكبيرة والمحيطة بالقبة الذهبية فإذا ما أشرقت

شمس بأشعتها على تلكم القبة والمأذنتين قد تجد إلى ( النجف ) وهو على بعد أميال

منها بريقا يأخذ بالأبصار ، وتألقا يشع النور في الفضاء ، ويرتفع إلى عنان

السماء أما الأموال التي أنفقت في سبيل كساء القبة وحدها بطبقة ذهبية

فتقدر بمبالغ طائلة جادة بها نفوس ملوك الفرس وأمراء الهنود وسواهم

من أثرياء الشيعة ، ويحيط بضريح الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) رواق

واسع لطواف الزائرين ، ولهذا الطواف وكذا الزيارة نظام ينفذه أناس

عديدون وفي الرواق المذكور من الزخرف ونفيس الآثار القيمة

ما يدهش العقول ومدخل الرواق محلى بطبقة من الذهب الإبريز أما بابه

فمصنوع من الفضة وحوله فناء واسع يحيط به سور عظيم شيدت

إلى جوانبه غرف عديدة خصص بعضها لسكن القائم على صيانة الضريح

ورؤية شؤونه والبعض الآخر لتعليم الأطفال وبيع الكتب وغير هذا

من المتاجر ، ويوصف أمين الضريح ( بالكليدار ) وهي كلمة فارسية

معناها حافظ المفتاح ولا بد أن يكون من الأشراف الذين توارثوا

سدنة الضريح ولهذا الأمين نفوذ كبير لدى الخاصة والعامة .

‹ صفحة 59 ›

الباب الرابع

بيان عن أسماء النجف

لبقعة النجف أسماء كثيرة وإليك ما هو المشهور منها :

1 - النجف

تشير الكتب التأريخية بأن النجف الحالي هو ظهر الكوفة قديما والذي

يعبرون عنه بلسان البر وكان يقع بين نهر السدير والغدير حتى يصل إلى

البطن فما قرب من الفرات يسمى الملطاط وما قرب من البطن يسمى النجاف .

فالنجف القديمة هي الأرض التي انفصلت من الكوفة وانحاز عنها

الضهر حتى يصل إلى الحيرة وقديما كانوا يطلقون الاسم على نجف الحيرة

كما يطلقون الاسم على نجف الكوفة .

وقد وردت في كثير من الأخبار بأن تربة النجف كانت تمتاز بنقاءة

الهواء وصفاء الجو وطيب المنبت حتى أن قسما من خلفاء بني العباس

كالسفاح والمنصور والرشيد وغيرهم كانوا يتخذونها مكانا لنزهتهم في

أيام الربيع كما أن قصورهم كانت أيضا تشرف على النجف كقصر أبي

الخصيب وقصر الأبيض وحتى ديارات الأساقف كانت واقعة

‹ صفحة 60 ›

بين قصر أبي الخصيب والسدير ، وأن هذا مما يدل على ما لهذه

التربة من مكانة في نفوس عظماء رجال الأجيال قديما وحديثا

ويروى عن الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق " ع " إن النجف

كانت جبلا عظيما وهو الذي قال ابن نوح " سآوي " إلى جبل يعصمني

من الماء " ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه فأوحى الله إليه يا

جبل أيعتصم بك مني فتقطع قطعا إلى بلاد الشام وصار رملا دقيقا

وصار بعد ذلك بحرا عظيما وكان يسمى ذلك البحر " ني " ثم جف بعد

ذلك فقيل ني جف فسمي بنيجف ثم صار بعد ذلك يسمونه نجف لأنه

كان أخف على ألسنتهم أما النجف من حيث اللغة فقد ذكر في الباب

الأول ص 40 من كتابنا هذا

2 - الغريان

تثنية الغري وهو المطلي الغراء ممدود وهو الغري الذي يطلى به

والغري فعيل بمعنى معول والغري الحسن من كل شئ يقال رجل

غري الوجه إذا كان حسنا مليحا فيجوز أن يكون الغري مأخوذا من

كل واحد من هذين * والغري نصب كان يذبح عليه العتائر والغريان

‹ صفحة 61 ›

طربالان وهما بنا آن كالصومعتين بظاهر الكوفة قرب قبر علي

بن أبي طالب ( رض ) وقد حدث عنها هشام بن محمد الكلبي

قال : حدثني شرقي بن القطامي ، قال بعثني المنصور إلى بعض

الملوك فكنت أحدثه بحديث العرب وأنسابها فلا أراه يرتاح لذلك

ولا يعجبه قال - فقال لي رجل من أصحابه يا أبا المثنى أي شئ الغري

في كلام العرب ، - قلت - الغري الحسن والعرب تقول هذا رجل غري

وإنما سميا الغريين لحسنهما في ذلك الزمان وإنما بني الغريان اللذان في

الكوفة على مثل الغريين بناهما صاحب مصر وجعل عليهما حرسا فكل

من لم يصل لهما قتل إلا أنه يخيره خصلتين ليس فيهما النجاة من القتل

ولا الملك ، ويعطيه ما يتمنى في الحال ثم يقتله فغبر بذلك دهرا قال :

فأقبل قصار من أهل أفريقية ومعه حمار له وكذين فمر بهما فلم يصل

فأخذه الحرس فقال : مالي فقالوا - لم تصل للغريين - فقال لم أعلم ،

فذهبوا به إلى الملك ، فقالوا هذا لم يصل للغريين - فقال له ما منعك أن

تصلي لهما ، قال : لم أعلم وأنا رجل غريب من أهل أفريقية أحببت أن

أكون في جوارك لأغسل ثيابك وثياب خاصتك ، وأصيب من كنفك

‹ صفحة 62 ›

خيرا ولو علمت لصليت لهما ألف ركعة فقال له تمن فقال : وما أتمنى ،

فقال - لا تتمن الملك ولا أن تنجي نفسك من القتل وتمن ما شئت -

قال فأدبر القصار ، وأقبل وخضع وتضرع وأقام عذره لغربته فأبى أن

يقبل فقال إني أسألك عشرة آلاف درهم فقال علي بعشرة آلاف درهم ،

قال وبريدا - فأتى البريد فسلم إليه وقال إذا أتيت أفريقية فسل عن

منزل فلان القصار فادفع هذه العشرة آلاف درهم إلى أهله ، ثم قال له

الملك تمن الثانية فقال أضرب كل واحد منكم بهذا الكذين ثلاث

ضربات واحدة شديدة وأخرى وسطى وأخرى دون ذلك ، قال ، فارتاب

الملك ومكث طويلا ثم قال لجلسائه ما ترون ، قالوا نرى أن لا تقطع

سنة سنها آباؤك قالوا فبمن تبدأ - قال أبدأ بالملك ابن الملك . . الذي سن

هذا ، قال فنزل عن سريره ، ورفع القصار الكذين فضرب أصل قفاه

فسقط على وجهه فقال الملك ليت شعري أي الضربات هذه والله لئن

كانت الهينة ثم جاءت الوسطى والشديدة لأموتن فنظر إلى الحرس -

وقال أولاد الزنا تزعمون إنه لم يصل وأنا والله رأيته حيث صلى خلوا

سبيله واهدموا الغريين - قال فضحك القصار حتى جعل يفحص برجله

من كثرة الضحك . . .

قلت أنا فالذي يقع لي ويغلب على ظني أن المنذر لما صنع الغريين في ظاهر

الكوفة سن تلك السنة ولم يشرط قضاء الحوائج الثلاثة التي كان

‹ صفحة 63 ›

يشرطها ملك مصر والله أعلم ، وأن الغريين بظاهر الكوفة بناهما المنذر

ابن امرئ القيس بن ماء السماء وكان السبب في ذلك أنه كان له نديمان

من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن نظلة والآخر عمر بن مسعود ثملا

فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان

في ظهر الكوفة ودفنهما حيين فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه

فيهما فغمه ذلك وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان

، فقال المنذر ما أنا بملك إن خالف الناس أمري لا يمر أحد من وفود

إلا بينهما وجعل في السنة يوم بؤس ويوم نعيم يذبح في يوم

بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطربالين فإن رفعت له الوحش طلبتها

الخيل وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ما يعن ويطليان

بدمه ولبث بذلك برهة من دهره وسمى أحد اليومين يوم البؤس وهو

اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره وسمى الآخر يوم النعيم

يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم فخرج يوما

من أيام بؤسه إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر وقد جاء

ممتدحا فلما نظر إليه قال هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد فقال عبيد أتتك

بحائن رجلاه فأرسلها مثلا فقال له المنذر أو أجل قد بلغ أناه ، فقال -

رجل ممن كان معه أبيت اللعن أتركه فإني أظن أن عنده من حسن

القريض أفضل ما تريد من قتله فاسمع حسنا فاستزده وإن كان

‹ صفحة 64 ›

غيره قتلته وأنت قادر عليه فأنزل فطعم وشرب ثم دعا به المنذر فقال :

له زدنيه ما ترى ، قال أرى المنايا على الحوايا ، قال له المنذر أنشدني ،

فقد كان يعجبني شعرك فقال عبيد حال الجريض دول القريض بلغ الحزام

الطيبين فأرسلها مثلين فقال له بعض الحاضرين أنشد الملك هبلتك أمك فقال

عبيد وما قول قائل مقتول فأرسلها مثلا أي لا تدخل في همك من لا يهتم بك

. . قال المنذر قد أمللتني فارحمني قبل أن آمر بك قال عبيد من عزيز

فأرسلها مثلا فقال المنذر أنشدني قولك * أقفر من أهله ملحوب *

فقال عبيد : -

أقفر من أهله عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد

عنت له منية تكود * وحان منهما له ورود

فقال له المنذر أسمعني يا عبيد قولك قبل أن أذبحك . . فقال : -

والله إن مت ما ضرني * وإن عشت ما عشت في واحده

فأبلغ بني وأعمامهم * بأن المنايا هي الواردة

لها مدة فنفوس العباد * إليها وإن كرهت قاصدة

فلا تجزعوا لحام دنا * فللموت ما تلد الوالدة

فقال المنذر ويلك أنشدنا فقال : -

هي الخمر بالهزل تكنى الطلا * كما الذئب يكنى أبا جعده

فقال المنذر يا عبيد لا بد من الموت وقد علمت أن النعمان ابني لو عرض

‹ صفحة 65 ›

لي يوم بؤسي لم أجد بدا من أن أذبحه فأما إن كان لك وكنت لها فاختر

إحدى ثلاث خلال ، إن شئت فصدتك من الأكحل وإن شئت من

الأنجل وإن شئت من الوريد ، فقال عبيد - أبيت اللعن ثلاث خلال

كساحيات ، واردها شر وارد ، وحاديها شر حاد ومعاديها شر معاد ، فلا

خير فيها لمرتاد إن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر حتى إذا ماتت لها

مفاصيلي ، وذهلت منها ذواهلي ، فشأنك وما تريد من مقاتلي فاستدعى

له المنذر الخمر فشرب فلما أخذت منه وطابت نفسه وقدمه المنذر

أنشأ يقول :

وخيرني ذو البؤس في يوم بؤسه * خلالا أرى في كلها الموت قد برق

كما خيرت عاد من الدهر مرة * سحائب ما فيها الذي خيرة أنق

سحائب ريح لم توكل ببلدة * فتتركها إلا كما ليلة الطلق

ثم أمر به المنذر ففصد حتى نزف دمه ، فلما مات غرى بدمه الغريين

فلم يزل على ذلك حتى مر به في بعض أيام البؤس رجل من طئ يقال له

حنظلة فقرب ليقتل فقال أبيت اللعن أني أتيتك زائرا ولأهلي من

بحرك مائرا فلا تجعل ميرتهم ما تورده عليهم من قتلي ، قال له المنذر

لا بد من قتلك - فسل حاجتك تقضى لك قبل موتك ، فقال : تؤجلني

سنة أرجع فيها إلى أهلي فأحكم فيهم بما أريد ثم أسير إليك فينفذ في

أمرك ، فقال له المنذر ومن يكفلك إنك تعود فنظر حنظلة في وجوه

‹ صفحة 66 ›

جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال :

يا شريك يا ابن عمرو * هل من الموت محاله

يا شريك يا ابن عمرو * يا أخا من لا أخا له

يا أخا المنذر فك اليوم * رهنا قد أناله

يا أخا كل مضاف * وأخا من لا أخا له

إن شيبان قبيل * أكرم الناس رجاله

وأبو الخيرات عمرو * وشراحيل الحماله

رقباك اليوم في المجد * وفي حسن المقالة

فوثب شريك وقال - أبيت اللعن يدي بيده ودمي بدمه إن لم يعد

إلى أجله -

فأطلقه المنذر فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤسه

ينتظر حنظلة فأبطأ عليهم فقدم شريك ليقتل فلم يشعر إلا وراكب قد

طلع فإذا هو حنظلة وقد تحنط ، وتكفن ومعه نادبته تندبه ، فلما رأى

المنذر ذلك عجب من وفائه - وقال ما حملك على قتل نفسك فقال : أيها

الملك إن لي دينا يمنعني من الغدر ، قال - وما دينك ، قال النصرانية ،

فاستحسن ذلك منه وتنصر أهل الحيرة فيما زعموا . .

وروى الشرقي بن القطامي ، الغري الحسن من كل شئ وإنما

سميا الغريان لحسنهما وكان المنذر بناهما على صورة غريين ، كان بعض

‹ صفحة 67 ›

ملوك مصر بناهما ، وقرأت على ظهر كتاب سيبويه للمبرد بخط

الأديب عثمان بن عمر الصقلي النحوي الخزرجي ما صورته ، وجدت

بخط أبي بكر السراج رحمه الله على ظهر جزء من أجزاء كتاب سيبويه

أخبرني أبو عبد الله اليزيدي - قال - حدثني ثعلب قال : مر معن بن زائدة

بالغريين فرأى أحدهما وقد شعث وهدم فأنشأ يقول :

لو كان شئ له أن لا يبيد على * طول الزمان لما باد الغريان

ففرق الدهر والأيام بينهما * وكل إلف إلى بين وهجران

ونزل الفرزدق بالغريين فعراه بأعلى ناره ذئب فأبصره مقعيا يضئ

ومع الفرزدق مسلوخة فرمى إليه بيد فأكلها فرمى إليه بما بقي فأكله

فلما شبع ولى عنه فقال

وليلة بتنا ضافنا * على الزاد موشي الذراعين أطلس

تلمسنا حتى أتانا ولم يزل * لدن فطمته أمه يتلمس

فلو أنه إذ جاءنا كان دانيا * لألبسته لو أنه كان يلبس

ولكن تنحى جنبه بعد ما دنا * فكان قاب قوسين أو هو أنفس

وقال أبو الطفيل بن عامر بن واثلة الليثي الكناني المتوفى سنة 110 ه‍ـ

يذكر الغريين :

ألا طرقتنا بالغريين بعد ما * كللنا على شحط المزار جنوب

‹ صفحة 68 ›

أتوك يقودون المنايا وإنما * هدتها بأولانا إليك ذنوب

ويظهر من بعض كتب السير والتأريخ أن أحد البنائين هدم ولم

يبق حتى اسمه وبقي الآخر وهو القائم المائل كما في بعض الأحاديث

والقائم انحنى كما في حديث آخر وهو الوجه في تسمية البقعة باسم ( الغري )

3 - المشهد

المشهد : هو المكان الذي تجتمع فيه الخلق إما لعقد اجتماع كبير أو

لمشاهدة محفل عظيم ، غير أن كلمة مشهد أخيرا اقترنت فقط بالعتبات

المقدسة بالنظر لاحتشاد الزوار في أيام الزيارات المخصوصة من جميع

الأقطار الإسلامية وخاصة الشيعية منها قصدا لمشاهدة مراقد الأئمة

الأطهار والتبرك بها ، فسمي مثلا المشهدان ( كربلاء والنجف ) كذلك

المشهد في إيران ( مرقد الإمام علي الرضا ) ( ع )

أما المعروف الآن في جميع الأقطار الإسلامية بأن كلمة مشهد

أصبحت أخيرا مقرونة بالنجف فقط فإذا قلت نجفي أو مشهدي

فكلاهما تعطيك معنى واحدا لمسمى واحد . وهذا الاسم شائع في العراق

قديما وحديثا ، وقال أبو إسحاق الصابي يمدح عضد الدولة عند زيارته

الحرم العلوي ويذكر المشهد :

توجهت نحو ( المشهد ) العلم الفرد * على اليمن والتوفيق والطائر السعد

تزور أمير المؤمنين فيا له * ويا لك من مجد منيخ على مجد

‹ صفحة 69 ›

وقال السيد علي خان صاحب السلافة عند زيارته المرقد العلوي يذكر المشهد

يا صاح هذا ( المشهد ) الأقدس * قرت به الأعين والأنفس

والنجف الأشرف بانت لنا * أعلامه والمعهد الأقدس

والقبة البيضاء قد أشرقت * ينجاب عن لألأ بها الحندس

4 - وادي السلام

اشتهرت بقعة النجف المقدسة باسم وادي السلام لما لهذه الاسم من

قدسية بنظر المسلمين يتعلق باليوم الآخر ، وقد ذكرته لنا كتب اللغة

والكتب الدينية الأخرى ، وجميعها ثبتت بأن ظهر الكوفة هو وادي

السلام المقصود ( بجنة عدن ) وإليك بعض ما قاله علماء الإسلام

المجتهدين بصدد ذلك .

جاء في مجمع البحرين ومطلع النيرين للطريحي في مادة سلم :

( وادي السلام اسم موضع في ظهر الكوفة يقرب من النجف وفي

الخبر قلت أين وادي السلام قال ظهر الكوفة ، وفي الحديث إنها لبقعة

من ( جنة عدن ) وجاء في بشارة الزائرين ص 54 لحجة الإسلام المرحوم

الشيخ عبد الحسين مبارك بنفس المعنى - وجاء أيضا في مجلة البذرة العدد

الثامن ص 514 عن وصف وادي السلام ) كما يلي . ووادي السلام في النجف

الأشرف واد فسيح الأرجاء - مترامي الأطراف ، فيه ألوف القبور ما بين

قائم الرسم ومندثرة رقدت فيها الدهور والأباد وسكنت

‹ صفحة 70 ›

في طواياه ملايين من بني الإنسان . . . واد يبعث الروع والوجل في

الأفئدة . من تلك القبور الماثلة دكاكها تتمثل المنايا مكشرة عن أنيابها ،

فأي قلب لا يزفر أو أي صدر لا يخرج من أعماقه تنهداته وحسراته !

وما أصدق الشاعر بقوله :

سر إن اسطعت في الهواء رويدا * لا اختيالا على رفات العباد

فكم من جناجن صدر طحنت وكم من أشلاء أبليت فكان منها تراب

هذا الوادي الأقدس إذن فما أطهرها من تربة وما أنقاها ! !

بالموت تخضد شوكة الإنسان ، فالنفس الصعبة المراس القوية

الشكيمة تخضع ذلا واستكانة عند جبروت الموت فتتساوى تلك

النفوس في ملكه وفي ديموقراطية سلطانه . . . في الأرماس المزدحمة في

هذا الوادي هدأت النفوس في سباتها العميق بعد أن أتعبتها الأيام ،

فالشاعر الذي كان ينفح الناس بعبقاته ويشيع في الأمة روحه الفذة ،

والعالم الذي كانت تزدحم الأفكار والحقائق في دماغه وأفاد الأمة

بسديد آرائه وناضج أفكاره ، والفنان الذي صور الحياة ببأسائها وتعسائها ،

والزاهد الذي عزف عن متع الحياة وصدف عن متعها ، فمضى لسبيل

ربه نقي السريرة طاهر الضمير ولم يتحمل آثام المجتمع ، وهؤلاء كلهم

جروا في مضامير الحياة وعند مرحلة كانت هدأتهم الأخيرة :

ضجعة الموت رقدة يستريح * الجسم فيها والعيش مثل السهاد

‹ صفحة 71 ›

رفرفي يا ملائكة الرحمن بأجنحتك الخفية على هذه الأجسام المتعبة

وحلقي بنفوسها إلى سماء القدس واستقري بها في رياض السندس .

حلقي بها إلى حيث الأزل والنعيم فإنها حرية بالنعيم والخلود . . .

فيا وادي السلام . كم ضممت بين جوانحك أرواحا صغيرة ، ففي

حفرك المظلمة توسد التراب رجال أعزة أذلة ، فأولئك أعزة بأعمالهم

الصالحات . . . أعمال تركوها غزرا ناصعة على جبين الدهر وهؤلاء هم

للخلود ولهم حميد الذكرى ، إذا المرء بأعماله وبما خلف ، وهؤلاء أذلة

بمقترفاتهم الصالحات مقترفات رانت على أفئدتهم وما لهم إلا سوء المنقلب !

في اضمار حفرك سكن الأجداد والأباء وركنوا إلى عالم الهدوء

والسكون حيث لا عراك ولا ملاحات .

فيك أيها القبر الفتي المجدود والفقير الكدور المحروب فلا القصر

الشامخ المتطاول ولا الكوخ الحقير المتواضع وإنما هي ضراعة القبر .

أيها الوادي إنما أنت شبح ماثل للعظة والعبرة ، ورسم قائم للحزن

والخشوع ، تعلو الصيحة من جنباتك والصراخ يسمع من كل ناحية

منك ، فتلك تندب شجوا ولدها في ميعة الصبا اخترمه الموت فذوي

غصنة الرطيب وكانت ترتجيه يجلو لها حلكة الدنيا بجبينه الوضي . .

وأخرى تنحب أخا كانت تأمله الساعد القوي في كشف ضراء الدنيا

فهي ترسل الدموع مدرارا من ذوب القلب فتسقط على تراب قبره

‹ صفحة 72 ›

فتضيع بين طيات التراب . . . وأخرى مكبة على قبر تشمه وهي تبكي

حظها العاثر وتنثر دررا ناصعة وفي الأحشاء نار لا يخبو أوارها - تبكي

حييبا عصره الردى فطواه بين دفتي القبر وهي ما تزال على هذا الدأب

حتى تأخذ الشمس بلم أذيالها عن الكون فتقفل راجعة إلى البيت .

أسماء النجف الأخرى ( الطور ، براثا ، الظهر ، الجودي ، الربوة )

وجاء في بشار الزائرين ( الطور والنجف والظهر ومقبرة براثا ووادي

السلام والجودي والربوة وغير ذلك من أسمائهم تشير إلى موضع واحد

هو الذي اشتراه إبراهيم الخليل وأمير المؤمنين عليهما السلام )

وإيضاحا لهذه الأسماء نورد ما يلي كما جاء في بشارة الزائرين أيضا :

1 - رواية سليمان بن نهيك عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى

( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) قال الربوة نجف الكوفة والمعين

الفرات ) .

2 - المقصود من الجودي في قوله تعالى واستوت على الجودي على

رواية وعلى أخرى هو الفرات وجبل بالموصل على غيرها وأنه الربوة كما

سمعت في رواية ابن نهيك وهو مسجد الملائكة كما في رواية عن أمير

المؤمنين صلوات الله عليه قال : لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا الآدم

سجدوا على ظهر الكوفة .

3 - ومنها عن موسى بن بكير عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن

‹ صفحة 73 ›

أبيه عن آبائه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إن الله اختار

من البلدان أربعة فقال عز وجل والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد

الأمين ( التين المدينة المنورة والزيتون بيت المقدس وطور سينين

الكوفة وهذا البلد الأمين مكة )

4 - المروي في البحار في باب فضل النجف وماء الفرات عن أبي

الحسن الحذاء قال : قال أبو عبد الله عليه السلام إن إلى جانبكم مقبرة

يقال براثا يحشر منها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر ، وفي

القاموس ( البرث الأرض السهلة أو الجبل من الرمل ، السهل أو أسهل

الأرض وأحسنها جمع براث ) انتهى ، ومسجد براثا معروف بالقرب

من الزوراء فيما بين الكرخ وبلاد الكاظمية عليها السلام ،

5 - الظهر: ظهر الكوفة يقال له اللسان وهو فيما بين النهرين

عين بني الجراء فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي البطن

فهو النجاف .

قال ابن النجار في كتاب الكوفة وكان يقال لظهر الكوفة اللسان

وما ولي الفرات منه الملطاط وأنشد لعدي بن زيد :

هيج الداء في فؤادك حور * ناعمات بجانب الملطاط

آنسات الحديث في غير فحش * رافعات جوانب الفسطاط

‹ صفحة 74 ›

ثانيات قطائف الخز والديباج * فوق الخدور والأنماط

موقرات من اللحوم وفيها * لطف في البنان والأقساط

شد ما ساءنا حداة تولوا * حين حثوا نعالها بالسياط

فرق الله بينهم من حداة * واستفادوا حمى مكان النشاط

مثل ما هيجوا فؤادي فأمسى * هائما بعد نعمة واغتباط

بانقيا

واشتهرت النجف أيضا قديما باسم بانقيا كما ورد في معجم البلدان

وقد أشرنا إلى هذا الموضوع ص 46 من كتابنا هذا .

ويعتبر هذا الاسم عاما لغير البقعة أيضا ومما قاربها كما جاء ذكره

في الفتوح الإسلامية ومعجم البلدان وفتوح البلدان للبلاذري .

وقال ضرار بن الأزور الأسدي يذكر بانقيا وجرحه بها أيام الفتح .

أرقت ببانقيا ومن يلق مثلما * لقيت ببانقيا من الجرح يأرق

وجاء في أرجوزة السماوي في تسمية النجف ومحله

النجف اسم للمكان المرتفع * أو اسم عين بالمياه تندفع

أو المسناة بجنب الشاطي * أوني وجف في لغة ( الأنباط )

فالني ماء عندهم وجفا * واستعملوا اللفظ الذي قد خفا

‹ صفحة 75 ›

واختص في مدفن خير الخلق * بعد محمد عظيم الخلق

وسمي ( الغري ) باسم قائم * كان هناك في زمان قادم

أو قائمين ولذا يثني * لفظ الغري باعتبار المعنى

وسمي المشهد حيث القاصد * يشهد ما ليس له يشاهد

أو حيث حل تربه الشهيد * وامتاز فيه السيد العميد

( ووادي السلام ) حيث الوادي * بجنبه لحزبه كالنادي

( والذكوات البيض ) والذي أرى * تصحيفه من ربوات فجرى

وظهر كوفان وخلف الخندق * فتلك سبعة له أو ترتقي

ويشير إلى بانقيا

وكان إبراهيم قد شراه * من أهل بانقيا لما يراه

وجاء أيضا في ص 6 من الفصل الثاني بما يخص الطور والجودي

ففي حديث الفرحة المسطور * بأنها من قطعات الطور

وأنها كانت من الجودي * أو هو هي في خبر مروي

وفي حديث في الكتاب ثان * بأنها من روضة الجنان

أو هي روضة الجنان الوعسا * لضمها من النبي النفسا

وحديث أنها المبتهج * للقائم المهدي حين يخرج

‹ صفحة 76 ›

وادي السلام

لمعالي العلامة الشهيد الشيخ علي الشرقي النجفي

سل الحجر الصوان والأثر العادي * خليلي كم جيل قد احتضن الوادي

فيا صيحة الأجيال فيه إذا دعت * ملايين آباء ملايين أولاد

ثلاثون جيلا قد ثوت في قرارة * تزاحم في عرب وفرس وأكراد

ففي الخمسة الأشبار دكت مدائن * وقد طويت في حفرة ألف بغداد

طلبت ابن عباد فألفيت صخرة * وقد رقشت هذا ضريح ابن عباد

وكم كومة للترب من حول كومة معلمة هذا الزعيم وذا الهادي

وما الربوات البيض في أيمن الحمى * وقد خشعت إلا نضائد أكباد

خليلي هجسا واختلاسا بخطوكم * فلم تطأوا إلا مراقد رقاد

فذو الزهو خلى الزهو عنه وقد ثوى * وظلت على الغبرا سيادة أسياد

وكم من هموم في التراب وهمة * وكم طويت فيه شمائل أمجاد

أعقباك يا دنيا قميص وطمرة * بحفرة أرض من خرابات زهاد

عبرت على الوادي فسفت عجاجة * فكم من بلاد في الغبار وكم ناد

‹ صفحة 77 ›

وأبقيت لم انفض عن الرأس تربه * لأرفع تكريما على الرأس أجدادي

ذهبنا إلى القلال نسعى كرامة * أتقبل أجداد زيارة أحفاد

وهل رادع للناس عن كسر قلة * إذا عرفوها من ضلوع وأعضاد

وجئنا لحي يضربون قبابهم * على رائح عن حيهم وعلى الغادي

قباب عليها استهزأ الدهر ما بها * سوى الحجر المدفون والحجر البادي

ألا أيها الراكب المجعجع في الحمى * إلى أين مسرى ظعنكم ومن الحادي

حدوج عليها روعة فكأنها * وقد سجدوا فيها محاريب عباد

فيا منبت الأجساد عشبا على الثرى * فهل تطلع الأرواح مطلع أوراد

وهل لعبت في الراقدين حلومهم * بأطياف أفراح وأطياف أنكاد

محال على الأرواح دفن بتربة * ولكنما هذي القبور لأجساد

مضت نشأة الأرحام في ظلماتها * واضوء منها نشأتي بعد ميلادي

ولي نشأة أجلى وأعلا فإنني * لتهيئة في النشأتين وإعداد

وما هذه الأجساد من بعد نزعها * سوى قفص خال وقد أفلت الشادي

طباع الفتى فردوسه أو جحيمه * وفي طي أخلاقي نشوري وميعادي

‹ صفحة 78 ›

الباب الخامس

بيان عن فضل النجف والتختم بحصبائها

ومجاورة قبر أمير المؤمنين " ع "

النجف الأشرف  دار السلام ومجتمع أرواح المؤمنين بعد

الموت وبقعة من جنة عدن ، وفضلها لا ينكر وشرفها الذاتي والعرضي

من طريق المعقول ظاهر جلي لذوي البصائر والعقول من حيث اتخاذه

مرقدا لسيد الوصي صلوات الله عليه واختياره مدفنا لبدنه المقدس

واختيار نوح ( ع ) وغيره من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام الدفن

فيه الكاشف ذلك عن شرفه الذاتي وإلا كان اختيار الدفن فيه ونقل

عظام آدم " ع " من سرنديب أقصى الهند إليه بلا مخصص من هنا قال

العلامة الطباطبائي في " الدرة " - :

أكثر من الصلاة في المشاهد * خير البقاع أفضل المعابد

لفضلها اختيرت بمن بهن حل * ثم بمن قد حلها سما المحل

‹ صفحة 79 ›

وفي رواية عن المفضل بن عمر عن الصادق " ع " قال : وهو يعني

الغري قطعة من الجبل كلم الله عليه موسى تكليما ، وقدس عليه عيسى

تقديسا ، واتخذ عليه إبراهيم خليلا ، واتخذ محمدا حبيبا ، وجعل للنبيين

صلوات الله عليهم سكنا .

المروي عن أبي أسامة عن أبي عبد الله الصادق " ع " قال سمعته يقول

الكوفة روضة من رياض الجنة فيها نوح وإبراهيم وقبور ثلاثمائة وسبعين

نبيا وستمائة وصي وقبر سيد الوصيين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين .

وعن " حسان بن مهران " قال : سمعت أبا عبد الله " ع " يقول : قال

أمير المؤمنين " ع " " مكة حرم الله والمدينة حرم رسول الله " ص "

والكوفة حرمي لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه الله " .

وعن أبي بكر الحضرمي عن الباقر " ع " قلت له - أي البقاع أفضل

بعد حرم الله وحرم رسوله - فقال : الكوفة يا أبا بكر هي الزكية

الطاهرة فيها قبور النبيين والمرسلين وغير المرسلين والأوصياء الصادقين

وفيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبيا إلا وقد صلى فيه ، وفيها يظهر

عدل الله وفيها يكون قائمة والقوام من بعده وهي منازل النبيين

والأوصياء والصالحين ،

وعن موسى بن بكير عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عن

‹ صفحة 80 ›

آبائه قال :

قال رسول الله " ص " إن الله اختار من البلدان أربعة فقال عز وجل

" والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين " التين المدينة

والزيتون بيت المقدس وطور سينين الكوفة وهذا البلد الأمين مكة "

وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله " ص " الكوفة جمجمة

العرب ورمح الله وكنز الإيمان .

وفي البحار عن الحسن بن علي عليهما السلام قال ، لموضع الرجل

بالكوفة أحب إلي من دار بالمدينة .

وعن الصادق عليه السلام قال :

- من كان له دار بالكوفة فليمسك بها

- هذه مدينتنا ومحلتنا ومقر شيعتنا

- اللهم ارم من رماها وعاد من عاداها

- أربع بقاع ضجت إلى الله يوم الطوفان البيت المعمور فرفعه الله

إليه والغري وكربلاء والطوس

- أول بقعة عبد الله عليها ظهر الكوفة لما أمر الله الملائكة أن

يسجدوا لآدم فسجدوا على ظهر الكوفة .

- إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة

‹ صفحة 81 ›

وإن إلى جانبها قبرا لا يأتيه مكروب فيصلي عنده أربع ركعات إلا

أرجعه الله مسرورا

- نحن نقول بظهر الكوفة قبر ما يلوذ به ذو عاهة إلا شافاه الله .

ما أم قبر المرتضى راجيا * يأمل كشف الضر إلا نجا

فطف به ملتثما تربه * ولذ به ماليل هم دجا

تجد به حرزا منيعا وفي * أكنافه يرتع طرف الرجا

في التختم بحصبائها

روى الشيخ في التهذيب بإسناده إلى المفضل عن أبي عبد الله

الصادق ( ع ) قال : - أحب لكل مؤمن أن يتختم بخمسة خواتيم بالياقوت

وهو أفضلها وبالعقيق وهو أخلصها لله ولنا وبالفيروزج وهو نزهة

الناظر من المؤمنين والمؤمنات وهو يقوي البصر ويوسع الصدر ويزيد

في قوة القلب وبالحديد الصيني ، وما أحب التختم به ولا أكره لبسه

عند لقاء أهل الشر ليطفي شرهم وأحب اتخاذه فإنه يشرد المردة من الجن

والإنس ، وما يظهره الله بالذكوات البيض بالغريين قلت يا مولاي وما

فيه من الفضل قال عليه السلام من تختم به وينظر إليه كتب الله له

بكل نظرة زورة أجرها أجر النبيين والصالحين ولولا رحمة الله لشيعتنا لبلغ

الفص منه ما لا يوجد بالثمن ولكن الله رخصه عليهم ليتختم به غنيهم

وفقيرهم .

‹ صفحة 82 ›

في المجاورة كما محكى مدينة العلم للصدوق بإسناده إلى الصادق ( ع ) إنه سأل عن

مجاورة النجف عند قبر علي وعند قبر الحسين عليهما السلام فقال :

- مجاورة ليلة عند قبر أمير المؤمنين ( ع ) أفضل من عبادة سبعمائة

عام وعند قبر الحسين ( ع ) من عبادة سبعين عاما .

في المبيت والصلاء عند المرقد المطهر

عن الإمام الصادق ( ع ) : إن المبيت عند علي ( ع ) ليلة يعدل سبعمائة

عام وسأل الصادق ( ع ) عن الصلاة عند قبر أمير المؤمنين ( ع ) فقال

الصلاة عند قبر أمير المؤمنين ( ع ) بمائتي ألف صلاء .

وجاء في أرجوزة السماوي ص 4 في الفصل الأول :

في علاء النجف وشرفه

له علاء لم يزد عليه * حيث أولو العزم أتت إليه

وغيرهم من أنبياء الله * من كل أو أب له أواه

فانظر إلى آثارهم بالكوفة * من أسطوانات لهم معروفة

ولا تقل أسس تلك سعد * أو أنها قد حدثت من بعد

فإنها كانت بعهد المرتضى * والكتب فيما بيننا فصل القضا

انظر إلى رواية الخصائص * فإنها موجودة للفاحص

‹ صفحة 83 ›

قال علا منبر كوفان علي * وأخبر الناس بنصه الجلي

وقال فيما قال فيه وذكر * إن سوف يأتي ( القرمطي ) بالحجر

إلى هنا ودلهم بالايما * على أسطوانة لإبراهيما

وقال بعد ذاك هيه يا رخم * خذه فراحوا حافظين ما رسم

وكتبوا ألفاظه عن حفظ * فصحفت رواتهم للفظ

واستشكلوا حين أتوها بالحجر * فطابق اللفظ وصححوا الخبر

فهل ترى سعدا رأى أوانه * حتى يشيد باسمه اسطوانه

وأين سعد والخليل في الزمن * حالت قرون بالثلاثين تظن

وكيف يدري إنه صلى هنا * لو لم يجد علم الوصي البينا

وجاء أيضا في الفصل الثاني منه ص 6

فأين يلفي لهم مثل النجف * بقعة فضل وجلال وشرف

وجاء في الفصل الثالث ص 6 أيضا في أن أمير المؤمنين ( ع )

كان يخرج مع بعض أصحابه

هذا وكانت منبت الشقيق * فاختصها النعمان للتأنيق

فهو من الخورنق الشهير * نزهته إلى بنا السدير

وكانت المعبد للرهبان * فكم لهم بها من المباني

كدير مريم ودير الحرقه * ودير الأسكول وهذا المنطقة

وكم بها لا سقف من دير * لأنها البقعة ذات الخير

‹ صفحة 84 ›

فيا لها من بقعة في العالم * يسبح الله بها من آدم

ويالها من بقعة مباركة * تختص بالقدس بلا مشاركه

ويالها من بقعة كم قد خرج * لها الوصي في مضيق وفرج

فقد سمعت إذا أتاها ليلا * فوق بعير مردفا كميلا

فقال عرفني يا ذا القدس * نفسي فإني ما عرفت نفسي

فقسم النفس إلى أقسام * تخريج ذاكرها عن المقام

وقد سمعت إذ أتى رفيقه * لها وإذ سأل ما الحقيقة

فدافع الوصي عنها برهه * ثم أزال عنه كل شبهه

وقد سمعت ما رواه بعض * أن قد رآه تنتجيه الأرض

فقال ماذا قال إن صدر * إن ضاق أودعت الحفير سري

وقد سمعت إذ أتاها قاصدا * وبات فيها راكعا وساجدا

فحمحمت بغلته من صنار * فقام في كفيه ذو الفقار

فوقف الضرغام وهو خاضع * وقال يا مولاي إني جائع

قد جئت قاصدا سنان الوائلي * إذ قيل لي سبك في المحافل

وهو نزيل القادسية التي * جنبك والظن بأن لم يفلت

قال فرح فراح وهو مسرع * فقال منقذ ورحت اتبع

فجئتها صبحا وشاع الخبر * أن سنانا قد دهاه قسور

وقد سمعت أنه قد خطبا * فيها وقال ستكون قطبا

‹ صفحة 85 ›

وسوف يبنيها فتى من ولدي * ويعقد السور عليها بعدي

سبعين طاقا دائرا عليها * وسوف تقصد الورى إليها

وستكون مدفنا وينبث * منها الذي في جانبيها يجدث

كما سيأتي في حديث الحسني * والأسدي في مقاله السني

فهو إذن بقدسه معروف * وبالجلال واليها موصوف

لهذه وما سواها من خبر * تركته لأنه قد اشتهر

وعطر الآناف روضه الأنف * بنشره فلنتكلم في الصحف

‹ صفحة 86 ›

الباب السادس

من دفن في النجف الأشرف من الأنبياء ( ع )

وفضل الدفن فيها

1 - من دفن في النجف الأشرف من الأنبياء ( ع )

جاء في الأخبار المروية عن الأئمة عليهم السلام إن قبور آدم ونوح

وهود وصالح ( ع ) موجودة في الغري واستنادا لهذا نثبت أدناه تلك

الأخبار بسندها مع المراجع الموثوقة .

ومن تلك الأخبار المروية هي وفق ما يلي : -

وبالاسناد حدثنا سلامة قال حدثنا محمد بن جعفر عن محمد بن أحمد

عن أبي عبد الله الرازي عن الحسن بن علي عن أبي حمزة عن صفوان عن

أبي أسامة عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول :

( الكوفة روضة من رياض الجنة فيها قبر نوح وإبراهيم عليهما السلام

وقبور ثلاثمائة نبي وسبعين نبيا وست مائة وصي وقبر سيد الأوصياء

أمير المؤمنين ( ع ) .

وبالاسناد أخبرنا محمد بن تمام قال أخبرنا محمد بن محمد بن علي بن

محمد قال حدثني أحمد بن ميثم الطلحي عن الحسن بن علي عن أبي حمزة

‹ صفحة 87 ›

عن أبي بصير قال قلت : لأبي عبد الله ( ع ) أين دفن أمير المؤمنين ( ع ) ؟

قال دفن في قبر أبيه نوح قلت وأين نوح ؟ إن الناس يقولون إنه في المسجد

قال لا ، ذاك في ظهر الكوفة .

وبالاسناد حدثنا محمد بن تمام قال أخبرنا محمد بن محمد بن رياح عن

عمه علي بن محمد عن القاسم بن الضحاك بن المختار بن فلفل مولى عمرو

ابن حريث قال حدثني حماد بن عيسى قال حدثني رجل عن أبي

عبد الله ( ع ) قال قبر علي في الغري ما بين صدر نوح ومفرق رأسه

مما يلي القبلة .

وقال النقيب غياث الدين السيد عبد الكريم بن طاووس قال :

أخبرني والدي وعمي رضي الدين علي بن طاووس رحمهما الله عن الفقيه

محمد بن نما عن محمد بن إدريس عن عربي بن مسافر عن الياس بن هشام

الحايري عن أبي علي عن والده أبي جعفر عن محمد بن النعمان عن أبي

القاسم جعفر بن محمد عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن

محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر

الجعفي قال - دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له إني أشتاق

إلى الغري - فقال - فما شوقك إليه ، فقلت له إني أحب أن أزور أمير

المؤمنين عليه السلام فقال : هل تعرف فضل زيارته فقلت لا يا بن

رسول الله إلا أن تعرفني ذلك قال : فإذا أردت أن تزور قبر أمير

‹ صفحة 88 ›

المؤمنين ( ع ) فاعلم إنك زائر عظام آدم وبدن نوح وجسد علي بن أبي

طالب ( ع ) ، فقلت - إن آدم ( ع ) هبط بسرانديب في مطلع

الشمس وزعموا أن عظامه في بيت الله الحرام - فكيف صارت عظامه

بالكوفة - قال إن الله عز وجل أوحى إلى نوح ، وهو في السفينة - أن

يطوف بالبيت أسبوعا فطاف بالبيت كما أوحى إليه - ثم نزل في الماء

إلى ركبتيه فاستخرج تابوتا فيه عظام آدم ( ع ) فحمله في جوف السفينة

ثم طاف ما شاء الله أن يطوف ثم ورد إلى باب الكوفة في وسط

مسجدها ففيها - قال الله تعالى ( للأرض ابلعي مائك فبلعت ماءها من

مسجد الكوفة كما بدء الماء منه وتفرق الجمع الذي كان مع نوح في

السفينة فأخذ نوح ( ع ) التابوت فدفنه في الغري وهو قطعة من الجبل

الذي كلم الله عليه موسى تكليما ، وقدس عليه عيسى تقديسا واتخذ عليه

إبراهيم خليلا واتخذ محمدا عليه حبيبا وجعله للنبيين مسكنا والله ما سكن

فيه بعد أبويه الطيبين آدم ونوح أكرم من أمير المؤمنين علي عليه السلام

وإذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم وبدن نوح وجسم علي بن أبي

طالب ( ع ) فإنك زائر الأنبياء الأولين ومحمدا خاتم النبيين وعليا سيد

الوصيين فإن زائره تفتح له أبواب السماء عند دعوته فلا تكن

عن الخير نواما .

‹ صفحة 89 ›

وجاء في التهذيب عن الإمام علي ( ع ) قال لما ضربه ابن ملجم

( فإذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح ) .

وجاء في رحلة ( ابن بطوطة ) ص 109 ج 1 ( وفوقها ثلاثة من

القبور يزعمون أن أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام والثاني قبر نوح

عليه الصلاة والسلام والثالث قبر علي ( رضي الله تعالى عنه ) .

وفي ماضي النجف وحاضرها ص 66 ( في جبانة النجف على الجهة

الشمالية من البلد الأشرف قبر للنبي هود ( ع ) والنبي صالح ( ع ) وهو

من القبور المعلومة والمقامات المشهورة عليه قبة يتبرك بها وتزار شيدت

في عصر العلامة الخبير السيد بحر العلوم ( ره ) وهو الذي أظهره وبنى

عليه قبة من الجص والحجارة ولم تزل باقية حتى ورد رجل من أهالي

إيران فهدم تلك البنية وبنى عليه قبة مغشاة بالحجر القاشاني ) .

وعلى جبهة الباب أبيات وفيها تأريخ لهذه العمارة الحاضرة - الأبيات : -

سما لضراح الأفق دون الضرايح * ضريح علا سام بخير الأباطح

تود الثريا أن تكون ثرى إلى * جوار علي خير هاد وناصح

فدع واحد الدنيا وأرخ مجددا * ضريح الهدى هود الزكي وصالح

وفي كتب الزيارة كثير من الأخبار الناصة على زيارة هود وصالح

في النجف وهذا القبر لما أشاده العلامة الخبير السيد بحر العلوم ( ره )

جعل توليته بيد محمد علي بن حسين قسام جد الأسرة النجفية ( آل قسام )

‹ صفحة 90 ›

وكانت له أوقاف خاصة أراضي زراعية بناحية الكفل معروفة وتعرف

( بمبرك الناقة ) تغلب عليها بعض رؤساء تلك الأطراف وله اليوم بعض

المخصصات من الأوقاف تصرف في الضياء وللمتولي من هذه الأسرة

وفي أرجوزة السماوي في الفصل الثاني ص 5 في زيارة الأنبياء عليهم

السلام في النجف الأشرف مشيرا إلى قبور الأنبياء ( ع ) :

وجاء نوح بعد فيض العالم * إلى الغري في عظام آدم

ثم هو اختار الغري مدفنا * لعلمه بدفن حيدر هنا

واختار ذاك صالح وهود * وليس ما تزعمه اليهود

فإن هودا عندهم ذو الكفل * فأوضح الحق وصي الرسل

عند ذهابه إلى صفين * وأعلن القبرين بالتعيين

وفيه مثوى عد أيام السنة * من أنبياء قد أتوا بالبينة

والداخل إلى الروضة المطهرة يرتل التحية الآتية على ما روته له

كتب الزيارة ( السلام عليك وعلى ضجيعك آدم ونوح ، وعلى جاريك

هود وصالح ورحمة الله وبركاته ) .

2 - فضل الدفن في النجف الأشرف

حسب روايات المحدثين الكبار عن الأخبار المروية بأن تربة

النجف لفضلها وعظيم شأنها قد إشتراها إبراهيم الخليل ( ع ) كما جاء

ذلك في موضوع باتقيا في ( معجم البلدان ) كما مر ذكره .

‹ صفحة 91 ›

وكذلك جاء في فرحة الغري ص ( 20 ) على ما رواه أبو عبد الله محمد

ابن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي الحسيني في كتاب فضل الكوفة

بإسناد رفعه إلى عقبة بن علقمة أبي الجنوب ، قال : اشترى أمير المؤمنين

علي عليه السلام ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين

بأربعين ألف درهم وأشهد على شرائه قال : فقيل له يا أمير المؤمنين تشتري

هذا بهذا المال وليس ينبت حطبا فقال سمعت من رسول الله ( ص )

يقول كوفان يرد أولها على آخرها يحشر من ظهرها سبعون ألفا يدخلون

الجنة بغير حساب واشتهيت أن يحشروا في ملكي.

وروي أن أمير المؤمنين ( ع ) نظر إلى الكوفة فقال

ما أحسن منظرك وأطيب قعرك اللهم اجعله قبري ، ومن خواص تربته

إسقاط عذاب القبر وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك كما

‹ صفحة 92 ›

وردت به الأخبار الصحيحة عن أهل البيت ، وكتب الفاضل ملا مهدي

المعروف بالنراقي إلى العلامة آل بحر العلوم ( ره ) .

ألا قل لسكان أرض الغري * هنيئا لكم في الجنان الخلود

أفيضوا علينا من الماء فيضا * فنحن عطاشا وأنتم ورود

فأجابه العلامة ( ره )

ألا قل لمولى يرى من بعيد * ديار الحبيب بعين الشهود

لك الفضل من غائب شاهد * على حاضر غائب بالصدود

فنحن على الماء نشكو الظما * وفزتم على بعدكم بالورود

والمقصود من البيت الثاني إنك وإن كنت غائبا عن أرض الغري

ولكن كنت بحكم الحاضر لأنك تحب المجاورة ( ومن أحب عمل قوم

شاركهم ) ونحن وإن كنا حضورا في الغري ولكن لعدم أداء حق

الجوار نعد في زمرة الغائبين المحرومين ولنعم ما قيل :

إذا مت فادفني مجاور حيدر * أبا شبر أعني به وشبير

فتى لا تمس النار من كان جاره * ولا يختشي من منكر ونكير

وعار على حامي الحمى وهو في الحمى * إذا ضل في البيداء عقال بعيري

وفي أرجوزة السماوي في أن المدفون بها آمن من عذاب البرزخ

ثرى به أمن عذاب البرزخ * من حيث جيئ فرسخا في فرسخ

‹ صفحة 93 ›

فإن من يدفن خلف الخندق * عند علي لم يخف مما لقي

جاءت بما ذكرته أخبار * وعاضدتها في الورى آثار

كما رأى ابن بدر الهمداني * في المسجد الجامع من كوفان

حين رأى مسائل الميت أتى * مع صاحب له ليلقى ميتا

وهو يقول سله قبل الخندق * فإنه العباس أعور شقي

فسأل الحامل بعد ما انبته * عن اسمه ووصفه فما اشتبه

فقص رؤياه فسار عابرا * خندقها مسارعا مبادرا

وما رأي الحسين من علي * سليل شاهين الفتى الحلي

إذ جاء في أغلاله يتل * فقيل خلوه فحل الغل

ودفنوه في ثنايا الصحن * بصخرة موسومة للدفن

فأخبر الحسين ثم انتظرا * وعين القبر لمن قد أخبرا

‹ صفحة 94 ›

فجئ بالحلي ثم دفنا * بذلك القبر الذي قد عينا

فكان طبق ما له أشارا * وكان ذلك الفتى عشارا

وما رأى سلمان من نزاعه * حيث شفاه الله من أوجاعه

وكان يزعم السؤال ينبري * عمن ثوى في كربلاء لا الغري

فحين في سكرته قد عرفا * أوصى ذويه أن يجئ النجفا

وما رأوا كما رووا من داخل قد أمن السؤال من مسائل

وفي القليل من كثير النقل * بين أولي الفضل وأهل العقل

ما يطمأن خاطر الولي * وكيف لا وهو ثرى علي

ومما جاء في زوايا التأريخ حول جواز نقل الميت منذ أقدم العصور

وهو كما يلي :

1 - من الروايات المأثورة في نقل عظام آدم عليه السلام إلى النجف كما

مر ذكرها وهو دليل واضح على جواز النقل لأن الناقل والمنقول من الأنبياء

2 - ومن رواية الطبرسي في ( مجمع البيان ) والراوندي في ( قصص الأنبياء )

عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام قال : لما مات يعقوب

حملة يوسف في تابوت إلى أرض الشام فدفنه في بيت المقدس .

3 - رواية الفقيه عن الصادق ( ع ) قال : إن الله تبارك وتعالى

أوحي إلى موسى بن عمران أن أخرج عظام يوسف من مصر إلى أن

‹ صفحة 95 ›

قال فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر فحمله إلى الشام .

4 - وروي عن أمير المؤمنين ( ع ) إنه كان إذا أراد الخلوة

بنفسه أتى إلى طرف الغري فينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف فإذا

برجل قد أقبل من البرية راكبا على ناقته وقدامه جنازة فحين رأى عليا ( ع )

قصده حتى وصل إليه فسلم عليه فرد الأمير عليه السلام وقال له من أين ؟ قال من اليمن

قال - وما هذه الجنازة التي معك ؟ قال جنازة أبي لأدفنها في هذه الأرض

فقال ( ع ) لم لا دفنته في أرضكم قال أوصى إلي بذلك ، وقال - إنه يدفن هناك

رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر فقال ( ع ) أتعرف ذلك الرجل ؟ قال - لا - فقال ( ع ) أنا والله ذلك الرجل ثم فادفن أباك فقام ودفنه " 2 "

5 - وقد نقل أن جماعة من علمائنا دفنوا ثم نقلوا كالمفيد إلى

جوار الكاظمين عليهما السلام بعد دفنه في داره في بغداد .

- والبهائي من أصبهان إلى المشهد الرضوي . وغيرهما .

‹ صفحة 96 ›

والذي يلفت النظر إليه هو أن العلماء المارين الذكر كانوا في ذلك

الزمن أهل الحل والعقد ومن أساطين علماء الإمامية ، ومن هنا يفهم

القارئ طن نقل رفات الأموات من محل إلى آخر كان معمولا به

من أقدم العصور والدهور وقد أيد علماء النجف الورعون هذا النقل

وادعموه بأدلة قطعية فلسفية وأثبت أدناه ما قاله الشيخ الكبير في كشف الغطاء

عند الأمور المسوغة للنقل : " ومنها أن يكون ذلك

لإيصاله إلى محل يرجى فوزه بالثواب أو نجاته من العقاب كالنقل إلى

المشاهد المشرفة أو مقابر مطلق الأولياء والشهداء والصلحاء والعلماء

وربما كان ذلك أولى من غيره فيخرجه كلا أو بعضا عظما أو لحما أو

مجتمعا ولولا قيام الإجماع والسيرة على عدم وجوبه لقلنا بوجوبه في

بعض المحال " انتهى .

وجاء في بشارة الزائرين النقاط التالية

1 - لا يوجد محذور في نقل الميت إلى أحد المشاهد المقدسة مطلقا

قبل الدفن في غيرها أو بعده ، ولا مانع من جواز النبش حينئذ كما قال

السيد العلامة الطباطبائي أعلى الله مقامه

والنبش محذور وحده البلا * وهو لحق آدمي خللا

والأقرب الجواز للنقل إلى * جوار من بقربهم نيل العلا

2 - من الراجح جدا دفن الموتى في النجف ليكونوا في جوار حامي

‹ صفحة 97 ›

الذمار والد الأئمة الأبرار صلوات الله عليهم جميعا وإن احتاج الدفن فيه

إلى نقل مطلقا بل وإلى نبش ، فإنه لا دليل عليه على تحريمه إذا كان لتلك

الغاية القصوى والفائدة الكبرى وليس هو من الهتك بداهة وإنما

هو إحسان في حق الميت وإكرام يؤل إليه أمر المنقول إلى النجف

بعد دفنه

3 - لا خلاف منافي جواز النقل إليها قبل الدفن وإنه مذهب علمائنا

4 - قال العلامة أعلى الله مقامه في التذكرة فكان إجماعا وفي

الجواهر بل هو أقوى منه بمراتب .

والحاصل إن النبش والنقل لجوار الذمار صلوات الله عليه

حسن على كل حال .

‹ صفحة 98 ›

الباب السابع

من دفن في النجف من صحابة الرسول الكرام ( ص )

كانت الكوفة عاصمة الإمبراطورية الإسلامية في عهد أمير المؤمنين

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وبالنظر لمركزها الديني والسياسي

والعلمي في ذلك الوقت فقد سكنتها كبار صحابة الرسول الأعظم " ص "

ولما كانت النجف الحالية هي ضهر الكوفة قديما فقد ضمت أجداث

بعض الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم وقد تمكنت بعد

البحث والتنقيب أن أحضى بمجموعة من أسماء صحابة الرسول الأعظم

" ص " الذين قبروا بظهر الكوفة كما جاء بتاريخ الكوفة للبراقي ص 384

وإليك من اهتدينا إلى أسمائهم

1 - أبو موسى الأشعري

من مدحج واسمه عبد الله بن قيس ، أول مشاهده خيبر نزل الكوفة

‹ صفحة 99 ›

وابتنى بها دارا ، وهو أحد الحكمين ، توفي بالكوفة سنة 42 هـ‍

2 - أبو كاهل الأحمسي

من بجيلة واسمه قيس بن عائذ وقيل عبد الله بن مالك روى عن

النبي ( ص ) توفي أيام المختار

3 - أبو جحيفة السوئي

واسمه وهب بن عبد الله من بني سواءة بن عامر بن صعصعة توفي

بالكوفة في ولاية بشر بن مروان سنة 74

4 - الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي

شهد مع علي عليه السلام صفين وله معه أخبار ابتني بالكوفة دارا

في كندة ومات بها في زمن الحسن بن علي عليهما السلام وصلى هو

عليه وكانت ابنة الأشعث تحته ، وقيل مات سنة 42 هـ‍ وله ثلاث

وستون سنة

5 - جرير بن عبد الله البجلي أبو عمرو

ابتنى بالكوفة دارا في بجيلة وتوفي بالسراة في ولاية النعمان بن قيس

على الكوفة سنة 51 هـ‍ وقيل سنة 54 ه‍ـ

6 - جابر بن سمرة السوئي

أبو عبد الله حليف بني زهرة بن كلاب ابتنى بالكوفة دارا في بني

‹ صفحة 100 ›

سواءة وتوفي بها في أول خلافة عبد الملك بن مروان ، قال بن حجر

توفي في ولاية بشر على العراق سنة 74 ه‍ـ

7 - خباب بن الأرت

مولى لأم أنمار ابنة سباع بن عبد العزى ، أبو عبد الله شهد بدرا وابتنى

بالكوفة دارا في جهار سوج خنيس وتوفي بها أثناء ما كان الإمام علي

عليه السلام منصرفا من صفين سنة 37 هـ‍ فصلى عليه ودفنه بظهر الكوفة

خالد بن عرفطة

كان سعد بن أبي وقاص ولاه القتال يوم القادسية ابتنى بالكوفة

دارا وتوفي سنة 60 وقيل 61 هـ‍

9 - خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو

كان ابنه أيمن بن خريم شاعرا فارسا شريفا ، مات في عهد معاوية .

10 - زيد بن أرقم الأنصاري أبو أنيس

أول مشاهده مع النبي ( ص ) المريسيع . ابتنى بالكوفة دارا في كندة

وتوفي بها أيام المختار سنة 68 هـ‍

11 - سهل بن حنيف

أبو عدي شهد بدرا ولاه علي ( ع ) المدينة المنورة توفي سنة 38

بالكوفة وصلى عليه الإمام علي ( ع ) وكبر عليه ستا .

‹ صفحة 101 ›

12 - سعيد بن حريث بن عمرو بن عثمان

شهد فتح مكة مع النبي " ص " وهو ابن خمس عشرة سنة ثم تحول

فنزل الكوفة مع أخيه عمرو بن حريث ومات بالكوفة .

13 - سمرة بن جنادة

بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سوءة بن عامر بن صعصعة

حليف بني زهرة : توفي سنة 58 وقيل سنة 59 وقيل في أول سنة 61 .

14 - سعد بن يجير بن معاوية

وهو الذي يقال له سعد بن حبتة وهو من بجيلة : مات بالكوفة : من

ولده خنيس بن سعد صاحب شهار سوج خنيس بالكوفة ومن ولده أبو

يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد وقد شهد سعد

أحدا .

15 - عتبة بن فرقد

وهو يربوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رفاعة بن ربيعة ، من

بيت بالكوفة يقال لهم الفراقدة ، ولاه عمر في الفتوح فتح الموصل سنة

18 مع عياض بن غنم مات بالكوفة .

16 - عامر بن وائلة

بن عبد الله بن عمرو بن جحش أبو الطفيل الكناني توفي سنة 110 ه‍،

‹ صفحة 102 ›

وهو آخر من مات من الصحابة

17 - عبد الله بن يزيد بن زيد الخطمي

من الأنصار ابتني بالكوفة دارا ومات بها في خلافة عبد الله بن

الزبير وكان عبد الله ولاه الكوفة .

18 - عبد بن أبي أوفي علقمة

أبو معاوية من أصحاب الشجرة ، ابتنى بالكوفة دارا في أسلم وتوفي

بها سنة 86 هـ

19 - عدي بن حاتم الطائي

أحد بني ثعل أبو ظريف ، ابتنى بالكوفة دارا في طئ ولم يزل مع

علي عليه السلام ، وشهد معه الجمل وصفين وذهبت عينه يوم الجمل مات

بالكوفة سنة 68 زمن المختار .

20 - عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان أبو سعيد

ابتنى بالكوفة دارا إلى جانب المسجد وهي كبيرة مشهورة

فيها أصحاب الخز اليوم مات سنة 85 ه‍ـ

21 - عدي بن عميرة الكندي

أبا زرارة روى عن النبي : توفي بالكوفة سنة 40 ه‍ـ

‹ صفحة 103 ›

22 - قرظة بن كعب الأنصاري

أحد العشرة من الأنصار الذين وجههم عمر إلى الكوفة ابتنى بها دارا

في الأنصار ومات بها في خلافة الإمام علي ( ع ) وقد صلى عليه .

23 - لبيد بن ربيعة

ابن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة أبو عقيل مات بالكوفة في

الليلة التي نزل بها معاوية في النخيلة لما صالحة الحسن بن علي " ع " سنة 41

ودفن في صحراء بني جعفر بن كلاب

24 - مجمع بن جارية بن عامر بن مجمع

وهو الذي روى الكوفيون أنه جمع القرآن على عهد النبي " ص "

إلا سورة أو سورتين منه توفي في خلافة معاوية .

25 - المغيرة بن شعبة

أبو عبد الله شهد الحديبية وغيرها ، توفي بالكوفة في شعبان سنة

50 ه‍ـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان وهو بن سبعين سنة دفن في الثوية

26 - وائل بن حجر الحضرمي

قال أبو نعيم : أصعده النبي " ص " على المنبر وأقطعه وكتب له عهدا وقال

هذا وائل سيد الأقبال ثم نزل وائل الكوفة وعقبه بها توفي في خلافة معاوية

27 - هانئ بن أوس الأسلمي

ابتنى بالكوفة دارا في أسلم ، توفي في خلافة معاوية وفي ولاية

المغيرة بن شعبة على الكوفة .

‹ صفحة 104 ›

الباب الثامن

قبر الإمام علي بن أبي طالب ( ع )

وما ورد عن الأئمة عليهم السلام في تعيين المرقد المقدس

قبر الإمام علي ( ع )

كانت وفاة أمير المؤمنين " ع " قبل الفجر ليلة الجمعة إحدى

وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، من جراء ضربة

ابن ملجم لعنه الله في مسجد الكوفة ، وقد تولى غسله وتكفينه ودفنه

إبناه الحسن والحسين ( ع ) ، وحملا جثمانه الطاهر إلى الغري من نجف

الكوفة ودفناه هناك بين الذكوات البيض ، وتعرف اليوم إحداها

بجبل الديك وتقع في شمال القبر الشريف ، والثانية في جنوبه الشرقي

وتعرف بجبل النور ، والثالثة في جنوبه الغربي وعرفت أخيرا بجبل شرفشاه .

ما ورد عن الأئمة عليهم السلام في تعيين المرقد المقدس

1 - ما ورد عن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام في ذلك

أ - وبالاسناد عن حسان بن علي القسري ، قال : حدثنا مولى لعلي

بن أبي طالب ، قال : لما حضرت أمير المؤمنين عليه السلام الوفاة قال

للحسن والحسين : إذا أنا مت ، فاحملاني على سرير ، ثم أخرجاني ،

‹ صفحة 105 ›

واحملا مؤخر السرير ، فإنكما تكفيان مقدمه ، ثم إتياني الغريين ، فإنكما

ستريان صخرة بيضاء ، فاحتفروا فيها ، فإنكما ستجدان فيها ساحة ،

فادفناني فيها ، قال : فلما مات أخرجناه وحملنا مؤخر السرير وكفينا

مقدمة ، وجعلنا نسمع دويا وحفيفا ، حتى أتينا الغريين ، فإذا صخرة

بيضاء تلمع نورا ، فاحتفرنا فإذا ساحة مكتوب عليها : هذا ما ادخره

نوح لعلي بن أبي طالب عليه السلام فدفناه فيها ، وانصرفنا ونحن

مسرورون بإكرام الله تعالى لأمير المؤمنين ، فلحقنا قوم من الشيعة لم

يشهدوا الصلاة عليه فأخبرناهم بما جرى وبإكرام الله تعالى أمير المؤمنين

( ع ) فقالا : نحب أن نعاين من أمره ما عاينتم ، فقلنا لهم أن الموضع قد

عفي أثره بوصية منه ( ع ) فمضوا وعادوا إلينا ، فقالوا : إنهم احتفروا

فلم يروا شيئا .

ب - وبالاسناد عن جعفر بن محمد بن قولويه ، قال : حدثني محمد بن

محمد بن الحسن عن محمد الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى

عن محمد بن أبي عمير عن الحسن الخلال عن جده قال :

قلنا للحسن بن علي عليهما السلام أين دفنتم أمير المؤمنين صلوات الله

عليه ؟

فقال : خرجنا به ليلا حتى مررنا على مسجد الأشعث ، حتى خرجنا

إلى ظهر ناحية الغري .

‹ صفحة 106 ›

ج - وبالاسناد عن يعقوب بن يزيد قال حدثني ابن أبي عمير يعني

الثقفي عن حسين الخلال عن جده قال : قلت للحسن بن علي ( ع ) أين

دفنتم أمير المؤمنين ( ع ) ؟ قال خرجنا ليلا ، حتى مررنا به على مسجد

الأشعث ، حتى خرجنا إلى الضهر بجنب الغري .

2 - ما ورد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( ع ) في ذلك

ذكر الحسن بن الحسين بن طحال المقدادي : أن زين العابدين ( ع )

ورد إلى الكوفة ، ودخل مسجدها ، وبه أبو حمزة الثمالي ، وكان من

زهاد أهل الكوفة ومشايخها ، فصلى ركعتين ، قال : أبو حمزة : فما سمعت

أطيب من لهجته ، فدنوت منه لأسمع ما يقول فسمعته يقول - إلهي

إن كان قد عصيتك فإني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك ، الإقرار

بوحدانيتك منا منك علي لا منا مني عليك . والدعاء معروف ثم نهض ،

قال أبو حمزة . فتبعته إلى مناخ الكوفة ، فوجدت عبدا أسود معه نجيب

وناقة ، فقلت - يا أسود ! من الرجل ؟ فقال أو تخفى عليك شمايله ؟ هو

علي بن الحسين ، قال أبو حمزة ، فأكببت على قدميه أقبلها ، فرفع رأسي

بيده ، وقال - لا يا أبا حمزة إنما يكون السجود لله عز وجل . قلت - يا بن

رسول الله ! ما أقدمك إلينا ؟ قال . ما رأيت ولو علم الناس ما فيه من

الفضل لأتوه ولو حبوا ، هل لك أن تزور معي قبر جدي علي بن أبي

طالب ( ع ) ؟ قلت . أجل . فسرت في ظل ناقته ، يحدثني حتى أتينا

‹ صفحة 107 ›

الغريين ، وهي بقعة بيضاء تلمع نورا ، فنزل عن ناقته ، ومرغ خديه

عليها ، وقال . يا أبا حمزة ! هذا قبر جدي علي بن أبي طالب ( ع ) ثم زاره

بزيارة أولها . السلام على اسم الله الرضي ، ونور وجهه المضئ ، ثم

ودعه ومضى إلى المدينة ورجعت إنا إلى الكوفة .

3 - ما ورد عن الإمام محمد بن علي الباقر ( ع ) في ذلك

وبالاسناد عن غياث الدين السيد عبد الكريم بن طاووس عن الفقيه

محمد بن نما عن الفقيه محمد بن إدريس عن عربي بن مسافر عن الياس بن

هشام الحايري عن أبي علي عن الطوسي عن المفيد عن محمد بن أحمد بن

داود ، قال أخبرنا محمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن

خالد عن الحسن بن علي عن أبي حمزة عن أبي بصير قال -

( سألت أبا جعفر عليه السلام عن قبر أمير المؤمنين ( ع ) فإن الناس

قد اختلفوا فيه ، قال إن أمير المؤمنين ( ع ) دفن مع أبيه نوح في قبره ،

قلت - جعلت فداك من تولى دفنه فقال رسول الله ( ص ) مع الكرام

الكاتبين بالروح والريحان )

وبالاسناد عن النقيب غياث الدين بن طاووس قال . أخبرني الفقيه

نجيب الدين يحيى بن سعيد أحسن الله إليه عن محمد بن عبد الله بن زهرة

الحسيني عن محمد بن الحسن الحسيني عن سعيد بن هبة الله القطب

الراوندي عن ذي الفقار بن معبد عن المفيد محمد بن النعمان عن محمد بن

‹ صفحة 108 ›

أحمد قال : أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن زكريا المعروف بابن أبي دينار

قال : حدثنا أبي قال حدثنا الحسن بن علي بن فضال قال حدثنا : عمرو بن

إبراهيم عن خلف بن حماد عن عبد الله بن حسان عن الثمالي عن أبي

جعفر عليه السلام في حديث حدث به أنه كان في وصية أمير المؤمنين ( ع )

( أن أخرجوني إلى الضهر ، فإذا تصوبت أقدامكم ، فاستقبلتكم ريح ،

فادفنوني وهو أول طور سينا ، ففعلوا ذلك ) .

وقال أيضا : أخبرني نجم الدين الفقيه أبو القاسم جعفر بن سعيد رحمه

الله عن الحسن بن الدربي عن شاذان بن جبرائيل عن جعفر الدوريستي

عن جده عن المفيد رحمه الله ، قال : وروى محمد بن عمار - قال : حدثني

أبي عن جابر بن يزيد ، قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر ( ع ) أين

دفن أمير المؤمنين ؟ قال :

( دفن بناحية الغريين ودفن قبل طلوع الفجر ودخل قبره الحسن

والحسين ومحمد بنو علي عليهم السلام وعبد الله بن جعفر ( رض )

وعن ابن طاووس أيضا قال :

أخبرني والدي قدس الله روحه عن الفقيه محمد بن أبي غالب رحمه

الله عن السيد الفقيه الصفي محمد بن معد الموسوي .

وأخبرني عمي رضي الدين علي بن طاووس عن السيد صفي الدين

بلا واسطة عن محمد بن معد الموسوي عن أحمد بن أبي المظفر محمد بن

‹ صفحة 109 ›

عبد الله جعفر بن محمد ، قرأت عليه بداره التي يسكنها بدرب الدواب

بنهر معلى بشرقي بغداد في آخر نهار الخميس ثامن صفر سنة ستة عشرة

وستمائة .

وأخبرني عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش الحنبلي عن أبي الفرج

ابن الجوزي الحنبلي وعبد الكريم بن علي السندي .

وأخبرنا شيخنا عبد الحميد بن فخار عن البرهان أحمد بن علي الغزنوي

كلهم عن عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي الحنبلي ، قال . قرأت على

أبي منصور محمد بن عبد الملك بن حيزون المقري يوم السبت الخامس

والعشرين من المحرم سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة من أصله بخط عمه

أبي الفضل أحمد بن الحسن وسماعه منه فيه بخط عمه في يوم الجمعة سادس

عشر شهر شعبان سنة أربع وثمانين وأربعمائة أخبركم أبو الفضل أحمد

ابن الحسن فأقر به ، قال - أخبرنا أبو علي الحسن بن الحسين بن العباس

ابن الفضل بن روما ، قرأت عليه ، وأنا أسمع في رجب سنة ثمان وعشرين

وأربعمائة ، قال - أخبرنا أبو بكر أحمد بن نصر بن عبد الله بن الفتح

الذراع النهرواني بها قرأت عليه ، وأنا أسمع في سنة خمس وثلاثين

وثلاثمائة ، قال - حدثنا حرب بن محمد المؤدب ، قال - حدثنا الحسن بن

جمهور العمي القمي ، قال - حدثنا محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن محمد

ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد ( ع )

‹ صفحة 110 ›

وأخبره الذراع ، قال - حدثنا صدقة بن موسى أبو العباس ، قال - حدثنا

أبي عن الحسين بن محبوب عن هشام بن سالم عن حبيب السجستاني

عن أبي جعفر محمد بن علي ( ع ) قالا .

( مضى أمير المؤمنين سنة أربعين من الهجرة ونزل الوحي على

رسول الله ( ص ) ولأمير المؤمنين ( ع ) اثنتا عشرة سنة وهو ابن خمس

وستين سنة ، فكان عمره بمكة مع رسول الله ( ص ) اثنتي عشرة سنة ،

وأقام مع رسول الله ( ص ) ثلاث عشرة سنة ، ثم هاجر إلى المدينة ،

فأقام بها مع رسول الله ( ص ) عشر سنين ، ثم أقام بعد ما توفي رسول الله ( ص )

ثلاثين سنة ، وكان عمره خمسا وستين سنة ، قبض في ليلة الجمعة ، وقبره

بالغري ، وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف

ابن قصي بن كلاب بن مرة )

4 - ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( ع ) في ذلك

ذكر الثقفي في مقتل أمير المؤمنين ما صورته .

حدثنا محمد قال - حدثني الحسن ، وقد تقدم ذكره قال - حدثنا

إبراهيم يعني الثقفي المصنف ، قال - حدثنا إبراهيم بن يحيى الثوري ،

قال - حدثنا صفوان بن مهران الجمال قال - حملت جعفر بن محمد بن علي

( ع ) فلما انتهيت إلى النجف قال . يا صفوان تياسر حتى تجوز الحيرة ،

فتأتي القائم ، قال فبلغت الموضع الذي وصف لي ، فنزل فتوضأ ، ثم

‹ صفحة 111 ›

تقدم هو وعبد الله بن الحسن ، فصليا عند القبر ، فلما فرغا من صلاتهما ،

قلت : جعلت فداك أي موضع هذا ؟ قال . هذا القبر الذي يأتيه الناس

هناك .

وأخبرني الوزير المعظم نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي

عن والده عن فضل الله عن ذي الفقار ، وعن الطوسي عن المفيد

عن محمد بن أحمد ، قال - حدثنا محمد بن تمام ، قال - أخبرنا محمد بن

محمد بن رياح ، قال - حدثنا عمي أبو القاسم علي بن محمد ، قال - حدثني

عبد الله بن محمد بن خالد التميمي ، قال - حدثني الحسن بن علي الخراز

عن خاله يعقوب بن الياس عن مبارك الخباز ، قال - قال لي أبو عبد الله

عليه السلام ، أسرج البغلة والحمار في وقت ما قدم ، وهو في الحيرة قال -

فركب وركبت معه ، حتى دخل الجرف ، ثم نزل فصلى ، ركعتين ،

ثم تقدم قليلا ، فنزل فصلى ركعتين ، ثم تقدم فصلى ، ركعتين ، ثم

ركب ورجع قال - فقلت له جعلت فداك ما الأوليتين والثانيتين والثالثتين ؟

فقال إن الركعتين الأوليتين موضع قبر أمير المؤمنين ( ع ) والركعتين

الثانيتين موضع رأس الحسين ( ع ) والركعتين الثالثتين موضع منبر

القائم ( ع ) .

وبالاسناد عن أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن القاسم بن محمد

عن عبد الله بن سنان ، قال . أتاني عمر بن يزيد ، فقال لي . اركب

‹ صفحة 112 ›

فركبت معه ، فمضينا إلى الغري ، فانتهينا إلى قبر ، فقال : انزلوا هذا

قبر أمير المؤمنين عليه السلام ، فقلنا : من أين علمت ؟ فقال : أتيته مع

أبي عبد الله ( ع ) حيث كان بالحيرة غير مرة وخبرني إنه قبره .

وعن ابن طاووس قال - أخبرني عمي رضي الدين عن الحسن بن

الدربي عن محمد بن علي بن شهر شهرآشوب

عن جده عن الطوسي عن المفيد

عن جعفر بن محمد عن محمد بن يعقوب عن سعد بن عبد الله عن أحمد

ابن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال عن عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام ، أنه سمعه يقول - لما قبض

أمير المؤمنين عليه السلام أخرجه الحسن والحسين ورجلان آخران ،

حتى إذا خرجوا من الكوفة ، وتركوها عن أيمانهم ، ثم أخذوا في

الجبانة ، حتى مروا به إلى الغري ، ودفنوه وسووا قبره وانصرفوا .

وعن ابن طاووس قال -

قال قرأت بخط أبي يعلى الجعفري ( رض ) صهر الشيخ المفيد والجالس

موضعه في سنة ثلاث وستين وأربعمائة ، وحدث أبو نعيم الحسن بن

أحمد بن ميثم بن أبي نعيم عن الفضل بن دكين عن السكوني عن محمد

ابن حازم عن سليمان بن خالد عن محمد بن مسلم ، قال - مضينا إلى الحيرة

فاستأذنا ودخلنا إلى أبي عبد الله ( ع ) فجلسنا إليه وسألناه عن قبر أمير

المؤمنين ( ع ) فقال - إذا خرجتم فجزتم الثوية والقائم ، وصرتم من

‹ صفحة 113 ›

النجف على غلوة أو غلوتين ، رأيتم ذكوات بيضا بينها قبر جرفه السيل ،

فذاك قبر أمير المؤمنين ( ع ) قال - فغدونا عن غد فجزنا الثوية والقايم ،

وإذا ذكوات بيض ، فجئناها فإذا قبر كما وصف قد جرفه السيل ،

فنزلنا وسلمنا وصلينا عنده ، ثم انصرفنا ، فلما كان من الغد غدونا إلى

أبي عبد الله ( ع ) فوصفنا له ، فقال - أصبتم أصاب الله بكم الرشاد ،

وعن ابن طاووس قال رأيت في المناقب لابن شهر شهرآشوب

رحمه الله

مما أجاز لي روايته والدي قدس الله روحه عن السيد السعيد شمس الدين

فخار عنه ، قال - وسأل ابن مسكان الصادق ( ع ) عن القائم المائل في طريق

الغريين فقال - نعم - لما جاوزوا بسرير أمير المؤمنين ( ع ) انحنى آسفا

وحزنا على أمير المؤمنين ( ع ) .

وروى الحسن بن محبوب السراد في كتاب المشيخة عن إسحاق بن

جرير عن أبي عبد الله ( ع ) قال - إني لما كنت بالحيرة عند أبي العباس

كنت آتي قبر أمير المؤمنين وهو بناحية الحيرة إلى جانب غري

النعمان ، فاصلي عنده الصبح قبل الفجر .

ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

روى جعفر بن محمد بن قولويه رحمه الله ، قال ، حدثني محمد بن أحمد

ابن علي بن يعقوب عن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه عن الحسن

ابن الجهم بن بكير ، قال - ذكرت لأبي الحسن ( ع ) عيسى بن موسى ،

‹ صفحة 114 ›

وتعرضه لمن يأتي قبر أمير المؤمنين ( ع ) وإنه كان ينزل موضعا ، يقال له

الثوية يتنزه فيه ، وكان قبر أمير المؤمنين ( ع ) فوق ذلك قليلا ، وهو

الموضع الذي يروي صفوان الجمال أن أبا عبد الله ( ع ) وصف له قال له

فيما ذكر - إذا انتهيت إلى الغري ضهر الكوفة ، فاجعله خلف ظهرك

وتوجه نحو النجف ، وتيامن قليلا ، فإذا انتهيت إلى الذكوات البيض

والثنية أمامه فذلك قبر أمير المؤمنين ( ع ) وأنا أتيه كثيرا .

وذكر أبو علي بن همام في الأنوار ، إن موسى بن جعفر " ع " أحد الأئمة

الذين دلوا على مشهده ، وأشار به إلى هذا الموضع الذي هو الآن .

وعن ابن طاووس قال - قرأت بخط السيد شريف أبي يعلى الجعفري

صهر الشيخ المفيد في كتابه ما صورته -

وروى أصحابنا عن أيوب بن نوح قال - كتبت إلى أبي الحسن

موسى بن جعفر عليه السلام إن أصحابنا قد اختلفوا في زيارة قبر أمير

المؤمنين ( ع ) فقال بعضهم بالرحبة ، وقال بعضهم بالري فكتبت ( ع )

زره بالغري ، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله عن أبي الحسن بن داود ،

وقد ذكر هذا الحديث في كتابه الذي وصفه وقد سماه المزار ( انتهى )

كلامه

ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا ( ع )

ذكر ابن همام في الأنوار بأن الإمام علي الرضا ( ع ) أمر شيعته

‹ صفحة 115 ›

بزيارة جده الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) ودل على أنه بالغريين بضهر

الكوفة .

ما ورد عن الإمام محمد بن علي الجواد ( ع ) في ذلك

ذكر أبو علي بن همام في كتاب الأنوار أن مولانا محمد بن علي ( ع )

أحد الأئمة الذين دلوا على مشهده ، وأشار إلى هذا الموضع الذي يزار

الآن وكان هذا أبو علي محمد بن أبي بكر بن همام بن سهيل الكاتب

الإسكافي

شيخ أصحابنا ومتقدمهم له منزلة عظيمة كثير الحديث ،

وذكره النجاشي ، وأثنى عليه ، ثم قال له من الكتب كتاب الأنوار

في تاريخ الأئمة ( ع ) .

ما ورد عن الإمام الحسن بن علي العسكري ( ع ) في ذلك

ذكر أبو علي بن همام في كتاب الأنوار أن مولانا الحسن بن علي

( ع ) أحد الأئمة الذين دلوا على مشهده وأشار إلى هذا الموضع الذي

يزار الآن .

‹ صفحة 116 ›

الباب التاسع

بيان عن أسباب إخفاء قبر الإمام

علي بن أبي طالب ( ع )

إخفاء قبر الإمام " ع " سر من أسرار التأريخ . . ؟ ؟ ! !

ولم نعلم السر إلا من تصريح أبنائه وأحفاده عليهم السلام ولم تظهر

الحكمة من وراء إخفاء قبر الإمام بعد اطلاعنا على أعمال بني أمية

والخوارج المعادية لآل البيت " ع "

ولأجل أن تحيط القارئ الكريم علما نذكر أولا تعليل سر الإخفاء

ثانيا - الأعمال المخزية التي اقترفها المعادون والتي سجلتها تحت عنوان

" من مخازي التأريخ ! ! ! "

وعند الاطلاع على هاتين المادتين سوف يتراءآ للقارئ الكريم

أسباب إخفاء المرقد المقدس .

‹ صفحة 117 ›

ما ورد عن لسان المؤرخين حول تعليل الأسباب التي أدت إلى إخفاء قبر الإمام ( ع )

1 - في رواية ( 1 ) - لأبي نعيم الحافظ عن الحسين بن علي الخلال

عن جده قالت قلت للحسين بن علي ( ع ) أين دفنتم عليا ؟ قال " خرجنا به

ليلا من منزله حتى مررنا على مسجد الأشعث حتى إذا خرجنا إلى الضهر

بجنب الغري من نجف الكوفة فدفناه هناك وعفينا موضع قبره بوصية

منه مخافة دولة بني أمية " .

2 - ( وعلي ( ع ) ( 2 ) أول إمام أخفي قبره ( قيل إن عليا ( ع ) أوصى

أن يخفي قبره لعلمه أن الأمر يصير إلى بني أمية فلم يأمن أن ينبشوا

قبره ويمثلوا به )

3 - إن عليا ( 3 ) لما قتل قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفا من بني أمية

أن يحدثوا في قبره حدثا فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة وهي

ليلة دفنه أيها مات مختلفة ، فشدوا على جمل تابوتا موثقا بالحبال يفوح

منه روائح الكافور وأخرجوه من الكوفة في سواد الليل صحبة ثقاتهم

يوهمون أنهم يحملونه إلى ( المدينة ) فيدفنونه عند فاطمة ( ع ) وأخرجوا

بغلا وعليه جنازة مغطاة يوهمون أنهم يدفنونه ( بالحيرة ) وحفروا حفائر

‹ صفحة 118 ›

عدة ، منها بالمسجد ، ومنها برحبة القصر قصر الإمارة ، ومنها في حجرة

من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي ، ومنها في أصل دار عبد الله بن

بريد القسري بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد ، ومنها في الكناسة ،

ومنها في الثوية ، فعمي على الناس موضع قبره ، ولم يعلم دفنه على

الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه ، فإنهم خرجوا به ( ع )

وقت السحر في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان ، فدفنوه على

النجف بالموضع المعروف بالغري بوصاية منه " ع " إليهم في ذلك .

وعهد كان قد عهد إليهم ، وعمي موضع القبر على الناس ، واختلفت

الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافا شديدا ، وافترقت الأقوال

في موضع قبره الشريف وتشعبت ، وادعى قوم أن جماعة من طئ وقعوا

على جمل في تلك الليلة ، وقد أضله أصحابه ببلادهم ، وعليه صندوق

فظنوا فيه مالا ، فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطالبوا به ، فدفنوا الصندوق

بما فيه ، ونحروا البعير وأكلوه ، وشاع ذلك في " بني أمية " وشيعتهم

واعتقدوه حقا ، فقال الوليد بن عقبة من أبيات يذكر بها الإمام " ع "

فإن يك قد ضل البعير بحمله * فما كان مهديا ولا كان هاديا

4 - وبالاسناد عن صفوان الجمال " 1 " قال : خرجت مع الصادق ( ع )

من المدينة أريد الكوفة فلما جزنا " باب الحيرة " قال صفوان ! قلت :

‹ صفحة 119 ›

لبيك يا بن رسول الله ! قال تخرج المطايا إلى القائم ، وجد الطريق إلى

الغري ، قال صفوان : فلما صرنا إلى قائم الغري ، أخرج رشاء معه دقيقا

قد عمل من الكنبار ، ثم تبعد من القائم مغربا خطى كثيرة ، ثم مد

ذلك الرشاء حتى انتهى إلى آخره فوقف ، ثم ضرب بيده إلى الأرض

فأخرج منها كفا من تراب فشمه مليا ، ثم أقبل يمشي حتى وقف على

موضع القبر الآن ، ثم ضرب بيده المباركة إلى التربة فقبض منها

قبضة ، ثم شهق شهقة ، حتى ظننت أنه فارق الدنيا ، فلما أفاق قال ها هنا

والله مشهد أمير المؤمنين " ع " ثم خط تخطيطا فقلت : يا بن رسول الله !

ما منع الأبرار من أهل بيته من إظهار مشهده ، قال حذرا من بني

مروان والخوارج أن تحتال في أذاه .

5 - لقد صنف نقيب الطالبين السيد عبد الكريم " ره " كتابا

في إثبات مدفن جده أمير المؤمنين " ع " بالغريين أسماه " فرحة الغري "

ومما أورد فيه رواية الشريف محمد بن الحسن الجعفري من مشاهير

النسابة والمحدثين أنه قال وجدت في كتاب أبي وحدثتني أمي عن أمها

أن جعفر بن محمد حدثها أن أمير المؤمنين أمر ابنه الحسن أن يحفر له أربع

قبور في أربعة مواضع " في المسجد وفي الرحبة وفي الغري وفي دار جعدة

‹ صفحة 120 ›

ابن هبيرة وإنما أراد بهذا أن لا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره .

6 - روى أيضا بإسناده عن محمد السائب الكلبي قال - أخرج

بعلي " ع " ليلا خرج به الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر

وعدة من أهل بيته ودفن ليلا في ذلك الضهر ضهر الكوفة فقيل له لماذا

فعل به ذلك ؟ قال مخافة الخوارج وغيرهم .

أقول : المراد من غير الخوارج بنو أمية ومن هذا ، وما سبق ، وما

سيأتي يتضح الوجه في اختلاف الرواة ، واضطراب الروايات أن

الهاشميين تقصدوا في تشبيه أمر القبر على الناس ، وألقاء الاختلاف

فيهم صيانة للقبر عن اعتداء بني أمية عليه تشفيا منه .

2 - من مخازي التأريخ

بعد وفاة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) اقترف أعداؤه أعمالا مخزية

سجلها لهم التأريخ بمداد من الخزي والعار ، وإن هذه الأعمال المرتجلة

الخارجة عن حقوق الإنسان توضح للمتتبع نيات الجهة المعادية للإمام

وإن إخفاء القبر المقدس يعد من الحكمة التي يجب أن تقدس في

التأريخ لأنها حفظت كلمة لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وحقنت دماء

المسلمين بصورة عامة .

ومن تلك الأعمال المخزية نورد قسما منها على سبيل المثال وهي كما يلي :

‹ صفحة 121 ›

1 - إن معاوية حمل قوما من الصحابة وقوما من التابعين على

اختلاق أخبار قبيحة في علي وروايتها ، تقتضي الطعن والبراءة منه ،

وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه ، منهم " عمرو

بن العاص وأبو هريرة والمغيرة بن شعبة " ومن التابعين " عروة بن الزبير "

2 - عن الإسكافي أن معاوية بذل " لسمرة بن جندب " مائة

ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي : ( ومن الناس من

يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام

وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله

لا يحب الفساد ) .

وإن الآية الثانية نزلت في ( ابن ملجم ) - وهي قوله ( ومن الناس

من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) فلم يقبل فبذل له مائة ألف فلم يقبل

فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل فبذل له أربعمائة ألف فقبل .

3 - روى محمد بن المرزبان أن جعدة بنت الأشعث بن قيس

كانت متزوجة بالحسن فدس إليها يزيد أن سمي الحسن وأنا أتزوجك

ففعلت فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد فقال لها إنا

والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا .

‹ صفحة 122 ›

4 - حجر بن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية

الأكرمين الكندي ، كان ممن وفد هو وأخوه هاني بن عدي على

النبي " ص " وممن شهد القادسية والجمل وصفين وصحب عليا ( ع ) فكان

من شيعته قال حجر بن عدي قال لي علي بن أبي طالب كيف

تصنع أنت إذا ضربت ، وأمرت أن تلعنني ، قلت كيف أصنع ؟ قال

إلعني ولا تتبرأ مني فإني ولدت على دين الفطرة .

ومن بعد وفاة الإمام ( ع ) على أثر ضربة ابن ملجم لعنه الله وتنازل

الحسن ( ع ) عن الخلافة لمعاوية واستقرار أمر الخلافة لمعاوية بن أبي

سفيان فقد أعلن معاوية في جميع الأقطار والأمصار التابعة لدولته على

أن تكون إحدى وجائب الدولة الرئيسية اللعن والبراءة من علي بن

أبي طالب . وكان ( المغيرة بن شعبة ) والي الكوفة قد نفذ ما أمره به

معاوية وخالفه جماعة الإمام الموالون خاصة " حجر بن عدي " فكان

يلعن معاوية وأصحابه علنا فذاق ذرعا بالمغيرة وأتباعه ، وكذلك بزياد

عند تسنمه إمارة الكوفة بعد وفاة المغيرة ، وبعد المطاردة العنيفة من

قبل زياد فقد ألقى القبض على حجر بن عدي مع جماعته وأرسلوا إلى

معاوية ، أمام جماعته منهم :

( الأرقم بن عبد الله الكندي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، وصيفي

‹ صفحة 123 ›

ابن فسيل الشيباني ، وقبيصة بن ضبيعة العبسي ، وكريم بن عفيف

الخثعمي ، وعاصم بن عوف البجلي ، وورقاء بن سمي البجلي ، وكدام بن

حيان ، وعبد الرحمان بن حسان العنزيان ، ومحرز بن شهاب التميمي ، وعبد

الله بن حوية السعدي التميمي ) فهؤلاء اثنا عشر رجلا وأتبعهم زياد

برجلين وهما " عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر ، وسعد بن نمران

الهمداني " فأمر معاوية بترك ستة منهم وقتل ثمانية بعد أن عرض

عليهم البراءة من علي ( ع ) واللعن له فأبوا وقالت ( هند بنت زيد

الأنصارية ) ترثي حجرا وكانت تتشيع

ترفع أيها القمر المنير * تبصر هل ترى حجرا يسير

يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله كما زعم الأمير

تجبرت الجبابر بعد حجر * وطاب لها ( الخورنق والسدير )

وأصبحت البلاد له محولا * كأن لم يحيها مزن مطير

ألا يا حجر حجر بن عدي * تلقتك السلامة والسرور

أخاف عليك ما أردى عديا * وشيخا في ( دمشق ) له زئير

فإن تهلك فكل زعيم قوم * من الدنيا إلى هلك يصير

وقيل إنه قال لمن حضره من قومه حين القتل لا تطلقوا عني حديد ،

ولا تغسلوا عني دما فإني لاق معاوية غدا على الجادة ، قال ( ابن سيرين )

بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة يقول ( يومي منك يا حجر طويل )

‹ صفحة 124 ›

وكانت تلك الحادثة المؤلمة سنة 51

5 - عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي ، شهد مع علي عليه السلام

مشاهده وكان فيمن سار إلى عثمان وأعلن على قتله ، قبض عليه زياد وأمر

أن يطعن تسع طعنات فمات في الأولى أو الثانية وذلك سنة 51 وأرسل

زياد برأسه إلى معاوية ، وكان أول رأس حمل في الإسلام .

6 - أخذ ( زياد جويرية بن مسهر العبدي ) فقطع يده ورجله وصلب

إلى جانبه . " بن معكبر " ، وكان جذعا طويلا فصلبه على جذع قصير

إلى جانبه ولا ذنب لجويرية سوى حبه لأمير المؤمنين ( ع ) .

7 - كان زياد ابن أبيه ممن نصب العداء لأمير المؤمنين عليه السلام

وكان يتبع أصحاب علي ( ع ) وهو بهم أبصر فيقتلهم تحت كل حجر

ومدر ، وكان " عبد الرحمن بن حسان العنزي " من أصحاب علي ( ع )

أقام بالكوفة يحرض الناس على بني أمية فقبض عليه زياد وأرسله إلى

" الشام " فدعاه معاوية إلى البراءة من علي ( ع ) فأغلظ عبد الرحمن في

الجواب فرده معاوية إلى زياد فقتله سنة 51

8 - ما عمله بنو أمية في عبد الله بن يقطر رضيع الحسين " ع " عندما

‹ صفحة 125 ›

أمره ابن زياد بالصعود إلى مرتفع وأمره أن يلعن ( الحسين )

( ع ) ويقول - الكذاب ابن الكذاب - فصعد عبد الله القصر ولما أشرف على الناس قال : أيها الناس أنا رسول الحسين بن علي ابن بنت رسول الله

إليكم لتنصروه وتؤآزروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي ابن الدعي

فأمر عبيد الله بن زياد فألقي من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت

عظامه وبقي به رمق فأتاه ( عبد الملك بن عمير اللخمي ) - وكان قاضي

الكوفة وفقيهها - فذبحه بمدية فلما عيب عليه قال إني أردت أن أريحه .

9 - لما جاء خبر عبد الله بن يقطر ومسلم وهاني إلى الحسين ( ع )

وهو بزبالة نعاه لأصحابه فقال مما قال :

( أتانا خبر فظيع قتل ( مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله

ابن يقطر ) وقد خذلتنا شيعتنا ) الخ -

كان مقتل مسلم " رض " يوم الأربعاء في اليوم الثامن من ذي الحجة

" يوم التروية " وهو اليوم الذي خرج فيه الحسين ( ع ) يقصد الكوفة .

ومقتل هاني كان في اليوم التاسع من ذي الحجة بعد قتل مسلم بيوم

واحد وكان له من العمر سبع وتسعون سنة .

وأمر ابن زياد : فسحبت جثتاهما من أرجلهما بالأسواق والناس

ينظرون إليهما : يا له من منظر فظيع وعبرة لمن اعتبر .

ثم ابن زياد بعث برأسي مسلم وهاني إلى " يزيد الخنا " مع هاني بن

‹ صفحة 126 ›

أبي حية الوداعي ، والزبير بن الأروح التميمي ، واستوهبت جثتاهما

ودفناهما عند القصر حيث موضعهما اليوم وقبراهما كل على حدة : قال

عبد الله بن الزبير الأسدي يؤنبهما من أبيات - :

فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوي من طمار قتيل

10 - فتك ابن زياد بنخبة من الرجال الصالحين والموالين لآل البيت

ولا ذنب لهم إلا لكونهم قد أخذوا البيعة للحسين بن علي ( ع ) في

الكوفة وقد أرسل عليهم ابن زياد وسجنهم وبعد قتل مسلم أخرجهم

وأمر بضرب أعناقهم أما النخبة الصالحة فهم على ما يلي : -

1 - عبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي 2 - عبيد الله بن الحارث بن

نوفل بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن بلال بن أنس بن سعد الهمداني

3 - عبد الأعلى بن يزيد الكلبي العليمي ( من بني عليم ) 4 - العباس

بن جعدة الجدلي 5 - عمارة بن صلخب الأسدي

11 - ميثم التمار حبس مع المختار بن أبي عبيد الثقفي بعد شهادة مسلم

ابن عقيل وهاني بن عروة بيومين أو ثلاث وقتل قبل مقدم الحسين ( ع )

إلى العراق بعشرة أيام وهو أول من ألجم في الإسلام .

‹ صفحة 127 ›

وصلب من قبل عبيد الله بن زياد بعد قتله وفي اليوم الثالث من

صلبه طعن بالحربة فكبر ثم انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دما .

12 - ورشيد الهجري قطعت يداه ورجلاه ولسانه لأنه أبى أن يتمثل

أمر عبيد الله بن زياد بالبراءة من الإمام أمير المؤمنين ( ع )

13 - وحادثة الطف أبشع وأفضع حادثة حدثت في التأريخ منذ أن

خلق الله آدم لحين قيام الساعة ولا حاجة لذكرها لأنها معلومة ونخرج

عن موضوعنا هذا .

14 - والحجاج ابن يوسف الثقفي أراد أن يتقرب إلى الله بدم أحد

أصحاب الإمام حسب زعمه فذبح قنبر مولى الإمام علي ( ع ) لأنه

كان يحب عليا حبا شديدا .

15 - ولم يكتف الحجاج بقتل قنبر بل قتل كميل بن زياد بن نهيك

ابن الهيثم بن سعيد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن مالك بن النخع

من مذحج ، وهو الصحابي التقي الورع ، شهد مع الإمام علي ( ع )

صفين ، كما ذكره ابن سعد في الطبقات ، وكان شريفا مطاعا في قومه ،

وكان ثقة قليل الحديث ، : وقال ابن عمار : كان من رؤساء الشيعة ،

وذكره المداني في عباد أهل الكوفة وقال ابن أبي الحديد في شرح

النهج كان عامل علي ( ع )

‹ صفحة 128 ›

16 - عن هشام السائب الكلبي عن أبيه قال : أدركت بني أود

وهم يعلموهم أولادهم وحرمهم سب علي بن أبي طالب وفيهم رجل من

رهط عبد الله بن إدريس بن هاني دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي

يوما فكلمه بكلام فأغلظ له الحجاج في الجواب فقال له لا تقل هذا

أيها الأمير فلا لقريش ولا لثقيف منقبة يعتدون إلا ونحن نعتد بمثلها

قال له وما مناقبكم قال ما انتقص عثمان ولا يذكر بسوء في نادينا قط . قال

هذه منقبة قال وما رؤي منا خارجي قط قال وهذه منقبة قال وما شهد

منا مع أبي تراب مشاهده إلا رجل واحد فأسقطه ذلك عندنا وأخمله

فما له عندنا قدر ولا قيمة قال ومنقبة قال وما أراد منا رجل أن يتزوج

امرأة إلا وسأل عنها هل تحب أبا تراب أو تذكره بخير فإن قيل أنها

تفعل ذلك اجتنبها فلم يتزوجها قال ومنقبة قال وما ولد فينا ذكر

فسمي عليا ولا حسنا ولا ولدت فينا جارية فسميت فاطمة قال ومنقبة ،

قال ونذرت منا امرأة حين أقبل الحسين إلى العراق إن قتله الله أن

تنحر عشرة جزر فلما قتل وفت بنذرها قال ومنقبة قال ودعي رجل منا

إلى البراءة من علي ولعنه فقال نعم وأزيدكم حسنا وحسينا قال ومنقبة ،

قال وقال لنا أمير المؤمنين عبد الملك أنتم الشعار دون الدثار وأنتم

الأنصار بعد الأنصار قال ومنقبة ، قال وما بالكوفة ملاحة إلا ملاحة بني

‹ صفحة 129 ›

أود فضحك الحجاج قال هشام ابن السائب الكلبي قال لي أبي فسلبهم

الله ملاحتهم )

وفاتنا من درج الكلمة الآتية في الفقرة 15 من ص 127 وتكملة للموضوع أقول

كان كميل ( ره ) عامل الإمام علي " ع "

( على هيت ، وقال ابن حجر العسقلاني في الإصابة أدرك من الحياة

النبوية ثمان عشرة سنة قتل سنة 82 ، وقيل سنة 88 وهو ابن سبعين سنة

على ما يقول ابن حجر في الإصابة عن ابن أبي خيثمة ، وقبره عند

الثوية معروف يزار ويتبرك به . )

17 - وأما زيد الشهيد الذي تربى في حجر أبيه السجاد الإمام علي بن

الحسين الإمام بن علي بن أبي طالب ( ع ) وتخرج عليه وعلى الإمامين الباقر

والصادق عليهما السلام ومنهم أخذ لطائف المعارف وأسرار الأحكام ،

وأبو حنيفة يقول : شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله ، فما رأيت

في زمانه أفقه منه ، ولا أسرع جوابا ، ولا أبين قولا وأما الحافظ

ابن شبة وابن حجر الهيثمي والذهبي وابن تيمية كلماتهم

تشهد بأنه من أكابر العلماء وأفاضل أهل البيت في العلم والفقه ، وإن

أردنا الإلمام بكل ما يتعلق بالبطل الشهيد لضاق مجلدنا هذا ولما كانت

الغاية من درج حادثته في هذا الباب هو بيان نكبة الإسلام بقتله من

‹ صفحة 130 ›

قبل بني أمية ، ففي ليلة الجمعة الثالثة من صفر سنة 121 هـ‍ رمي زيد

بسهم من قبل راشد مملوك يوسف بن عمر وقد أصاب السهم جبهة زيد

رضوان الله عليه وجاؤا به أصحابه وأدخلوه بيت حران بن كريمة مولى

لبعض العرب في سكة البريد في دور " أرحب وشاكر " وجاؤا

بطبيب يقال له شقير - وفي مقاتل أبي الفرج ، اسمه سفيان - فقال له

الطبيب : إ ن نزعته من رأسك مت ، فقال الموت أهون علي مما أنا

فيه ، فأخذ الكلبتين فانتزعه ، وقد توفي رضوان الله عليه ساعة انتزاع

السهم وكان عمره يوم قتل اثنتين وأربعين سنة ودفن في بستان رجل

يقال له زائدة ووضعوا عليه الحشيش وأجروا عليه الماء .

وبعد أن استبان للوالي يوسف بن عمر موضع دفنه بعد أن نقب عليه

كثيرا بعث العباس بن سعيد المزني فنبشوا القبر وأخرجوا الجثمان

الطاهر وحملوه على جمل وكان عليه قميص هروي فألقي على باب القصر

فخر كأنه جبل فأمر يوسف بن عمر بقطع رأسه : وفي حديث أبي مخنف

قطع رأسه ابن الحكم بن الصلت فإن الحكم بن الصلت بعث ابنه وصاحب

الشرطة العباس بن سعيد المزني لاستخراج جثة زيد فكره العباس أن يغلب

ابن الحكم عليه فتركه وسرح الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل

‹ صفحة 131 ›

بشيرا إلى يوسف بن عمر .

ثم صلب جسد زيد منكوسا بسوق الكناسة وبقي مرفوعا

على الخشبة زمنا طويلا ، حتى اتخذته الفاختة وكرا قيل سنة

وأشهرا ، وقيل ثلاث سنين ، وقيل أربع سنين ، وقيل خمس سنين ، وقيل

ست سنين ، ثم أمر هشام بإحراقه ، وقيل أن الذي أمر بإحراقه الوليد

بن يزيد بن عبد الملك عند ظهور يحيى بن زيد سنة 125 كتب إلى

يوسف بن عمر : إذا أتاك كتابي فأنزل عجل أهل العراق ، وانسفه في

اليم نسفا ، فلما وقف على الكتاب أمر خراش بن حوشب فأنزله

من جذعه ، وأحرقه بالنار ، وجعله في قواصر ، وحمله في سفينة ، وذراه

في الفرات ، وفي حديث أبي حمزة الثمالي بعد أن أحرقه ، دق عظمه

بالهواوين ، وذراه بالعريض من أسفل العاقول .

هذا غيض من فيض وإننا لم نتطرق إلى إباحة المدينة وهدم الكعبة

والطف لأنها من الأمور التي يبقى أمامها القلم واجما واللسان متلعثما وكذلك

لم نذكر من أعمال الخوارج شيئا لضيق المجال وإنما أردنا بهذه النبذ تبيان الحقيقة

حول الأسباب التي أدت إلى إخفاء قبره الشريف لأنه سلام الله عليه كان

يعلم بأن الأمر سيتولاه من بعده بنو أمية بالنظر لفقدان المقاييس وتغلب

‹ صفحة 132 ›

الفتنة لانقسام المسلمين على بعضهم وكان منهم المقلد الأعمى كأهل

الشام ، ومنهم الخارجون عن الدين كالخوارج ، ومنهم المارقون كمعاوية

وأتباعه ومنهم المتخاذلون عن نصرته وهم أهل العراق ، وبنتيجة هذه

الاختلافات فقد تسمت الأفكار وثبطت العزائم وانقلبت الحقائق

رأسا على عقب ، وكذلك عندما رأى ( ع ) رغبة بني أمية الشديدة في الملك

ورغبة الخوارج الشديدة بالانتقام من آل البيت وخوفا من المثلة بجسده

الطاهر بعد دفنه وتحاشى وقوع الاشتباك بين أبنائه وشيعته الخلص من

جهة وبين أعدائه من جهة أخرى وحقنا إلى دماء المسلمين فقد أوصى

عليه السلام بإخفاء قبره .

‹ صفحة 133

الباب العاشر

من زار قبر الإمام علي بن أبي طالب ( ع )

من الأئمة " ع "

إن ستة من الأئمة الاثني عشر ( ع ) قد زاروا أباهم أمير المؤمنين عليا ( ع )

في مشهد الغري ، وهم الحسين السبط وابنه السجاد ، وابنه الباقر ، ثم جعفر الصادق ، ثم الهادي ، وابنه الحسن العسكري ( ع ) وعدة أخرى

من عظماء أهل البيت أمثال زيد الشهيد بن علي بن الحسين

زيارة السجاد الإمام علي بن الحسين ( ع ) لجده بالمجاز من ناحية الكوفة

بالإسناد عن السيد عبد الكريم بن طاووس قال : أخبرني الوزير السعيد العلامة نصير الملة والدين محمد بن أبي بكر محمد بن الحسن

الطوسي " ره " عن والده عن السيد فضل الله العلوي الحسني عن ذي

الفقار بن معيد الطوسي عن المفيد عن محمد بن أحمد بن داود القمي ،

‹ صفحة 134 ›

قال أخبرنا محمد بن علي بن الفضل الكوفي ، قال حدثنا أبو الحسن محمد

ابن روح القزويني من لفظه ، بالكوفة قال حدثنا أبو القاسم النقاش

بقزوين ، قال حدثني الحسين بن يوسف عن عميرة عن أبيه سيف عن

جابر بن يزيد الجعفي ، قال قال أبو جعفر ( ع ) مضى أبي علي بن

الحسين ( ع ) إلى قبر أمير المؤمنين ( ع ) بالمجاز وهو من ناحية الكوفة

فوقف عليه ثم بكى وقال :

السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا أمين الله في أرضه

وحجته على عباده أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده ، وعملت بكتابه

واتبعت سنة نبيه حتى دعاك الله إلى جواره وقبضك إليه باختياره وألزم

أعدائك الحجة في قتلهم إياك مع ما لك من الحجج البالغة على جميع

خلقه ، اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك ، مولعة

بذكرك ودعائك محبة لصفوة أوليائك ، محبوبة في أرضك وسمائك ،

صابرة على نزول بلائك ، شاكرة لفواضل نعمائك ذاكرة لسابغ آلائك

مشتاقة إلى فرحة لقائك متزودة التقوى ليوم جزائك ، مستنة بسنن

أوليائك ، مفارقة لأخلاق أعدائك ، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك

ثم وضع خده على قبره وقال .

اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهة ، وسبل الراغبين إليك شارعة ،

وأعلام القاصدين إليك واضحة ، وأفئدة العارفين منك فازعة ،

‹ صفحة 135 ›

وأصوات الداعين إليك صاعدة وأبواب الإجابة لهم مفتحة ، ودعوة

من ناجاك مستجابة ، وتوبة من أناب إليك مقبولة ، وعبرة من بكى

من خوفك مرحومة ، والإغاثة لمن استغاث بك موجودة والإعانة لم

استعان بك مبذولة ، وعداتك لعبادك منجزة وزلل من استقالك مقالة

وأعمال العاملين لديك محفوظة وأرزاق الخلائق من لدنك نازلة وعوائد

المزيد إليهم واصلة وذنوب المستغفرين مغفورة وحوائج خلقك عندك

مقضية وجوائز السائلين عندك موفورة ، وعوائد المزيد إليهم متواترة ،

وموائد المستطعمين معدة ، ومناهل الضمأ مترعة ، اللهم فاستجب دعائي ،

واقبل ثنائي ، واجمع بيني وبين أوليائي بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن

والحسين آبائي  إنك ولي نعمائي وغاية رجائي في منقلبي ومثواي . ( اه‍ )

قال ابن أبي قرة في مزاره ما صورته ، قال أخبرنا محمد بن عبد الله

قال أخبرنا إسحق بن محمد بن مروان الكوفي الغزال ، قال أخبرنا أبي

قال أخبرنا علي بن سيف بن عمير عن أبيه عن جابر بن يزيد الجعفي

عن أبي جعفر محمد بن علي ( ع ) قال كان أبي علي بن الحسين ( ع ) قد

اتخذ منزله من بعد مقتل أبيه الحسين بن علي ( ع ) بيتا من شعر وأقام

بالبادية فلبث بها عدة سنين كراهية لمخالطة الناس وملابستهم وكان

‹ صفحة 136 ›

يصير من البادية بمقامه بها إلى العراق زائرا لأبيه وجده ( ع ) ولا يشعر

بذلك من فعله ، قال محمد بن علي فخرج سلام الله عليه متوجها إلى العراق

لزيارة أمير المؤمنين وأنا معه ، وليس معنا ذو روح إلا الناقتين فلما

انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة وصار إلى مكان منه فبكى حتى

اخضلت لحيته بدموعه ثم زار زيارة أمين الله .

2 - زيارة الباقر ( ع ) لقبر الإمام علي ( ع )

زار الإمام محمد بن علي الباقر ( ع ) قبر مولانا أمير المؤمنين مع

والده السجاد ( ع )

3 - زيارة الإمام جعفر بن محمد الصادق ( ع ) قبر الإمام علي ( ع )

زار الإمام جعفر الصادق ( ع ) جده الإمام علي ( ع ) ست مرات

زيارات مختلفة كلها مضبوطة ومدونة في تحفة الزائر للمجلسي وفرحة

الغري لابن طاووس وغيرها وإليك البعض منها لما فيه من العظة

والارشاد والتعيين للمرقد المقدس .

وبالاسناد عن علي بن محمد بن الفضل قال أخبرنا محمد بن محمد قال

أخبرنا علي بن محمد بن رياح ، قال حدثني عبيد الله بن نهيك الشجري

عن عبيس بن هشام الناشري عن صالح بن سعيد القماط عن يونس بن

‹ صفحة 137 ›

ظبيان قال أتيت أبا عبد الله ( ع ) حين قدم الحيرة وذكر حديثا حدثنا

إلا أنه سار معه حتى أتينا إلى المكان الذي أراد فقال يا يونس إقرن

دابتك فقرنت بينهما ثم رفع يده فدعا دعاءا خفيا لا أفهمه ثم استفتح

الصلاة وقرأ فيها سورتين خفيفتين يجهر فيهما وفعلت كما فعل ثم دعا

ففهمته وعلمنيه ، وقال يا يونس أتدري أي مكان هذا ؟ قلت جعلت فداك

لا والله ! لكني أعلم أني في الصحراء قال - هذا قبر أمير المؤمنين ( ع )

يلتق هو ورسول الله يوم ا لقيامة .

++++++++الدعاء :

" اللهم ! لا بد من أمرك ولا بد من قدرك ، ولا بد من قضائك ،

ولا حول ولا قوة إلا بك ، اللهم ! فكما قضيت علينا من قضاء ،

وقدرت علينا من قدر ، فاعطنا معه صبرا يقهره ويدمغه ، وأجعله لنا

صاعدا في رضوانك ، ينمي في حسناتنا وتفضيلنا ، وسؤددنا ، وشرفنا ،

ومجدنا ، ونعمائك ، وكرامتك في الدنيا والآخرة ، ولا تنقص من

حسناتنا ،

اللهم ! وما أعطيتنا من عطاء ، أو فضلتنا به من فضيلة ، أو أكرمتنا به

من كرامة ، فاعطنا معه شكرا يقهره ويدمغه ، وأجعله لنا صاعدا في

رضوانك ، وحسناتنا وسؤددنا وشرفنا ونعمائك وكرامتك في الدنيا

والآخرة ، ولا تجعله لنا أشرا ولا بطرا ولا فتنة ولا عذابا ولا خزيا

‹ صفحة 138 ›

في الدنيا والآخرة .

اللهم ! إنا نعوذ بك من عثرة اللسان ، وسوء المقام ، وخفة الميزان ،

اللهم ! لقنا حسناتنا في الممات ، ولا ترنا أعمالنا علينا حسرات ، ولا تخزنا

عند قضائك ، ولا تفضحنا بسيئاتنا يوم بلقاك ، وأجعل قلوبنا تذكرك

ولا تنساك ، وتخشاك كأنها تراك حين تلقاك ، وبدل سيئاتنا حسنات

وحسناتنا درجات ، وأجعل درجاتنا غرفات ، وأجعل غرفاتنا عاليات ،

اللهم ! أوسع لفقيرنا من سعة ما قضيت على نفسك ، وأنلنا الهدى

ما أبقيتنا ، والكرامة إذا توفيتنا ، والحفظ فيما بقي من عمرنا ، والبركة

فيما رزقتنا ، والعون على ما حملتنا ، والثبات على ما طوقتنا ، ولا تؤاخذنا

بظلمنا ، ولا تعاقبنا بجهلنا ، ولا تستدرجنا بخطيئتنا ، وأجعل أحسن

ما نقول ثابتا في قلوبنا ، واجعلنا عظماء عندك أذلة في أنفسنا ، وانفعنا

بما علمتنا ، وزدنا علما نافعا وأعذنا من قلب لا يخشع ، ومن عين

لا تدمع ، وصلاة لا تقبل ، وأجرنا من سوء الفتن يا ولي الدنيا

والآخرة ( 1 )

4 - زيارة الإمام علي بن محمد الهادي ( ع ) لقبر جده علي ( ع )

عن ابن طاووس قال : أخبرني والدي وعمي " رض " عن محمد بن

نما عن محمد بن جعفر عن شاذان بن جبرائيل القمي " رض " عن الفقيه

‹ صفحة 139 ›

العماد محمد بن القاسم الطبري عن أبي علي عن والده محمد بن الحسن

الطوسي عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن أبي القاسم جعفر

ابن قولويه عن محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه

عن أبي القاسم بن روح وعثمان بن سعيد العمري عن أبي محمد الحسن بن

علي العسكري عن أبيه صلوات الله عليهما ، وذكر أنه ( ع ) زار بها في يوم

الغدير في السنة التي أشخصه فيها المعتصم يقف عليه صلوات الله عليه ،

ويقول ، السلام على رسول الله خاتم النبيين وهي تقرب عن كراسة ونصف

قطع الثمن وآخرها الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إنك حميد مجيد .

5 - زار الإمام الحسن بن علي العسكري ( ع ) لقبر جده الإمام علي ( ع )

كما جاء في فرحة الغري وفي حياة الحيوان للدميري في مادة فهد .

6 - زيارة زيد الشهيد بن علي بن الحسين ( ع ) لقبر جده الإمام علي ( ع )

قال صفي الدين محمد بن معد الموسوي رحمه الله : رأيت في بعض

الكتب القديمة الحديثة ، حدثنا أبو العباس أحمد بن حميد ، قال حدثنا

حسن بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي قال : حدثنا حسين بن علي

الأزدي قال أخبرني أبي عن الوليد بن عبد الرحمن قال أخبرني

أبو حمزة الثمالي قال : كنت أزور علي بن الحسين ( ع ) في سنة مرة في

وقت الحج فأتيته سنة من السنين وإذا على فخذه صبي فقعدت إليه

وجاء الصبي فوقع على عتبة الباب فانشج فوثب إليه علي بن الحسين ( ع )

‹ صفحة 140 ›

مهرولا ، فجعل ينشف دمه بثوبه ، ويقول : له يا بني ! أعيذك بالله أن

تكون المصلوب في الكناسة ، قلت : بأبي أنت وأمي أي كناسة ، قال :

كناسة الكوفة قلت : جعلت فداك " أو يكون " ذلك ، قال : أي

والذي ! بعث محمدا بالحق ، إن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية

من نواحي الكوفة مقتولا ، مدفونا ، منبوشا ، مسلوبا ، مسحوبا ،

مصلوبا في الكناسة ، ثم ينزل ويحرق ويدق ويذرى في البر ، قلت :

جعلت فداك ، وما أسم هذا الغلام ، قال - هذا ابني زيد ، ثم دمعت

عيناه ، ثم قال - ألا أحدثك بحديث ابني هذا ، بينا أنا ليلة ساجد وراكع ،

إذ ذهب بي النوم في بعض حالاتي ، فرأيت كأني في الجنة ، وكأن رسول

الله ( ص ) وفاطمة والحسن والحسين ، قد زوجوني جارية من الحور

العين ، فواقعتها فاغتسلت عند سدرة المنتهى ووليت ، وهاتف بي يهتف

ليهنك زيد ، ليهنك زيد ، ليهنك زيد ، فاستيقظت فأصبت جنابة ، فقمت

وتطهرت للصلاة ، وصليت صلاة الفجر ، ودق الباب ، وقيل لي - على

الباب رجل يطلبك ، فخرجت فإذا أنا برجل معه جارية ، ملفوف كمها

على يده مخمرة بخمار ، فقلت - حاجتك ؟ فقال - أردت علي بن الحسين ،

فقلت - أنا علي بن الحسين ، فقال أنا رسول المختار بن أبي عبيد ة الثقفي

يقرئك السلام ، ويقول - وقعت هذه الجارية في ناحيتنا ، فاشتريتها

بستمائة دينار ، وهذه ستمائة دينار استعن بها على دهرك ، ودفع إلي

‹ صفحة 141 ›

كتابا ، فأدخلت الرجل والجارية ، وكتبت له جواب كتابه وأتيت به

إلى الرجل ، ثم قلت للجارية : ما اسمك ؟ قالت حوراء ، فهيئوها لي

وبت معها عروسا ، فعلقت بهذا الغلام فسميته زيدا وهو هذا وسترى

ما قلت لك .

قال أبو حمزة : فوالله ! ما لبثت إلا برهة حتى رأيت زيد بالكوفة

في دار معاوية بن إسحاق فأتيته ، فسلمت عليه ، ثم قلت : جعلت فداك

ما أقدمك هذا البلد ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،

فكنت أختلف عليه ، وكان ينتقل في دور بارق وبني هلال ، فلما

جلست عنده قال - يا أبا حمزة ! تقوم حتى تزور أمير المؤمنين علي ( ع )

قلت - نعم جعلت فداك ، ثم ساق أبو حمزة الحديث ، حتى قال أتينا

الذكوات البيض فقال هذا قبر علي بن أبي طالب ( ع ) ثم رجعنا فكان

من أمره ما كان ، فوالله ! لقد رأيته مقتولا ، مدفونا ، مسحوبا ،

مصلوبا قد أحرق ودق في الهواوين وذرى في العريض من أسفل

العاقول .

‹ صفحة 142 ›

الباب الحادي عشر

ثواب زيارة قبر الإمام علي ( ع ) ( 1 )

1 - وبالإسناد إلى محمد بن يحيى العطار عن حمدان بن سليمان

النيشابوري عن عبد الله بن محمد اليماني عن منيع بن الحجاج عن يونس

عن أبي وهب البصري قال - دخلت المدينة ، فأتيت أبا عبد الله عليه

السلام ، فقلت - جعلت فداك أتيتك ، ولم أزر أمير المؤمنين ( ع )

قال - بئس ما صنعت ، ولولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك .

إلا تزور من يزوره الله مع الملائكة أي " معنى يزوره الله يرسل

إليه رحمته " ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون ، قلت - جعلت فداك

ما علمت ذلك قال - فاعلم إن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل عند الله

من الأئمة كلهم وله ثواب أعمالهم وعلى قدر أعمالهم فضلوا .

2 - وبالاسناد إلى محمد بن أحمد بن آدم عن محمد بن همام قال وجدت

‹ صفحة 143 ›

في كتاب كتبه ببغداد جعفر بن محمد قال حدثنا محمد بن الحسن

الرازي عن الحسين بن إسماعيل الصيرفي عن أبي عبد الله عليه السلام -

قال من زار أمير المؤمنين عليه السلام ماشيا كتب الله له بكل خطوة

حجة وعمرة ، فإن رجع ماشيا كتب الله له بكل خطوة حجتين وعمرتين .

3 - وبالاسناد عن ابن طاووس الفقيه المقتدى نجيب الدين يحيى بن

سعيد عن محمد بن أبي البركات بن إبراهيم الصنعاني عن الحسين بن

رطبة عن أبي علي عن الطوسي عن المفيد عن محمد بن أحمد بن داود عن

أبي الحسين أحمد بن محمد الرازي المجاور ، قال - حدثنا أبو محمد بن

المغيرة الكوفي قال حدثنا الحسين بن محمد بن مالك عن أخيه جعفر عن

رجاله يرفعه ، قال كنت عند الصادق ( ع ) وقد ذكر أمير المؤمنين ( ع )

فقال - يا بن مارد ! من زار جدي عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة

حجة مقبولة وعمرة مبرورة ، يا بن مارد - والله ! ما يطعم الله النار قدما

تغبرت في زيارة أمير المؤمنين ( ع ) ماشيا كان أو راكبا أكتب هذا الحديث بماء الذهب .

4 - وبالاسناد عن محمد بن داود عن محمد بن علي بن الفضل ، قال -

أخبرنا الحسين بن محمد بن الفرزدق ، قال - حدثني علي بن موسى

الأحول ، قال حدثنا محمد بن أبي السري إملاءا ، قال - حدثني عبد الله بن

محمد البلوي ، قال - حدثنا عمارة بن يزيد عن أبي عامر التباني ، واعظ

‹ صفحة 144 ›

أهل الحجاز ، قال - أتيت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ،

وقلت له - يا بن رسول الله ! ما لمن زار قبره يعني أمير المؤمنين عليه

السلام وعمر تربته .

قال - يا عامر ! حدثني أبي عن أبيه عن جده الحسين بن علي عن

علي ( ع ) أن رسول الله ( صلى ) قال له - والله ! لتقتلن بأرض العراق

وتدفنن بها ، قلت يا رسول الله ! ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها ؟ ! !

فقال لي - يا أبا الحسن ! إن الله تعالى جعل قبرك وقبور ولدك بقاعا

من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها ، وإن الله جعل قلوب نجباء من

خلقه ، وصفوة من عباده تحن إليكم ، وتتحمل المذلة والأذي ، فيعمرون

قبوركم ، ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله ، ومودة منهم لرسوله ،

أولئك يا علي ! المخصوصون بشفاعتي ، الواردون حوضي ، وهم زواري

غدا في الجنة ، يا علي ! من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن

داود ( ع ) على بناء بيت المقدس ، ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب

سبعين حجة بعد حجة الإسلام ، وخرج من ذنوبه ، حتى يرجع من زيارتكم كيوم

ولدته أمه ، أبشر وبشر أوليائك ومحبيك من النعيم وقرة العين بما لا عين

رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولكن حثالة من الناس

يعيرون زواركم كما تعير الزانية بزناها شرار أمتي لا نالتهم شفاعتي

ولا يردون حوضي .

‹ صفحة 145 ›

5 - محمد بن أحمد بن داود القمي وقد تقدم الإسناد إليه -

قال : حدثنا إسحاق بن محمد ، قال - حدثني أحمد بن زكريا بن

طهمان ، قال حدثني إسحق بن عبد الله بن المغيرة ، قال - حدثنا علي بن

حسان عن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 138 ›

( 1 ) نقل من خط الطوسي من التهذيب

‹ هامش ص 142 ›

( 1 ) فرحة الغري ص 61 لابن طاووس وكامل الزيارة ص 38 لشيخ الطائفة

وفقيهها الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى سنة 367 ه‍

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 145 - 153

عمه عبد الرحمن بن كثير ، قال - دخلت على أبي عبد الله ( ع )

وذكر نحو المتن ، وقال أيضا أخبرنا محمد بن علي بن الفضل ، قال -

حدثنا أبو أحمد إسحق بن محمد المقري مولى المنصور قراءة عليه ، قال

حدثني أحمد بن زكريا بن طهمان ، قال - حدثني الحسن بن علي بن

عبد الله بن المغيرة ، قال - دخلت على أبي عبد الله ( ع ) فقلت - فداك أبي

وأمي فذكر مثله وعنه قال حدثنا محمد بن تمام ، قال - حدثنا محمد بن محمد

ابن رياح ، قال - حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن رياح ، قال - حدثني

أحمد بن حماد بن زهراء القرشي عن يزيد بن إسحاق عن أبي إسحق

الأرحبي ، قال - حدثني عمر بن عبد الله بن طلحة الهندي عن أبيه ،

قال دخلت على أبي عبد الله ( ع ) فقال . -

يا عبد الله بن طلحة أما تأتون قبر أبي الحسين ، قلت - بلى جعلت

فداك إنا لنأتينه ، قال - تأتونه كل جمعة ، قلت - لا قال - فتأتونه في

كل شهر ؟ قلت - لا ، قال ما أجفاكم ! ! إن زيارته تعدل حجة وعمرة

وزيارة أبي عبد الله تعدل حجتين وعمرتين ورواه شيخنا في التهذيب لسنده إليه .

6 - وعنه قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد ، قال - حدثنا الحسن

‹ صفحة 146 ›

ابن عبد الرحمن الأزدي ، قال - حدثنا عمي عبد الغزيز بن محمد ، قال -

حدثنا حماد بن يعلى . قال - أخبرني حسان بن مهران الجمال ، قال - قال

جعفر بن محمد - يا حسان ! أتزور قبور الشهداء قبلكم ؟ قلت أي الشهداء ؟

قال - علي وحسين ، قلت - إنا لنزورهما فنكثر قال أولئك الشهداء

المرزوقون فزوروهم وافزعوا إليهم بحوائجكم فلو يكونون منا كموضعهم

منكم لاتخذناهم هجرة .

‹ صفحة 147 ›

الباب الثاني عشر

تعيين المرقد المقدس من قبل علماء الآثار

ذكر عبد الحميد ( 1 ) بن أبي الحديد في كتاب شرح نهج البلاغة

حكاية حسنة وأنها اعتراف عن لسان شيخ الحنابلة بأن هذا القبر هو

قبر أمير المؤمنين علي ( ع ) والحكاية وفق ما يأتي -

قال - حدثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن غالية من

ساكني قطفتا بالجانب الغربي من بغداد ، وأحد الشهود المعدلين بها ، قال -

كنت حاضرا عند الفخر إسماعيل هذا مقدم الحنابلة ببغداد في الفقه

والخلاف ، ويشتغل بشئ من علم المنطق ، وكان حلو العبارة وقد رأيته

أنا ، وحضرت عنده وسمعت كلامه ، وتوفي في سنة عشر وستمائة ،

قال ابن غالية - فنحن عنده نتحدث ، إذ دخل عليه شخص من الحنابلة

كان له دين على بعض أهل الكوفة ، فانحدر إليه يطالبه به ، واتفق أن

‹ صفحة 148 ›

حضر زيارة يوم الغدير ، والحنبلي المذكور بالكوفة وهذه الزيارة هي

اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يجتمع بمشهد أمير المؤمنين ( ع ) جموع

عدة تتجاوز حد الإحصاء والعد ، قال ابن غالية : فجعل الشيخ الفخر

يسأل ذلك الشخص ما فعلت ؟ ما رأيت ؟ هل وصل مالك إليك ؟ هل

بقي لك منه بقية عند غريمك وذلك الشخص يجاوبه ، ثم قال يا سيدي !

لو شاهدت يوم الزيارة ويوم الغدير وما يجري عند قبر علي بن أبي طالب

( ع ) من الفضايح والأقوال وسب الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة

من غير مراقبة ولا خيفة فقال إسماعيل : أي ذنب لهم ؟ والله ! ما جرأهم

على ذلك وما فتح لهم هذا الباب إلا صاحب هذا القبر ، فقال له

الشخص ومن صاحب ذلك القبر يا سيدي ! ؟ قال علي بن أبي طالب ،

قال : يا سيدي ! هذا سن لهم وعلمهم إياه وطرقه إليهم قال نعم والله !

قال : يا سيدي فإن كان محقا فما لنا نتولى فلانا وفلانا ؟ وإن كان مبطلا

فما لنا نتولاه ؟ ينبغي أن نتبرأ منه أو منهما ، قال ابن غالية : وقام إسماعيل

فلبس نعليه ، وقال لعن الله إسماعيل الفاعل ابن الفاعل ، إن كان يعرف

جواب هذه المسألة ؟ ودخل دار حرمه وقمنا نحن فانصرفنا .

2 - قال عبد الرحمان بن علي الجوزي الخطيب البغدادي المتوفى سنة

597 في تأريخه المعروف بالمنتظم عن أبي الغنائم إذ كان يقول :

" مات بالكوفة ثلاثمائة صحابي ، ليس قبر أحد منهم معروفا إلا قبر

‹ صفحة 149 ›

أمير المؤمنين ( ع ) وهو هذا القبر الذي يزوره الناس الآن "

3 - توجد في وصية أمير المؤمنين ( ع ) لابنيه الحسن والحسين الأمر

بدفن جسده الشريف بالغري وبلفظ ظهر الكوفة روى ذلك

كثيرون ذكرهم الفاضل المجلسي في آخر المجلد التاسع من بحار الأنوار

وليس سيدنا الحسن ( ع ) ولا أخوته ممن يخالفون مثل هذه الوصية .

4 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح النهج : -

" قلنا فيما تقدم أن أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غيرهم من

الأجانب ، وهذا القبر الذي بالغري هو الذي كان بنو علي يزورونه قديما

وحديثا ويقولون هذا قبر أبينا ، لا يشك أحد في ذلك من الشيعة ،

ولا من غيرهم ، ولا أحد من بني علي من ظهر الحسن والحسين ( ع ) وغيرهما

من سلالة المتقدمين منهم والمتأخرين ، وما زاروا وما وقفوا إلا على

هذا القبر بعينه "

5 - إن من أشهر علماء الآثار والمتتبعين تواريخ البقاع والأمصار

ياقوت الحموي المتوفى سنة 625 يذكر في مادتي " النجف والغريين

من كتاب معجم البلدان : -

مدفن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) في مشهده المشهور

ويرسل ذلك إرسال المسلمات في حين أنه لم يعرف في زمرة الموالين

لهذا الإمام " ،

‹ صفحة 150 ›

وصرح بعد ذلك في كتابه الموسوم مراصد الاطلاع ما لفظه :

" النجف أيضا ضهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء أن يكون يعلو الكوفة

ومقابرها وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي

طالب ( ع ) "

6 - أورد جماعة عن القطب الراوندي سعيد بن هبة الله من أبناء

القرن الخامس في كتابه الموسوم ب‍ " الخرايج والجرايح " قصة مدفن

الإمام ( ع ) في النجف بوصاية منه لبنيه وإخفائهم قبره ثم قال ولم يزل

قبره مخفيا حتى دل جعفر بن محمد ( ع ) في أيام الدولة العباسية وقد خرج

هارون الرشيد للصيد وأرسل الصقور والكلاب على الظباء بجانب

الغريين فجاولتها ساعة ثم لجأ الظباء إلى الأكمة فرجعت الكلاب

والصقور عنها ، فسقطت في ناحية ، فتعجب هارون الرشيد وسأل

شيخا من بني أسد ما هذه الأكمة ؟ فقال لي الأمان : قال نعم . قال :

فيها قبر الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) فتوضأ هارون وصلى ودعا . وقد

مر مثل هذا أيضا عن الدميري وابن خلكان .

7 - أورد العلامة المجلسي في تاسع البحار نقولا كثيرة عن أمثال

الغزالي وكاشف الغمة وابن مسكان وغيرهم بأن أمير المؤمنين ( ع ) دفن

بالغري وفي الجانب الغربي من القائم المرمل والمراد بهذا . الأسطوانة

القائمة التي كان النعمان بن المنذر يغريها بالدم ويرملها يوم بؤسه .

‹ صفحة 151 ›

8 - ذكر أحمد بن أعثم الكوفي في الفتوح ، " إنه دفن في جوف الليل

الغابر بموضع يقال له الغري " .

9 - ذكر إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتاب نهاية الطلب

وغاية السؤل في مناقب آل الرسول ، وقد اختلف الروايات في قبر

أمير المؤمنين ( ع ) والصحيح إنه مدفون في الموضع الشريف الذي

على النجف الآن ويقصد ويزار "

10 - ذكر عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني في شرح نهج البلاغة

أن قبره بالغري وما يدعيه أصحاب الحديث من الاختلاف في قبره

وأنه حمل إلى المدينة أو أنه دفن في رحبة الجامع أو عند باب الإمارة

أو ند البعير الذي حمل عليه فأخذته الأعراب باطل لا حقيقة له وأولاده

أعرف بقبره وأولاد كل أحد أعرف بقبور آبائهم من الأجانب وهذا

القبر الذي زاره بنوه لما قدموا العراق ، منهم جعفر بن محمد حدثهم

وغيره من أكابرهم وأعيانهم .

11 - ذكر علي بن الأثير المؤرخ في تأريخه الكبير وهو العلامة

الفضل الشهير " إن الأصح من الأقوال أنه مدفون بالغري وهذا من

الواضح الجلي " .

12 - قال الغزالي " ذهب الناس أن عليا دفن في النجف فإنهم حملوه

على ناقة فسارت حتى انتهت إلى موضع قبره فبركت وجهدوا أن

‹ صفحة 152 ›

تنهض فلم تنهض فدفنوه فيه "

13 - قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي في كتابه

الإرشاد عند ذكره حياة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) ومقتله وتولى

غسله وتكفينه ودفنه ابناه الحسن والحسين ( ع ) بأمره وحملاه إلى الغري

من نجف الكوفة فدفناه هناك وعفيا موضع قبره بوصية كانت منه

إليهما في ذلك لما كان يعلمه من دولة بني أمية من بعده واعتقادهم في

عداوته وما ينتهون إليه من سوء النيات فيه من قبح الفعال والمقال بما

تمكنوا من ذلك فلم يزل قبره مخفيا حتى دل عليه الصادق جعفر بن محمد

في الدولة العباسية وزاره عند وروده إلى أبي جعفر المنصور - وهو

بالحيرة فعرفته الشيعة واستأنفوا إذ ذاك زيارته سلام الله عليه .

14 - وجاء في صبح الأعشى للقلقشندي ص 256 ج 3 " وقتل

علي لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين من الهجرة بالعراق

ودفن بالنجف على الصحيح المشهور " .

وقال أيضا ص 334 عند ذكره الكوفة " وعلى القرب منها مشهد

أمير المؤمنين كرم الله وجهه دفن يقصده الناس من أقطار

الأرض " .

15 - قال ابن الأثير في كامله عند ذكر مقتل سيدنا الإمام علي ( ع )

في حوادث عام 40 من الهجرة قال -

‹ صفحة 153 ›

" ولما قتل دفن عند مسجد الجماعة وقيل في القصر غير ذلك

والأصح أن قبره هو الموضع الذي يزار ويتبرك به "

16 - قال الوزير علي بن عيسى الأربلي المدفون على شاطئ الكرخ

في كتاب " كشف الغمة " في مدفن علي ( ع ) .

" كل الشيعة متفقون على أنه ( ع ) دفن بالغري حيث هو معروف

الآن يزار " .

17 - وروى أبو الفرج الأصبهاني علي بن الحسين في كتاب مقاتل

الطالبيين ص 16 بإسناده عن ابن أبي عمير بن الحسن بن علي الخلال

عن جده قال : " قلت للحسن ( ع ) أين دفنتم أمير المؤمنين ( ع ) ؟ قال :

خرجنا به ليلا من منزله ، حتى مررنا به على منزل الأشعث بن قيس ،

ثم خرجنا به إلى الضهر بجنب الغري "

قال عز الدين الكاتب المدائني وهذه الرواية هي الحق وعليها العمل .

18 - وفي " وفيات الأعيان " و ( حياة الحيوان ) في مادة ( فهد )

( 1 ) المشهور أن الرشيد خرج مرة إلى الصيد فانتهى به الطرد إلى موضع

قبر ووقفت الفهود عند موضع القبر الآن ولم تتقدم على الصيد ،

فتعجب الرشيد من ذلك ، فجاء ه رجل من أهل الحيرة وقال : يا أمير

المؤمنين !

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 147 ›

( 1 ) عن فرحة الغري ص 107

‹ هامش ص 153 ›

( 1 ) مجلة الاعتدال ص 71 السنة الأولى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 153 - 162

! أرأيت إن دللتك على قبر ابن عمك علي بن أبي طالب مالي

‹ صفحة 154 ›

عندك قال : أنتم مكرمة ، قال هذا قبره ، فقال له الرشيد من أين علمت

ذلك ؟ قال كنت أجئ مع أبي فيزور قبره ، وأخبرني إنه كان يجئ

مع جعفر الصادق ( ع ) وإن جعفرا كان يجئ مع أبيه محمد الباقر ( ع )

فيزوره وإن محمدا كان يجئ مع أبيه علي زين العابدين فيزوره ، وإن

عليا كان يجئ مع أبيه الحسين فيزوره وكان الحسين أعلمهم بمكان القبر ،

فأمر الرشيد أن يحجر الموضع ، فكان أول حجر أساسي وضع فيه .

19 - في كتاب عمدة الطالب للشريف النسابة ثقة العلماء المحدثين

أحمد بن علي الحسيني الداودي المتوفى سنة 828 فإنه بعد إيراده مقتل الإمام

أمير المؤمنين ( ع ) قال ما نصه -

" والصحيح إن قبره في الموضع المشهور الذي يزار فيه اليوم " .

20 - قال أبو الفداء ج 1 ص 181

" واختلف في موضع قبره . . " وختم حديثه " . . والأصح هو

الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره وأن قبره هو المشهور بالنجف وهو الذي

يزار اليوم "

21 - وجاء في روضة المناظر لابن الشحنة المطبوع بهامش ابن

الأثير ج 7 ص 195 قال -

" واختلف في موضع قبره والأصح إنه حيث يزار اليوم في النجف "

22 - وجاء في كتاب الفخري ص 75

‹ صفحة 155 ›

" أما مدفن أمير المؤمنين فإنه دفن ليلا بالغري ، ثم عفي قبره إلى

أن ظهر حيث مشهده الآن "

23 - وقال - محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤل ص 62 في

كلام له عن قبر الإمام ( ع )

" دفن بالغري في جوف الليل "

24 - وقال ابن الصباغ في الفصول المهمة ص 138 طبع سنة 1303

في أثناء حديثه عن موت الإمام ( ع ) "

دفن في جوف الليل بالغري وقبره معروف يزار إلى الآن ، وقيل

بالنجف ، والغري والنجف اسمان لمسمى واحد " .

25 - وقال الشبلنجي في نور الأبصار ص 97 -

( دفن بالغري ليلا في موضع معروف يزار إلى الآن وقيل بالنجف )

26 - وقال القندوزي في ينابيع المودة طبع سنة 1302 ص 372 -

روى الحاكم عن أبي عبد الله الحافظ أنه بلغه قال علي للحسن

والحسين رضي الله عنهم - "

" إذا مت أنا فاحملاني على سرير وأتيا بي الغري وهو ضهر الكوفة

فإنكما تريان صخرة بيضاء تلمع نورا فاحتفرا فإنكما تجدان فيها ساحة

فادفناني فيها "

27 - قال زين الدين أبو الرشيد الحافظ " لم يزل قبر ( رض ) مختفيا

‹ صفحة 156 ›

إلى زمن الرشيد ثم ظهر بالغري بظاهر الكوفة ويزوره إلى اليوم

الناس وصار قبره مأوى كل لهيف وملجأ كل هارب .

28 - وفي تقويم البلدان لأبي الفداء قال عند ذكر الكوفة -

( وقبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالقرب منها

عليه مشهد جليل يقصده الناس من أقطار الأرض )

29 - قال الديلمي في إرشاد القلوب .

" وأما الدليل الواضح والبرهان اللائح على أن قبره الشريف " ع "

موجود بالغري فمن وجوه -

الأول - تواتر الإمامية الاثني عشرية يرويه خلف عن سلف

الثاني - اجتماع الشيعة والاجماع حجة .

الثالث - ما حصل عنده من الآثار والآيات وظهور المعجزات عند

المرقد المقدس .

أقول ومن المسلم عند الشيعة إن الأئمة جاؤوا إلى هذا الموضع الشريف

من النجف وزاروا جدهم أمير المؤمنين ( ع ) وأخبروا شيعتهم بذلك ،

ولا شك أن الأولاد والأحفاد وسائر العشيرة والأقربين أعرف

بمراقد آبائهم من غيرهم .

وختاما لما تقدم أقول : هذا غيض من فيض ، وأن القبر المقدس

ثابت ومعين مما لا جدل فيه وذلك حسبما عينه لنا أولاده وأحفاده

‹ صفحة 157 ›

عليهم السلام بالنظر لزوال الأسباب التي أدت في وقتها إلى إخفاء المرقد

المقدس مدة من الزمن .

ولو رجعنا إلى أنفسنا هنيأة ، وحكمنا المنطق لزالت عنا جميع الشكوك

والشبهات المبثوثة قديما من قبل أناس عرفوا بانحرافهم عن الإمام ( ع )

وكان قصدهم بث الشكوك لتضليل المسلمين ولأن يخفوا أثر الإمام

فيميتوا ذكره ، لما يضمرون من العداء الشديد للإمام ( ع ) وأن

يفرقوا كلمة المسلمين ليس إلا .

ولو تصفحنا التواريخ القديمة بنظرة خاطفة ، لتحقق لدينا شدة ما قاسى

آل بيت محمد ( ص ) من الاضطهاد ، والتقتيل والتشريد بين الآفاق .

ولو سلمنا واعترفنا بالأمر الواقع بأن ما حدث ناتج عن التطاحن

على كرسي الحكم حسب مزاعمهم ، لرجعنا إليهم طالبين إثبات ما يبرز

ذلك ، لأن القوم لا يقصدون الحكم فقط ، وإنما كان قصدهم من

اضطهادهم هذا ، هو أن يمحوا ذكر نبينا الكريم ( ص ) من الحياة

باستئصال آل بيته ( ع ) وتقتيلهم ، كما حدث في معركة الطف وغيرها ،

وكما أن الأعمال التي قام بها معاوية وأحفاده مما تقشعر لها الأبدان لأن

فيها خروجا على الحقوق الإنسانية .

ولو رضينا بكل ما حدث فكيف نرضى بالأخبار المدسوسة في الكتب

التأريخية المؤلفة على لسان النابين والمراد بها إخفاء قبر الإمام عن

‹ صفحة 158 ›

الوجود ، وذلك لإبعاد محبي آل البيت من التبرك بالمرقد المقدس وإخفاء

ما أراد الله تعالى إظهاره للعالم كله ، ولكن أراد وأرادوا وإرادة الله

فوق إرادة الجميع ويأبى الله إلا أن يتم نوره .

وختاما لكلمتنا أقول : رحم الله تلك الأيام التي كانت فيها الأهواء

متضادة ، والسلطة الحاكمة غشومة ، والبدع والتضليل في مرتع خصب

كل هذا ، والحقيقة وإن كانت مرة لا تهضم ، فقد وجدت لها

أنصارا أحرارا ، اعتمدوا على التدليل بالحقائق الناصعة ، وإنها لمكرمة

عظيمة لأبي الحسن صلوات الله عليه ، يسجلها له التأريخ ، وأن الموضع

الذي دفن فيه أصبح بعد دفنه روضة من رياض الجنة ، ومن ناوأه في

حياته قبر معه ذكره بعد موته وصار ذكره مقرونا بالرذيلة ، وغفر الله

لأصحاب النفوس الضعيفة التي لم تملك من أمرها إلا الأباطيل ، والمكر والتضليل على المسلمين .

‹ صفحة 159 ›

الباب الثالث عشر

تعيين قبر المغيرة بن شعبة بموجب الأدلة القطعية

وتعريف ( الثوية ) والتي أصبحت دارا لخلود المغيرة بعد أن كانت سجنا

للنعمان بن المنذر وأخيرا تجد ما افتراه المغالطون على التأريخ

مع تبيان الحقيقة بعد إحقاق الحق وإزهاق الباطل

نشرت مجلة الاعتدال النجفية ( 1 ) في ص 9 من سنتها الأولى مقالا

بعنوان ما لا يغتفر في شريعة التأريخ بقلم معالي العلامة السيد هبة الدين

الشهرستاني ولما كان هذا المقال يفند مزاعم الخطيب البغدادي ومفترياته

حول تعيين قبر الإمام وأنه يدخل في صميم موضوعنا هذا لذا قررنا نشر

مقتطفات من المقال المذكور لاعتمادنا على خبرة العلامة الجليل

الشهرستاني ، وثقتنا بمجلة الاعتدال المعروفة باتزانها واعتدالها ومحافظتها

على أمانة النقل وتحيزها للواقع والحقيقة . ومما جاء في مقال العلامة الشهرستاني :

‹ صفحة 160 ›

" وجه إلي البعض سؤالا غريب المآل خلاصته الاستفهام عن المدفن

الحقيقي لسيدنا الإمام ( ع ) مدعيا أن الخطيب في تأريخه أورد نقولا

مختلفة ، وأقوالا متشعبة عن مدفن الإمام ( ع ) وأنها قد أورثت الشك في

قلب من لم يغترف من العلم ما يرويه ، وأن الجواب المؤيد بوثائق

تأريخية وغير تأريخية هو الذي يقطع جهيزة كل خطيب وعليه أجيب

قائلا :

نشر - في هذا العام - للخطيب أبي بكر البغدادي كتابه المشهور

" تأريخ بغداد " وكانت الآذان تعشقه قبل أن تراه العيون وما كاد

الكتاب يأخذ نصيبه من الانتشار إلا وتراجعت الأفكار راغبة عنه

زاهدة فيه ، وذلك لأسباب : أهمها محاولة الكتاب في خطته التأليفية

إثارة عجاجة الشبهات حول الحقائق بنقل منكرات عن نكرات ولقد

حط من شأن أمثال أبي حنيفة فقيه العرب المعظم وأمثال الشيخ المفيد

رئيس المتكلمين ضد الغلاة ، كما قد ملأ الصحائف بالأخبار الضعيفة في

ذم بغداد وتحريم المبيت فيها ويسندها إلى رسول الله ( ص ) المتوفى قبل

أن تمصر بغداد وتأهلها بأكثر من قرن .

تلك الأخبار التي لا يشك في انتحالها على الرسول أحد من أهل العلم .

وبالجملة فالكتاب فقد مركزه الأدبي بعد انتشاره ومخالفة مسلكه

مسلك المؤرخين وغاياتهم ، إذ أن مسلك المؤرخ انتهاج وتدوين الحوادث

‹ صفحة 161 ›

المهمة ، والتعويل على أخبار الثقاة والمعروفين بالصدق وغاية المؤرخ

إيضاح القضايا الغامضة ، والدفاع عن الحقائق الراهنة لتكون عبرة

ينتقل بها المتطلع من حقيقة إلى حقيقة ومن عظمة إلى عظمة .

أما التسامح بالنقل وحشو الأسطر بالأساطير والتعويل على أخبار

المجاهيل والنكرات فهي ذنوب في شريعة التأريخ لا تغتفر وسيئات

لا تكفر . . .

ومما جاء في الكتاب المذكور - من هذا القبيل - نقله اختلافات

الرواة في مدفن الإمام علي ( ع ) ذلك الأمر الذي لا يقبل الإرتياب

حسب ما نورده من الشواهد من أحاديث الثقاة وأقوال الأئمة الهداة

في إثبات مدفنه ( ع ) وتعليل الاختلاف الحادث في شأنه ونقنع من

هاتيك الشواهد بما يأتي : -

1 - لقد سبقني في الجواب عن هذا الأمر وسبقكم إلى السؤال عنه

رجال من السلف لما عثروا على تأريخ الخطيب وما جمع فيه من هنا

وهناك عن أفواه غير مسؤولة . . . فقد قال عز الدين عبد الحميد الكاتب

المدائني المتوفى سنة 655 : -

" سألت بعض من أثق به من عقلاء شيوخ أهل الكوفة عما ذكره

الخطيب أبو بكر في تأريخه أن قوما يقولون إن القبر الذي تزوره

الشيعة إلى جانب الغري هو قبر المغيرة بن شعبة فقال - غلطوا في ذلك ،

‹ صفحة 162 ›

قبر المغيرة وقبر زياد " بالثوية " من أرض الكوفة ونحن نعرفها وننقل

ذلك عن آبائنا وأجدادنا وأنشد قول الشاعر : -

صلى الإلاه على قبر وطهره * عند الثوية يسفى فوقه المور

قال عز الدين ( 1 ) سألت قطب الدين نقيب الطالبيين أبا عبد الله

الحسين بن علي الأقساسي عن ذلك فقال صدق من أخبرك نحن وأهلها

كافة نعرف مقابر ثقيف إلى الثوية وهي إلى اليوم معروفة وقبر المغيرة فيها إلا

أنها لا تعرف ، قد ابتلعها السبخ ، وزيد الأرض ، وفؤرانها ، فطمست

واختلط بعضها ببعض ، ثم قال : إن شئت أن تتحقق أن قبر المغيرة في

مقابر ثقيف ، فانظر إلى كتاب " الأغاني " لأبي الفرج علي بن الحسين ،

وألمح ما قاله في ترجمة المغيرة ، وأنه مدفون في مقابر ثقيف ويكفيك

قول أبي الفرج فإنه الناقد البصير والطبيب الخبير ، فتصفحت ترجمة

المغيرة في الكتاب المذكور ، فوجدت الأمر كما قاله النقيب : "

وإيضاح

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 153 ›

( 1 ) مجلة الاعتدال ص 71 السنة الأولى

‹ هامش ص 159 ›

( 1 ) مجلة الاعتدال النجفية التي تأسست 1933 واحتجبت عن القراء في مايس

سنة 1948 صاحبها ورئيس تحريرها الأديب اللامع الأستاذ محمد علي البلاغي وهي من

المجلات العراقية الشهيرة المركز وقد فقدتها الصحافة العراقية بالنظر لاحتجابها المفاجئ

‹ هامش ص 162 ›

( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ص 45 من مجلده الثاني

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 162 - 171

حا لما ورد في مقال العلامة الشهرستاني المار الذكر أدرج أدناه

الأدلة القطعية الناصة على تعيين قبر المغيرة بن شعبة دون جدل :

تعيين قبر المغيرة بن شعبة بموجب الأدلة القطعية :

1 - جاء في الأغاني ج 14 ص 139 طبع مصر عند ذكر المغيرة بن

‹ صفحة 163 ›

شعبة وذكر قصته ما نصه :

" كان مصقلة بن هبيرة الشيباني قد لاحى المغيرة في شئ كان بينهما

منازعة فضرع له المغيرة وتواضع في كلامه ، حتى طمع فيه مصقلة ،

فاستعلى عليه وشتمه ، وقال : إني لأعرف شبهي في عروق ابنك

فأشهد المغيرة على قوله هذا شهودا ، ثم قدمه إلى شريح القاضي فأقام عليه

البينة ، فضربه شريح الحد ، وآلى مصقلة أن لا يقيم ببلدة فيها المغيرة ،

فلم يدخل الكوفة حتى مات المغيرة فدخلها فتلقاه قومه ، فسلموا عليه

فما فرغ من السلام حتى سألهم عن مقابر ثقيف فأرشدوه إليها ، فجعل

قوم من مواليه يلتقطون الحجارة ، فقال لهم ما هذا ؟ فقالوا نظن أنك

تريد أن ترجم قبر المغيرة بن شعبة ، فقال ألقوا ما في أيديكم فانطلق حتى

وقف على قبره إلى آخره " .

2 - وفي تأريخ الخميس قال عند ذكر خلافة معاوية

( أبو موسى الأشعري مات سنة 44 وقيل سنة 52 دفن بمكة وقيل

دفن بالثوية على ميلين من الكوفة ) .

3 - وقال أبو حيان - ( دفن المغيرة بن شعبة بالكوفة بموضع يقال له

الثوية وهناك دفن أبو موسى الأشعري في سنة 50 ه‍ )

4 - وفي الحديث - ذكر الثوية - ( هي بضم الثاء وكسر الواو وأنها

موضع بالكوفة به قبر أبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة )

‹ صفحة 164 ›

5 - وعن نهاية ابن الأثير الجوزي - ( الثوية بضم الثاء وفتح الواو

وتشديد الياء ويقال بفتح الثاء وكسر الواو وأنها موضع بالكوفة به

قبر أبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة )

6 - وجاء في مجمع البحرين للطريحي في مادة ثوى -

( والثوية بضم الثاء وفتح الواو وتشديد الياء ، ويقال بفتح التاء وكسر

الواو موضع بالكوفة فيه قبر أبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة )

7 - إن المؤرخين الثقاة الذين تعرضوا المدفن المغير بن شعبة لم يذكر

أحد منهم قبره في النجف ، أو في الغري ، وغاية ما قالوا فيه أنه مدفون

بمقابر ثقيف أو عند قصر الإمارة أو في الثوية ، حتى استغرب سبط ابن

الجوزي في " تذكرة الخواص " مذهب أبي نعيم الأصفهاني في مدفن

المغيرة وقال - وهذه من أغلاط أبي نعيم فإن المغيرة بن شعبة لم يعرف

قبره ، وقيل بموته في الشام ، وقد أسلفنا عن النقيب الأقساسي القول

بدفن المغيرة في الثوية ، وتشخيص موضع الثوية في أرض الكوفة "

تعريف الثوية

وأنها كانت سجنا للنعمان بن المنذر - :

الثوية من المواضع المشهورة في ضهر الكوفة قريبة من النجف وقد

ذكرها كثير من المؤرخين في كتبهم وإليك البعض منها لتقف على

حقيقة الأمر .

‹ صفحة 165 ›

1 - جاء في معجم البلدان

والثوية بالفتح ثم الكسر وياء مشددة ويقال الثوية بلفظ التصغير موضع

قريب من الكوفة ، وقيل بالكوفة ، وقيل خريبة إلى جانب الحيرة على

ساعة منها . وذكر العلماء أنها كانت سجنا للنعمان بن المنذر كان يحبس

بها من أراد قتله فكان يقال لمن حبس بها ثوى أي أقام فسميت الثوية

بذلك .

2 - وفي لسان العرب جاء : أن الثوية موضع قريب من الكوفة .

3 - وقال عقال يذكر الثوية .

سقينا عقالا بالثوية شربة * فمال بلب الكاهلي عقال

4 - ولما مات زياد بن أبيه دفن بالثوية فقال حارثة بن بدر العداني يرثيه

صلى الإله على قبر وطهره * عند الثوية يسفي فوقه المور

5 - وجاء في ديوان المتنبي : -

وليل توسدنا الثوية تحته * كأن ثراها عنبر في المخانق

بلا د إذا زار الحسان بغيرها * حصى تربها ثقبنه للمخانق

6 - وقال عدي بن زيد يذكر الثوية .

ويح أم دار حللنا بها * بين الثوية والمردمة

برية غرست في السواد * كغرس المضيفة في اللهزمة

1 - وقال أعشى همدان يذكر الثوية أيضا من قصيدته التي تقول

‹ صفحة 166 ›

في أولها

فوجهه نحو الثوية سائرا * إلى ابن زياد في الجموع الكتائب

7 - وجاء في تاريخ الكوفة للبراقي .

( الثوية ) بالفتح ثم الكسر وياء مشددة ، ويقال الثوية بلفظ التصغير موضع قريب من الكوفة ( وقيل ) بالكوفة ( وقيل ) خريبة إلى جانب

الحيرة في ساعة منها ، ذكر العلماء إنها كانت سجنا للنعمان بن المنذر

كان يحبس بها من أراد قتله ، فكان يقال لمن حبس بها ثوى أي أقام

فسميت الثوية بذلك .

ما افتراه المغلطون في قبر الإمام ( ع ) وإليك البعض منها

1 - إليك النص للخطيب البغدادي في شأن قبر الأمير ( ع ) في الجزء

الأول ص 138

( حكى لنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال سمعت أبا كبر

الطلحي يذكر أن أبا جعفر الحضرمي - مطينا - كان يشكر أن يكون

القبر المزور بظاهر الكوفة قبر علي بن أبي طالب وكان يقولون لو علمت

الرافضة قبر من هذا لرجمته بالحجارة هذا قبر المغيرة بن شعبة ، وقال ابن مطين لو كان هذا قبر علي بن أبي طالب لجعلت منزلي ومقيلي عنده

أبدا ) انتهى .

3 - وفي فرحة الغري ص 12 على ما ذكره الثقفي .

‹ صفحة 167 ›

" قال حدثنا إسماعيل بن أبان الأزدي - قال حدثنا عتاب بن كريم

التميمي ، قال حدثنا الحرث بن حضيرة ، قال حفر صاحب شرطة الحجاج

حفيرة في الرحبة فاستخرج شيخا أبيض الرأس واللحية ، فكتب إلى

الحجاج : أني حفرت فاستخرجت شيخا أبيض الرأس واللحية وهو علي

بن أبي طالب ، فكتب إليه الحجاج : كذبت أعد الرجل من حيث

استخرجته فإن الحسن بن علي حمل أباه من حيث خرج إلى المدينة " .

3 - عن مقاتل الطالبيين ص 16 عن فضل بن خديج عن الأسود

الكندي والأحلج قالا -

( توفي علي وهو ابن أربع وستين في عام أربعين من الهجرة ليلة

الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان وولي غسله ابنه

الحسن ( ع ) وعبد الله بن عباس وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص

وصلى عليه ابنه الحسن وكبر عليه خمس تكبيرات ودفن بالرحبة مما يلي

أبواب كنده عند صلاة الصبح ) اه وغيرها من الأقوال التافهة .

الحقائق الناصعة

ركزت بحوثي المتقدمة على أقوال المؤرخين الكبار المعترف

بمكانهم وصدق لهجتهم عند المسلمين عامة ، وذلك لإزالة ما تعلق في

أذهان بعض الناس من المغالطات التي اكتسبوها من كتب مدسوسة

أو سمعوها من أناس قد جبلت أنفسهم على قلب الحقائق ، ومن طبعهم

‹ صفحة 168 ›

دس السم في الدسم وهذا غير خاف على المسلمين عامة والمتتبعين والبحاثين خاصة .

ولا زالة تلك الفلتات التأريخية من أذهان بعض الناس رغبت أن

اتحف القارئ الكريم بأرقام تدافع عن نفسها وتسجل لها الفوز

بالانتصار وهي لا تقبل الجدل والشك وأنها الحد الفاصل لتلك المهاترات .

أرقام تتكلم

1 - إن عترة ( 1 ) الإمام وشيعته الخلص متفقون على موضع قبره

ولا يرتابون فيه أصلا ، وأعجب الأشياء أنه لو وقف إنسان على قبر

مجهول وقال هذا قبر أبي يرجع فيه إلى قوله ، وكان مقبولا لا ارتياب

فيه عند سامعه ، ولكن يظهر الارتياب المغرضون بقول آل بيت النبي ( ع )

المعصومون المعظمون بأن هذا قبر والدنا ولا يقبل منهم ، ويكون

الأجانب الأباعد المناوؤن أعلم به ؟ أن هذا من غريب القول ؟

2 - أريد أن أعلم - ما هو الدافع الذي ألجأ السجاد ( ع ) من تحمل

متاعب السفر والمجئ إلى النجف من المدينة المنورة لزيارة قبر جده

علي ( ع ) . . . ! ! ؟ وكذلك أريد أن أعلم - ما هو الدافع الذي ألجأ

بقية الأئمة عليهم السلام كالصادق وعلي الهادي والحسن العسكري ( ع )

بزيارة هذا المرقد المقدس .

‹ صفحة 169 ›

فهل كان المراد من عملهم هذا إيهاما أم اعترافا ؟ ؟ ؟ . . . أم أنهم

يعلمون درجة ثواب تلك الزيارة ، وإنما قصدوه لمعنيين " الأول " لزيارة

قبر والدهم الأكبر " الثاني " قصد الثواب من الله جل شأنه لعلمهم

بفضل زيارته بالنظر لمكانته السامية عند الرفيق الأعلى .

3 - جميع أبناء الإمام وأحفاده ( ع ) حسب القرون المتعاقبة لم يختلفوا

قط في تعيين موضع قبره ( ع ) فهل هذا دليل ناقص ؟ أم نأتي برجل من

بخارى يدلنا على قبره . . ! ! ؟ ؟ . . .

4 - بماذا تفسر زيارة خلفاء بني العباس كهارون الرشيد والناصر لدين

الله والمستنصر لقبر الإمام ؟ أكان ذلك تقربا منهم إلى العلويين ، وإنك

لتعلم شدة اضطهادهم لآل البيت ؟ أم هؤلاء عرفوا الحقيقة ولا يريدون

أن يحيدوا عنها ، ! ؟

5 - العمارات التي قام بها هارون الرشيد ، ومحمد بن زيد المعروف

بالداعي ، وعضد الدولة البويهي ، والايلخانيون ، والجلائريون ، والدولة

الصفوية وغيرهم ، بغض النظر عن الهدايا والتحف الأثرية النادرة . بماذا

نفسر عمل هؤلاء جميعهم أمغفلين أم مغالطين أم تاهت عليهم الحقيقة ؟ مع

العلم أن البعض منهم كان معاصرا لبعض الأئمة المعصومين من ولده ( ع )

ولا ريب أنهم تحققوا إن هذا هو بعينه قبر الإمام وذلك بموجب

الكرامات التي ظهرت عند المرقد المقدس مما رفع الشك وزال الشبهة

‹ صفحة 170 ›

عن النفوس ، وإنفاقهم هذا لم يكن القصد منه إلا التقرب لوجه

الله تعالى .

6 - أجمعت الشيعة عامة على أن هذا القبر هو قبر الإمام بعينه وإجماع

الأمة على كلمة واحدة يعتبر حجة .

7 - أصحاب السير والتأريخ ( 1 ) : كالحموي في معجم البلدان

والقلقشندي في كتاب صبح الأعشى ، وابن الأثير في كامل التواريخ

وابن أبي الفداء في تأريخه ، والفخري في تأريخ الوزراء ، والكرماني

في عمدة الطالب ، وابن أعثم الكوفي في الفتوح ، والدينوري وابن

طلحة الشافعي في مطالب السؤول ، وابن الصباغ في الفصول المهمة ،

وأبي الفرج الأصبهاني في الأغاني ، وابن شحنة في روضة المناظر ،

والشبلنجي في نور الأبصار ، وصاحب القاموس وتاج العروس وغيرها

من الكتب الكثيرة وكل منهم ينص على تعيين المرقد المقدس في

النجف في المحل الذي يزار ويتبرك به اليوم .

8 - قد نظم الشعراء ( 2 ) في المدح والرثاء قصائد وأبياتا ومقاطيع

وأراجيز لا تعدو ولا تحصى ، حول مقتل أمير المؤمنين ومدفنه في أرض

كوفان والنجف والغري ما يكشف النقاب ، ويدفع الارتياب ، من

شعراء وعرفاء مختصين بأهل بيت النبي " ص " أمثال إسماعيل الحميري ، ودعبل

‹ صفحة 171 ›

الخزاعي ، من أبناء القرن الثاني الهجري ، ومن أبناء القرن الرابع ،

الش

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 162 ›

( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ص 45 من مجلده الثاني

‹ هامش ص 168 ›

( 1 ) فرحة الغري

‹ هامش ص 170 ›

( 1 ) تحفة العالم

( 2 ) مجلة الاعتدال

‹ هامش ص 171 ›

( 1 ) كتاب التحصيل في أوقات التعطيل ص 696 للحجة السيد محمد البغدادي مخطوط

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 171 - 179

شريف الرضي ، والحسين بن الحجاج القائل : -

يا صاحب القبة البيضا على النجف * من زار قبرك واستشفى لديك شفي

9 - دفن أمير المؤمنين ( ع ) ( 1 ) ليلا من حيث يخفى ولم يطلع

عليه أحد سوى أولاده وخواصه ولم يحصل له تشييع أصلا كل هذا مما

أطبق عليه التأريخ فإن قلت له الوجه في ذلك مع أنه كان سيد المسلمين

وأمير المؤمنين فهو الأحق بالتشييع والتبجيل قلت كان ذلك فرارا عن

تعرض أعدائه بنبش قبره من الخوارج والأمويين ولا زال خفيا مستورا في

جميع الأدوار الأموية إلى أن ظهر في زمن الرشيد بل قبله على يد داود

العباسي فانظر أيها المنصف البصير إلى هذه الظلامة وكفى بها دليلا

قاطعا على شدة ابتلائه حيا وميتا وانظر إلى أعدائه الذين تسموا بالمسلمين

كيف بلغ بهم عنادهم ونصبهم إلى هذا لعمري هذا أكبر دليلا على

كفرهم هذا وقد اتضح موضع قبره الآن في النجف من ذلك الزمان ثم

لا زال مشيدا على أيدي الملوك والأكابر من بعده وقد كتب علماؤنا

في إثباته بل اعتراف ابن أبي الحديد المعتزلي بذلك قائلا أن الأبناء

أعرف بقبور آبائهم وقد زاره أولاده هناك وبالجملة قد ظهر قبره

كظهور الشمس في رائعة النهار وله الحمد .

‹ صفحة 172 ›

10 - إن قيام الأمراء والملوك ( 1 ) ومشاهير المسلمين بإشادة الأبنية

المفخمة وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك لا يكون إلا بعد تحقيقهم

جلية الأمراء ، وتوثقهم من الحقيقة المنشودة ، فقد قاموا بإشادة القبة وبناء

الضريح والروضة وتعمير الأروقة والحيطان في مشهد الغري أمراء

عظماء غير العباسيين والسامانية والحمدانية والديالمة ، مثل محمد بن زيد

الداعي العلوي " بطبرستان " حوالي سنة ( 570 ه‍ ) ومثل أمير الحاج

عمر بن يحيى بن الحسين النسابة نقيب الطالبيين بالكوفة ، فإنه عمر قبر

جده أمير المؤمنين ( ع ) وبنى عليه قبة من خالص ماله حوالي سنة 330 ه‍

وهو الذي رد الله على يديه الحجر الأسود إلى مكة المكرمة بعد ما

انتهبه القرامطة )

11 - إن شيعة علي ( 2 ) ( ع ) من أيام ضعف الدولة الأموية أخذت

تأم المشهد العلوي في أرض الغري لزيارته والتبرك به ولهم كلمات في

تأبينه ، وجمل في نعته تلقى وتتلى عند قبره من زائريه ، وتسمى ( الزيارات )

ونصوصها مروية عن علماء آل محمد ( ص ) والأئمة من أهل بيته عليهم

السلام وهذه الزيارات مستفيض في روايتها الأثر ومتواتر بجملتها

الخبر ، ترشدك إليها كتب الحديث والزيارات والأدعية

‹ صفحة 173 ›

ولا مبالغة ممن يدعي أن تربة الغري استحالت من أدمغة ملوك وأمراء

وعظماء وعلماء : ومثل هذا الاهتمام لا يحصل عادة إلا عن اعتقادهم

الصميم بأن الضريح الملموس والمشهد المحسوس هما الإمام الكل في

الكل علي بن أبي طالب ( ع ) .

12 - إن اهتمام الشيعة ( 1 ) بدفن موتاهم من ملوك وعرفاء وعلماء

ووزراء حول ضريح سيدنا علي ( ع ) منذ بدء أمره في القرون السالفة

الأولى لأوضح شاهد على اعتقادهم بصحة مثوى الإمام هناك فقد أوصى

عضد الدولة البويهي أن يدفن بجانب رجلي الإمام وقد ظهر للعيان قبره

في زماننا حوالي سنة 1315 ه‍ وعليه صخرة منقوش عليها آية ( وكلبهم

باسط ذراعيه بالوصيد ) ومرسوم بعد ذلك اسم " فنا خسرو عضد الدولة "

والتصريح بمدفنه ومن حواليه قبور بني بويه وكذلك فخر الملك ، قد

أوصى نائب الدولة عميد الجيوش الحسن بن سهلان المتوفى سنة 406 أن

يدفن بالغري كما في حوادث هذه السنة عن كامل ابن الأثير وغير

هؤلاء من ملوك مصر ووزرائهم الفاطميين والأشراف من بني علي

الحسنيين والحسينيين وأمراء الهند وملوك إيران حتى مثل السلطان الفاتح

" تيمور لنك " والأمراء من عائلته ، ومثل آقا خان المحلاتي زعيم

الإسماعيلية المتوفى سنة 1298 وفتح علي شاه القاجاري ملك إيران الشهير ،

‹ صفحة 174 ›

الباب الرابع عشر

ظهور القبر المقدس

1 - علاقة مقام زين العابدين ( ع ) بالمرقد المقدس

أضطهد آل بيت الرسول الأعظم ( ص ) في صدر الإسلام اضطهادا

كليا وخاصة في عهد معاوية بن أبي سفيان فقد جعل سنته في الإسلام

السب والبراءة واللعن لأخي رسول الله الإمام علي بن أبي طالب ( ع )

وأخذ يختلق أحاديث ، وينسبها إلى الرسول الأعظم ( ص ) في الثناء على

عثمان والحط من كرامة آل البيت ، وصور الأمويين هم آل البيت

وقربى الرسول بما افتراه على السنة أذنابه ، وتعقب أصحاب الإمام ( ع )

وشيعته الخلص بالقتل والتشريد ، وجعل ذلك من أهم القواعد الأساسية

لتدعيم كيان مملكته ، وليس ذلك بغريب من معاوية لو حارب الإسلام

من هذا الطريق بعد أن فشل هو وأبوه أبو سفيان في مناوئة رسول

الله ( ص ) ومحاربة الإسلام يوم كان الإسلام ناشئا مترعرعا وقد حاولوا

إماتته وهو في المهد ولكن باؤوا بالفشل والخسران .

‹ صفحة 175 ›

وعلى ما تقدم فقد تكتل شيعة علي ( ع ) مع بعضه وأصبحوا كالبنيان

المرصوص يشد بعضه بعضا ، شعارهم المحافظة على أصول الدين كما جاء

بذلك القرآن المجيد وسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام والموالاة

لآل بيته الكرام والتمسك بمبادئ إمامهم الأعظم أمير المؤمنين ( ع )

والاحتفاظ بمرقد عميدهم الأكبر وعدم إباحة سر إخفائه غير أن الأئمة

من ولد الإمام علي ( ع ) وشيعتهم الخلص كانوا يقصدون القبر سرا

للتبرك به وأداء مراسيم الزيارة هناك .

وبعد حادثة وفاة الحسن ( ع ) عندما دس له السم معاوية بن أبي سفيان

بالواسطة ، وحادثة قتل الحسين ( ع ) في عهد يزيد ، انقاد الشيعة إلى

رئيسهم الإمام علي بن الحسين ( ع ) الملقب بالسجاد لكثرة عبادته . وعلى

هذا فالسجاد ( ع ) قد أخبر عن موضع قبر جده العظيم الخلص من

الشيعة ومن يعتمد عليه من الموالين له ، وأصبح سرا مخفيا بين القلوب

مضافا إلى ذلك فقد كان عليه السلام يزور القبر الشريف مختفيا بين حين

وآخر وبعد إتمام مراسيم الزيارة كان عليه السلام يقيم ليلته في النجف

ويغادر المكان صباحا .

ويوجد في محلة العمارة من جهة غروب الشمس مقام مشهور يعرف

الآن بمقام الإمام زين العابدين ( ع ) ويروى بأن السجاد ( ع ) كانت

إقامته في هذا المقام أثناء زيارته لمرقد جده الإمام الأعظم ( ع )

‹ صفحة 176 ›

وجاء في ماضي النجف وحاضرها ص 65 بأن للإمام مقاما آخر

ملاصقا للصحن الشريف من الجهة الغربية واتخذ عليه مسجد وقد

أدى الصلاة فيه كثير من أهل الفضل وضاعت آثار هذا المسجد عندما

فتح الباب الغربي للصحن الشريف وسجل في دفتر الممتلكات .

2 - ظهور القبر الشريف للمرة الأولى على يد الإمام جعفر بن محمد الباقر ( ع )

أصبح من خطة آل البيت ( ع ) بعد قتل سيدهم السبط الحسين ( ع )

الاحتفاظ بكنوز العلم الموروثة من جدهم الأعظم محمد ( ص ) وذلك

تجنبا من سطوة أيدي العابثين ، ومحاربة الملحدين ، المفسدين للدين

الحنيف ، وقد أسسوا المدارس العلمية داخل بيوتهم وأشرفوا على

التدريس بنفسهم .

تولى الشيعة بعد وفاة السجاد " ع " ولده الإمام محمد الباقر " ع "

وكانت خطته نفس المنهاج الذي سار عليه والده الحبيب ، وبعد وفاته

عهدت إلى ولده الصادق " ع " وفي عهد الإمام جعفر الصادق " ع "

دب الفساد في الدولة الأموية ، وكانت في دور الاحتضار ونشطت الدعوة

العباسية باسم الدعوة العلوية ، وتحرر الشيعة من القيود ، ولهذا

السبب انتشر العلم وظهرت سنة النبي الأعظم " ص " بعد أن لعب

بها بنو أمية شطرا من الزمن وفي عهده أسست مدرسة علمية في

الكوفة تخرج منها العلماء الأعلام كل ضمن اختصاصه فمنهم اللغويون

‹ صفحة 177 ›

والنحاة ورواة الحديث والفقه والأصول والكيمياء والجبر وغيرهم .

وروي أنه تخرج من مدرسة الإمام جعفر الصادق ( ع ) أربعة آلاف

محدث كل واحد منهم يقول حدثني جعفر بن محمد .

وقد جرى استفسار من أصحاب الإمام جعفر الصادق " ع " عن

موضع قبر جده الإمام " ع " ولما كان المحذور الذي اختفى القبر من

أجله زال بالنظر لما تقدم ذكره ، فقد أرشدهم عليه السلام على

المكان الذي فيه مرقد جثمان ( الأمير الطاهر ) وعن صفوان ( 1 ) إنه

أصلح المرقد المقدس حسب روايته

" قلت يا سيدي تأذن لي أن أخبر أ 2 صحابنا من أهل الكوفة قال نعم

وأعطاني الدراهم وأصلحت القبر "

3 - ظهور المرقد المقدس للمرة الثانية على يد داود بن علي العباسي

المتوفى سنة 133 ه‍

ظهر ثوب الرياء من فوق الأجساد واكتشفت أسرار وخفايا قد

نظمتها أيدي السوء من وراء الدعوة العباسية باسم الدعوة العلوية ،

وما كاد الأمر يتم لبني العباس إلا وشهروا السيف ضد العلويين كما

فعل من قبلهم بنو أمية ، وأن هذا البيت الكريم الذي خصه الله تعالى

‹ صفحة 178 ›

بآيته الكريمة في محكم كتابه المجيد أصبح من بعد وفاة النبي " ص "

مضطهدا في عهد الدول المتعاقبة في صدر الإسلام ، واضطهاد العلويين

في زمن الدولة العباسية ، فاق اضطهاد الأمويين بأشواط ، وبنتيجة هذا

الضغط المتزايد والتقتيل شرد الشيعة في الآفاق ، وانزووا

عن ولاة السوء ومع كل ذلك لم ينفكوا عن زيارة قبر رئيسهم الأعلى

وهو الإمام علي " ع " فأخذوا يترددون عليه بين حين وآخر ويتعاهدونه

ليلا ونهارا زرافات ووحدانا وهو لم يكن إذ ذاك إلا أكمة " 1 "

مائلة أو ربوة قائمة ، وبقيت هذه الحال ، على ما هي عليه إلى زمن داود بن علي

العباسي فأظهر على أثر كرامة وبنى القبر الشريف صندوقا ، ولما

كانت تلك الكرامة هي من الكرامات التي حصن الله بها المرقد

المقدس من تطاول الأعداء على الانتهاك لحرمته ، فقد آلينا على نقلها

من مصدرها بسندها لما فيها من مغزى تأريخي مهم وبمثابة الرد على

أقوال المغالطين من الفئة الباغية ، قال النقيب ابن طاووس ( 2 ) : أخبرني

عمي السعيد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس والفقيه نجم الدين

أبو القاسم بن سعيد والفقيه المقتدى بقية المشيخة نجيب يحيى بن سعيد

أدام الله بركتهم كلهم عن الفقيه محمد بن عبد الله بن زهرة الحسيني عن

‹ صفحة 179 ›

محمد بن الحسن العلوي الحسيني الساكن بمشهد الكاظم ( ع ) عن القطب الراوندي عن محمد بن علي بن الحسن الحلبي عن الطوسي ونقلته

حرفا حرفا عن المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن محمد بن أحمد بن داود

عن أبي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 171 ›

( 1 ) كتاب التحصيل في أوقات التعطيل ص 696 للحجة السيد محمد البغدادي مخطوط

‹ هامش ص 172 ›

( 1 ) مجلة الاعتدال .

( 2 ) مجلة الاعتدال .

‹ هامش ص 173 ›

( 1 ) مجلة الاعتدال

‹ هامش ص 177 ›

( 1 ) فرحة الغري ص 79

‹ هامش ص 178 ›

( 1 ) الأكمة : التل الصغير كالهضبة " جمع " أكمات

( 2 ) فرحة الغري ص 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 179 - 187

ي الحسين محمد بن تمام الكوفي ، قال حدثنا أبو الحسن علي بن

الحسن بن الحجاج من حفظه ، قال كنا جلوسا في مجلس أبي عبد الله

محمد بن عمران بن الحجاج وفيه جماعة من أهل الكوفة من المشائخ

وفيمن حضر العباس بن أحمد العباسي ، وكانوا قد حضروا عند ابن عمي

يهنونه بالسلامة لأنه حضر وقت سقوط سقيفة سيدي أبي عبد الله

الحسين بن علي ( ع ) في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين ومائتين فبينا هم

قعود يتحدثون إذ حضر إسماعيل بن عيسى العباسي ، فلما نظرت الجماعة

إليه أحجمت عما كانت فيه وأطال إسماعيل الجلوس فلما نظر إليهم قال

يا أصحابنا أعزكم الله لعلي قطعت حديثكم بمجيئي ، قال أبو الحسن علي بن

يحيى السليماني ، وكان شيخ الجماعة ومقدما فيهم ، لا والله يا أبا عبد الله

أعزك الله أمسكنا بحال من الأحوال فقال لهم يا أصحابنا اعلموا أن الله

عز وجل سائلي عما أقول لكم وما اعتقده من المذهب حتى حلف بعتق

جواريه ومماليكه وحبس دوابه أنه لا يعتقد إلا ولاية علي بن أبي

طالب ( ع ) والسادات من الأئمة عليهم السلام وعدهم واحدا واحدا

وساق الحديث فانبسط إليه أصحابنا وسألهم وسألوه ثم قال لهم رجعنا

‹ صفحة 180 ›

يوم الجمعة من الصلاة من المسجد الجامع مع عمي داود فلما كان قبل منزلنا

وقيل منزله وقد خلا الطريق قال لنا أينما كنتم قبل أن تغرب الشمس

فصيروا إلي ولا يكونن أحد منكم على حال فيختلف وكان مطاعا لأنه كان

جمرة بني هاشم فصرنا إليه آخر النهار وهو جالس ينتظرنا فقال صيحوا

بفلان وفلان من الفعلة فجاءه رجلان معهما آلتهما والتفت إلينا فقال

اجتمعوا كلكم فاركبوا في وقتكم هذا وخذوا معكم الجمل يعني غلاما

كان له أسود يعرف بالجمل وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة

لسكرها من شدته وبأسه ، وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به

الناس ويقولون أنه قبر علي حتى تنبشوه وتجيئوني بأقصى ما فيه فمضينا

إلى الموضع فقلنا دونكم وما أمر به فحفر الحفارون وهم يقولون لا حول

ولا قوة إلا بالله في أنفسهم ونحن في ناحية حتى نزلوا خمسة أذرع فلما

بلغوا إلى الصلابة ، قال الحفارون قد بلغنا إلى موضع صلب وليس نقوى

على نقره ، فأنزلوا الحبشي فأخذ المنقار فضرب ضربة فسمعنا طنينا شديدا

في البر ثم ضرب ثانية فسمعنا طنينا أشد من ذلك ثم ضرب الثالثة فسمعنا

طنينا أشد مما تقدم ، ثم صاح الغلام صيحة فقمنا وأشرفنا عليه ، وقلنا

للذين كانوا معه سلوه ما باله فلم يجبهم وهو يستغيث فشدوه وأخرجوه

بالحبل فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم وهو يستغيث

لا يكلمنا ولا يحير جوابا فحملنا على البغل ورجعنا طائرين فلم يزل لحم

‹ صفحة 181 ›

الغلام ينتشر من عضده وجسمه ، وسائر شقه الأيمن حتى انتهينا إلى

عمي ، فقال أي شئ وراءكم ؟ فقلنا ما ترى ، حدثناه بالصورة ، فالتفت

إلى القبلة فتاب عما هو عليه ورجع عن المذهب فتولى وتبرأ وركب بعد

ذلك في الليل إلى علي بن مصعب بن جابر فسأله أن يعمل على القبر

صندوقا ، ولم يخبره بشئ مما جرى ووجه من طم الموضع وعمر الصندوق

عليه ، ومات الغلام الأسود من وقته .

قال أبو الحسن بن الحجاج ( رأينا هذا الصندوق الذي هذا حديثه لطيفا

وذلك من قبل أن يبنى عليه الحائط الذي بناه حسن بن يزيد وهذا آخر

ما نقله من خط الطوسي ( رضي الله عنه )

4 - ظهور المرقد المقدس للمرة الثالثة على يد هارون الرشيد الخليفة العباسي

لما تبدلت نيات العباسيين وقلبوا للعلويين ظهر المجن ، انهجر القبر

الشريف واندرس الصندوق الذي وضعه داود بن علي العباسي ، ولم

يعرج أحد على القبر إلا خلسة ومكث على هذا الحال عشرات من

السنين ، والذي ساعد على ضياع الصندوق هجران القبر بالنظر للخوف

المستحوذ على النفوس من السلطة العباسية القاسية أيام السفاح والمنصور

وكذلك ساعد على ضياعه أيضا هو موضع القبر الشريف فإنه في

منخفض واد معرض لجري السيول ومهاب الرياح . وقد ظهر القبر

الشريف للمرة الثالثة على يد هارون الرشيد على أثر كرامة ظهرت

‹ صفحة 182 ›

للخليفة العباسي وقد روتها كتب السير والتأريخ ( 1 ) على الأسلوب

التالي :

عن ابن طاووس قال : أخبرني الشيخ المفيد المقتدى نجيب الدين يحيى بن

سعيد أبقاه الله عن محمد بن عبد الله بن زهرة عن محمد بن علي بن شهرآشوب

عن جده عن الطوسي عن محمد بن محمد بن النعمان المفيد ، قال وروى

محمد بن زكريا قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عائشة قال حدثني عبد الله

ابن حازم قال : " خرجنا يوما مع الرشيد من الكوفة نتصيد فصرنا إلى ناحية الغريين

والثوية فرأينا ظباءا فأرسلنا عليها الصقورة والكلاب فجاولتها ساعة ثم

لجأت الظباء إلى أكمة فسقطت عليها فسقطت الصقور ناحية ورجعت

الكلاب فتعجب الرشيد من ذلك ثم أن الظباء هبطت من الأكمة ،

فسقطت الصقورة الكلاب فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت

عنها الكلاب والصقورة ففعلت ذلك ثلاثا ، فقال هارون اركضوا فمن

لقيتموه فأتوني به فأتيناه بشيخ من بني أسد فقال هارون ما هذه

‹ صفحة 183 ›

الأكمه ؟ قال إن جعلت لي الأمان أخبرتك ، قال لك عهد الله وميثاقه

لا أهيجك ولا أوذيك ، قال حدثني أبي عن أبيه أنهم كانوا يقولون

هذه الأكمة قبر علي بن أبي طالب ( ع ) جعله الله حرما لا يأوي إليه

أحد إلا أمن فنزل هارون ودعا بماء فتوضأ فصلى عند الأكمة وتمرغ

عليها فجعل يبكي ثم انصرفنا قم أمر ببناء قبة على المرقد المقدس "

‹ صفحة 184 ›

الباب الخامس عشر

بعض الكرامات التي ظهرت عند المرقد المقدس

لما كان موضوعنا خاصا بالمرقد المقدس فقد طرقنا جميع الأبواب

التي لها علاقة بتعيين المرقد المقدس كما مرت آنفا وهي براهين وأدلة

قطعية على وجود المرقد حيث يزار اليوم ولما كانت بعض الكرامات

التي ظهرت عند المرقد المقدس لها علاقة بتعيين المرقد الشريف وإتماما

لأبحاثنا المتقدمة فقد جعلنا الخاتمة لهذه المقدمات الكرامات التي ستأتيك

في بحثنا هذا والتي بسبب بعضها أشيدت العمارات ، ومنحت العطاآت

ودر على أهالي المدينة بالخيرات بالإضافة إلى النجف والهدايا الأثرية التي

أهديت إلى الروضة المطهرة ومن تلك الكرامات أبد أولا :

1 - كرامة له ( ع ) مع داود بن علي العباسي

مر في الباب الرابع عشر من كتابنا هذا ذكر الكرامة التي حدثت

مع داود بن علي العباسي وبسبب تلك الكرامة العظيمة خر من أجلها

‹ صفحة 185 ›

داود العباسي ساجدا لله تعالى مستغفرا عما فعله وأمر من بعد ذلك

بوضع الصندوق على المرقد المقدس كما مر آنفا " أقول " بسبب تلك

الكرامة ظهر المرقد المقدس وإكراما لتلك الكرامة عمل الصندوق

فوق المرقد المقدس ، ولأجل تلك الكرامة سجد المناوئون لله للاستغفار

من ذنوبهم وأي دليل كهذا يجعل النفس مطمئنة راضية مستبشرة

2 - كرامة له مع هارون الرشيد الخليفة العباسي

مر في الباب الرابع عشر من كتابنا هذا ذكر الكرامة التي حدثت

مع هارون الرشيد الخليفة العباسي " أقول " تلك الكرامة أرغمت

الأعداء ، وأقهرتهم على الاعتراف بفضل أمير المؤمنين ( ع ) ولشرف

تلك البقعة الطاهرة توضأ هارون الرشيد وصلى لله عند القبر إجلالا

وتعظيما للمرقد المقدس وبسبب تلك الكرامة بنيت فوق الضريح

المطهر القبة البيضاء وكرامة لصاحب الضريح الطاهر أطلق هارون

الرشيد سراح من في الحبس من العلويين وكان يبلغ عددهم الخمسين

ودفع لكل منهم ألف درهم وثلاثة أثواب .

3 - كرامة له ( ع ) مع عمران بن شاهين ( 1 )

أنقل إليك حكاية ابن شاهين كما في المصادر الموثوقة وآثار تلك

الكرامة لم تزل باقية ليومنا هذا وهو رواق عمران بن شاهين في المشهد

‹ صفحة 186 ›

المشرف أما تلك الكرامة على ما رواها المؤرخون فهي على ما يلي :

" حكي أن عمران بن شاهين من أمراء العراق عصى على عضد الدولة

فطلبه طلبا حثيثا فهرب منه إلى المشهد متخفيا فرأى أمير المؤمنين ( ع )

في منامه وهو يقول إن في غد يأتي فنا خسروا إلى هنا فيخرجون من

كان في هذا المقام فتقف أنت ها هنا وأشار إلى زاوية من القبة فإنهم

لا يرونك فسيدخل ويزور ويصلي ويبتهل بالدعاء ويقسم بمحمد وآله أن

يظفره بك فادن منه وقل له أيها الملك من هذا الذي ألححت بالقسم

بمحمد وآله أن يظفرك الله به فسيقول رجل شق عصاي ونازعني في

ملكي وسلطاني فقل له ما لمن يظفرك به ، فيقول : إن حتم علي بالعفو

عنه عفوت عنه ، فأعلمه بنفسك فإنك تجد منه ما تريد ، فكان كما قال له ،

أنا عمران بن شاهين ، قال : من أوقفك ها هنا ؟ قال : له هذا مولانا

قال في منامي غدا يحضر فنا خسروا إلى ها هنا ، وأعاد عليه القول ، فقال

له بحقه قال لك فنا خسروا قلت أي وحقه ! فقال : عضد الدولة ما عرف

أحد أن اسمي فنا خسروا إلا أمي والقابلة وأنا ، ثم خلع عليه خلع الوزراء

وطلع من بين يديه إلى الكوفة ، وكان عمران بن شاهين قد نذر عليه أنه

متى عفا عنه عضد الدولة أتى زيارة أمير المؤمنين ( ع ) حافيا حاسرا فلما

جنه الليل خرج من الكوفة وحده وفي هذه الأثناء رأى علي بن طحال

الإمام أمير المؤمنين ( ع ) في المنام وهو يقول له ( اقعد افتح لولي

‹ صفحة 187 ›

عمران بن شاهين الباب ) فقعد وفتح الباب وإذا بعمران بن شاهين

قد أقبل فلما وصل قال علي بن طحال بسم الله مولانا ، فقال : ومن أنا ؟

فقال عمران بن شاهين ، قال لست بعمران بن شاهين ، فقال : بلى ،

إن أمير المؤمنين أتاني في منامي وقال لي افتح لولي عمران بن شاهين ،

قال له بحقه ! هو قال لك ؟ أي وحقه ! هو قال لي فوقع على

العتبة يقبلها وأحاله على ضامن السمك بستين دينارا وكانت له زواريق

تعمل في الماء في صيد السمك " أقول " وبنى الرواق المعروف برواق

عمران في المشهدين الشريفين الغروي والحايري على مشرفهما السلام "

4 - كرامة له ( ع ) مع طلائع بن رزيك

كان طلائع ( 1 ) من الرجال الذين اتصفوا بالشجاعة وحب الخير

ومن أهل الفضل والأدب لذا نعت " بالملك الصالح فارس المسلمين

نصير الدين " وأن هذا الرجل قدم إلى النجف الأشرف لزيارة قبر

الإمام ( ع ) قبل توليته الوزارة وكان القائم بإمامة المشهد الحيدري في

ذلك الوقت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 182 ›

( 1 ) ذكر هذه الكرامة : ابن خلكان في وفيات الأعيان ، والدميري في حياة

الحيوان ، وابن طاووس في فرحة الغري ، والنسابة الشهير جمال الدين الحسيني في

عمدة الطالب والحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ورشاد القلوب للديلمي

وغيرهم من المؤرخين . وفي روضة الإمام اليوم صورة هي آية في الابداع ، يظهر

عليها رسم رجل يستند إلى شجرة أثل وبيده قوس يصطاد ظبيا ، وإلى جانبه شادن

وكلب صيد يرنو بها إلى تلك الكرامة . عن هامش العراق قديما وحديثا للحسني

‹ هامش ص 185 ›

( 1 ) إرشاد القلوب ج 2 ص 303 ، فرحة الغري ص 126 ، الأنوار العلوية

والأسرار المرتضوية

‹ هامش ص 187 ›

( 1 ) ماضي النجف وحاضرها ص 155 " 2 " السيد معصوم هو جد الأسرة العلوية

الموسوية آل الخرسان في النجف

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 187 - 195

هو السيد أبو الحسن ( 2 ) معصوم ومما رواه هذا السيد الجليل

بأنه قد رأى في منامه الإمام ( ع ) وهو يقول له " يا معصوم قد ورد

عليك هذه الليلة أربعون فقيرا ومعهم رجل يقال له طلائع بن زريك

‹ صفحة 188 ›

من أكبر محبنا قل له اذهب فإنا قد وليناك مصر " فلما أصبح الصباح

أمر السيد معصوم أن ينادي في الركب أين طلائع ابن زريك فإن

السيد معصوم يطلبه فاجتمع السيد به فقص عليه الرؤيا فرحل إلى مصر

ونال أرفع المناصب في الدولة الفاطمية وأصبح كما أخبره السيد معصوم

5 - كرامة له ( ع ) في حادثة مرة بن قيس ( 1 )

مرة بن قيس رجل من الخوارج أراد الأخذ بثار آبائه وأجداده

وذلك بنبش القبر المطهر وعندما قدم على فعلته مع جيشه الجرار ظهرت

الكرامة العظمى من المرقد المقدس وهي الإصبعان اللتان خرجتا من

الضريح المقدس كأنهما سيف وقطعتا مرة إلى نصفين وانقلبا بإذن الله

من بعد ذلك إلى حجرين أسودين فنبذا بالطريق .

ويوجد في الضريح المقدس في صندوق الخاتم من جهة وجه الإمام

( ع ) على ما شاهدته مكان يعرف بموضع الأصبعين وسألت من الخبراء

الثقاة في النجف أجابوا أنها رمز لحادثة مرة بن قيس .

6 - كرامة له ( ع ) في حادثة الوهابيين ( 2 )

كان سعود الوهابي يرمي من وراء هجومه على مدينة النجف المقدسة

الفتك بأبناء النجف وتخريب العمارات ونهب التحف والخزانة الكبرى "

‹ صفحة 189 ›

الموجودة في الروضة المطهرة وعلى هذا فقد حاصر المدينة المقدسة

بجيوشه وكان أهالي النجف في رعب شديد فقسم منهم من فر إلى

الخارج والقسم الثاني من تسلح للدفاع عن كرامة المدينة المشرفة

بقيادة الزعيم الأكبر آية الله الشيخ جعفر الكبير صاحب كشف

الغطاء قدس سره يتقدمهم العلماء الأعلام كالشيخ حسين نجف

والشيخ خضر شلال والسيد جواد صاحب مفتاح الكرامة والشيخ

ملا كتاب وغيرهم من العلماء الأتقياء والمشايخ الأخيار والقسم

الثالث التجأ إلى المرقد المقدس للاحتماء به بقولهم الدارج " أنت حامي

الحما واتريد لك حماي " فتشتت جيوش سعود الوهابي في الحادثة

الأولى والثانية على أثر الكرامات والمعجزات التي ظهرت من الضريح

المقدس .

وقد وقفنا على قصيدة للسيد أبي الحسن ابن الشاه كوثر النجفي

في واقعة الوهابيين سنة 1221 ه‍ كما في مجموعة الشبيبي وإنه يصف لك

تلك المناقب المقرونة بتلك الحوادث :

بشرى لمن سكنوا كوفان والنجفا * وجاوروا المرتضى أعلى الورى شرفا

مولى مناقبه عن عدها قصرت * كل البرايا ولم تعلم لها طرفا

منها " سعود " كساه الذل خالقه * ولم يزل بنكال دائم وجفا

أراد تهديم ما الباري يشيده * من قبة لسقام العالمين شفا

‹ صفحة 190 ›

وجمع الجيش من أهل الحجاز ومن * سكان نجد ومن للمؤمنين قفا

وقد أتى الناس قبل الفجر في صفر * بتاسع الشهر نحو السور قد زحفا

مقسما جيشه أقسام أربعة * كل له سائق يعبيه إن وقفا

حتى أتى السور قوم منهم فرقوا * ففاجأوا حتفهم في الحال قد صدفا

وصف بالباب قوما مكثرين لها * من المعاول في حزب قد ارتدفا

والناس في غفلة حتى إذا انتبهوا * أعطوا الثبات وباريهم بهم رؤوفا

فهزموا الجند نصرا من آلهم * والسوء عنهم بعون الله قد صرفا

ورد سلطان نجد ملء أعينه * حزنا وقد باء بالخسران وانصرفا

فلا السلالم والأدراج نافعة * بل ربنا قد كفانا شرها وكفى

وقد طوى الله وقت الحرب في عجل * لأنه لم يكن ما كان قد وصفا

ولم ينل غير قتل في جماعته * والكل في عدد القتلى قد اختلفا

وكان مذ بان نجم الصبح أوله * ومنتهاه طلوع الفجر حين صفا

وثم معجزة أخرى لسيدنا * في ذلك اليوم من بعض الذي سلفا

قد كان في حجره في الصحن ما ادخروا * وجمعوه من البارود قد جرفا

أصابه بعض نار ثم بردها * مبرد نار إبراهيم إذ قذفا

فلا تخف بعدها عاينت من عجب * ولا تكونن ممن قله رجفا

وقر عينا وطب نفسا فإنك في * جوار حامي الحما قد صرت مكتنفا

وقال في خبر كوفان في حرم * ما أمها من بغي إلا وقد قصفا

‹ صفحة 191 ›

ومذ تقطع قلب الجور أرخه * ( نحس بدا لسعود إذ رنى النجفا )

6 - كرامة له ( ع ) مع نادر شاه ( 1 )

روي أن نادر شاه كان لا يعرف من الأديان شيئا وعندما أخذ

بغداد شاهد خلقا كثيرا قد أعدوا العدة للسفر فسأل عنهم أرباب دولته

بقوله " إلى أين يسيرون هؤلاء " فقال له الوزير ميرزا مهدي خان

يسيرون إلى زيارة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) وصي رسول

الله وأخوه وزوج ابنته فقال " نادر " هل ترون هناك شيئا من

الكرامات أجابه الوزير بكلمة نعم فقال إني أريد أن أشاهد كرامة

بعيني وإلا أخذت رأسك وهدمت قبة علي بن أبي طالب فقال نعم

يا مولانا إن حضرة علي بن أبي طالب لا يدخلها الخمر ولا الكلاب

أما الخمر فتستحيل خلا وأما الكلاب فتموت أو تفر فأمر نادر شاه

بحمل ثلاث أباريق من الخمر وثلاث كلاب وسلسلها بسلسلة من الذهب

وقبض رأس السلسلة بيده وختم الخمر بخاتمه وأمر بالسير إلى النجف

فلما قربوا من الأرض المقدسة وإذا بالكلاب قطعت السلاسل وفرت

لوجهها فتعجب نادر شاه من ذلك ونظر إلى أباريق الخمر وإذا هي خل

فخر للأرض ساجدا تعظيما لأمير المؤمنين وأمر ببناء ذلك البناء

العظيم ولما أراد الدخول إلى الصحن الشريف لم يتجاسر على الدخول

‹ صفحة 192 ›

فأمر بسلسلة من الذهب وقال ألقوها في عنقي وجروني كالكلب إلى

باب علي فلم يجسر أحد على ذلك وإذا بشخص أقبل من كبد البر وأخذ

السلسلة وألقاها في عنقه وجره إلى باب الصحن فلما زار وخرج سأل

عمن فعل ذلك فتفقدوا الرجل فلم يجدوه ولما كملت القبة الشريفة سألوه

عما يكتبون في قنتها فقال اكتبوا يد الله فوق أيديهم فكتبوا ذلك فقال

الوزير للبنائين إن نادر شاه رجل أعجمي لم يقرأ ولم يكتب فسلوه عما

قال فإن الله أجرى ذلك على لسانه فسألوه فقال اكتبوا ما قلت لكم

أمس وسألوه عما يكتبونه على المنائر الشريفة فقال لهم وكبر أربعا الله أكبر

قيل ولما نظر ميرزا مهديخان إلى أعداد تلك الحروف وإذا هي تاريخ

المنائر الشريفة ثم أمر بتسوير النجف خوفا من الأعراب المعروفين

بشمر وعنزه لأنهم كانوا في أذية النجف وأهلها وركب صندوقا من

الفولاذ على القبر الشريف وكم وكم رأى نادر شاه من المعاجز هناك

وكم وكم خدم من الخدمات لتلك البقعة الشريفة مما لا يسع ذكرها هنا

8 - كرامة له ( ع ) مع الأسد

جاء في فرحة الغري عن الزاهد العابد النقيب ابن طاووس قال

خبرني عبد الرحمن الحربي الحنبلي عن عبد العزيز بن الأخضر عن

محمد بن ناصر السلامي عن أبي الغنائم محمد بن علي بن ميمون البرسي

قال أخبرني الشريف أبو عبد الله قال حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسن

‹ صفحة 193 ›

ابن عبد الله الجوالقي بقراءة علي لفظا وكتبه لي بخطه قال أخبرنا أبي

قال أخبرنا جدي أبو أمي محمد بن علي بن رحيم التناني قال مضيت أنا

ووالدي علي بن رحيم وعمي حسين بن رحيم وأنا صبي صغير في سنة

نيف وستين ومأتين بالليل ومعنا جماعة مختفين إلى الغري لزيارة قبر

مولانا أمير المؤمنين ( ع ) فلما جئنا إلى القبر وكان يومئذ حول قبره

حجر ولا بناء حوله وليس في طريقه غير قائم الغري فبتنا نحن عنده

وبعضنا يصلي وبعضنا يزور وإذا نحن بأسد مقبل نحونا فلما قرب منا

مقدار رمح قال بعضنا لبعض أبعدوا عن القبر حتى ننظر ما يريد فبعدنا

فجاء الأسد إلى القبر فجعل يمرغ ذراعه على القبر وفيه جراح فلم يزل

يتمرغ ساعة ثم انزاح عن القبر ومضى وعدنا إلى ما كنا عليه من

القراءة والصلاة والزيارة وقراءة القرآن .

وقال صاحب كتاب الأنوار العلوية ص 296 " حدثني جماعة من

مشايخ النجف الأشرف على مشرفه الصلاة والسلام أن في سنة المأتين

وخمسة وخمسين بعد الألف من الهجرة جاء أسد وأراد الدخول إلى الحضرة

العلوية للثم تلك الأعتاب السنية فتصايح الناس وسد بواب القلعة بابها بأمر

الحكومة العثمانية فجعل الأسد يزأر من قريح قلبه واضعا براثنه على

لبه وبقي إلى اليوم الثاني ثم مضى وكان يأتي كل ليلة جمعة ويزأر خلف

السور إلى الصباح وكانت الناس تهرب منه فلما طال مكثه عرفت

‹ صفحة 194 ›

الخلائق أنه لم يقصد أذية أحد فكانوا يمرون من حوله وينظرون إليه

جمعا بعد جمع وهو لا يلفت إليهم بل هو شاخص ببصره نحو أسد الله

وأسد رسوله وكان وقوفه في ليالي الجمعة عند ركن السور المعروف

اليوم ( بقولة السبع ) ولما سار خبر هذا الأسد في البلاد وبلغ أهل بغداد

قال عبد الباقي أفندي العمري معاتبا من أمروا بسد الباب ومنعوا

ذلك الأسد من الدخول على ذلك الجناب .

عجبت لسكان الغري وخوفهم * من الأسد الضاري إذ جاء مقبلا

ليلثم أعتابا تحط ببابها * ملائكة السبع السماوات ارحلا

وفي سوحها كم قد أناخت تواضعا * قساورة الغاب الربوبي كلكلا

وهم في حمى فيه الوجود قد احتمى * ومغناه كم أغنى عديما ومرملا

وقد أغلقوا باب المدينة دونه * وذلك باب ما رأيناه مقفلا

فمرغ خدا في ثرى باب حطة * ورد وقد أخفى الزئير مهرولا

فلو عرفوا حق الولاء لحيدر * لما منعوا عنه مواليه لا ولا

9 - كرامة له ( ع ) مع السلطان مراد ( 1 )

لما توجه السلطان مراد من سلاطين آل عثمان إلى زيارة النجف

الأشرف ورأى القبة المباركة من مسافة أربع فراسخ ترجل عن

فرسه فسألوه أصحابه عن سبب نزوله فقال لما وقعت عيني على القبة

‹ صفحة 195 ›

المنورة ارتعشت أعضائي بحيث لم أستطع على الوقوف على ظهر الفرس

وترجلت إجلالا للإمام ( ع ) لأنه أحد الخلفاء الراشدين فقال بعض

المناوئين للإمام الذين كانوا مع السلطان إن كان هو خليفة فأنت أيضا خليفة

ووال على المسلمين واحترام الحي أشد وأولى من احترام الميت فتردد

السلطان ثم تفاءل بكتاب الله فكانت الآية الكريمة " فاخلع نعليك

إنك بالواد المقدس طوى " عندئذ مشى راجلا إلى الحضرة الحيدرية

المطهرة وأمر بضرب عنق الرجل المعترض وأنشد هذين البيتين مشيرا

إلى هذه الكرامة :

تزاحم تيجان الملوك ببابه * ويكثر عند الاستلام ازدحامها

إذا ما رأته من بعيد ترجلت * وإن هي لم تفعل ترجل هامها

وخمس هذين البيتين المولى كاظم الأزري " ره "

وزر مرقدا شمس العلى كقبابه * وجبهة دار الملك دون عتابه

ألم تره م

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 187 ›

( 1 ) ماضي النجف وحاضرها ص 155 " 2 " السيد معصوم هو جد الأسرة العلوية

الموسوية آل الخرسان في النجف

‹ هامش ص 188 ›

( 1 ) دار السلام ، إرشاد القلوب ، الأنوار العلوية " 2 " ممن تطرق إلى حادثة

الوهابيين : العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية ، وصاحب مفتاح الكرامة في

آخر المجلد الخامس وآخر المجلد السابع .

‹ هامش ص 191 ›

( 1 ) الأنوار العلوية

‹ هامش ص 194 ›

( 1 ) الأنوار العلوية ص 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 195 - 211

ع عظم وسع رحابه * تزاحم تيجان الملوك ببابه

ويكثر عند الاستلام ازدحامها .

بباطنه آيات وحي تنزلت * ورسل وأملاك به قد توسلت

لذاك سلاطين لديه تذللت * إذا ما رأته من بعيد ترجلت

وإن هي لم تفعل ترجل هامها

فصار البيتان مطرحا بين العلماء والشعراء وخمسهما جمع من الفضلاء

‹ صفحة 196 ›

ومن نفيس التخميس ما قاله السيد السند العلامة بحر العلوم المهدي

طاب ثراه .

تطوف ملوك الأرض حول جنابه * وتسعى لكي تحظى بلثم ترابه

فكان كبيت الله بيت علابه * تزاحم تيجان الملوك ببابه

ويكثر عند الاستلام ازدحامها

أتاه ملوك الأرض طوعا وأملت * مليكان سحاب الفضل منه تهللت

ومهما دنت زادت خضوعا به علت * إذا ما رأته من بعيد ترجلت

وإن هي لم تفعل ترجل هامها

وقال برد الله مضجعه في التشطير الفائح منه نشر التعبير

تزاحم تيجان الملوك ببابه * ليبلغ من قرب إليه سلامها

وتستلم الأركان عند طوافها * ويكثر عند الاستلام ازدحامها

إذا ما رأته من بعيد ترجلت * ليرفع فوق الفرقدين مقامها

فإن فعلت هاما على هامها علت * وإن هي لم تفعل ترجل هامها

وغيرها من الكرامات العظيمة والتي لا يسعها مجلدنا هذا وقد

تطرقنا آنفا إلى المهم منها والتي تتعلق بالمرقد المقدس فقط .

‹ صفحة 197 ›

القسم الرابع

العمارات التي أجريت على الضريح المقدس

والإنشاءات الأخرى في الروضة المطهرة

وفي الصحن الحيدري الشريف

‹ صفحة 198 ›

القبة والمنائر الذهبيات

وهو المنظر الخارجي

العام للروضة الحيدرية

المطهرة .

منظر السور الرابع لمدينة

النجف قبل انهدامه

وقد أخذت هذه

اللوحة من مكتبة

سعادة الأستاذ الكبير

السيد صادق كمونة المحامي .

‹ صفحة 199 ›

الباب الأول

العمارات التي أجريت على الضريح المقدس

1 - عمارة هارون الرشيد الخليفة العباسي

بنى الرشيد ( 1 ) على الضريح المقدس سنة 170 ه‍ ( 2 ) قبة وجعل لها

أربعة أبواب وهي من طين أحمر وطرح على رأسها حبرة خضراء ، وأما

نفس الضريح الطاهر فإنه بناه بحجارة بيضاء ووضع عليه قنديلا من

الفيروز المرصع بالجواهر اليتيمة ( 3 )

2 - عمارة ( 4 ) محمد ( 5 ) بن زيد المعروف بالداعي المتوفى عام 287 ه‍ - 900 م

بنى محمد بن زيد الداعي على القبر الشريف قبة وحائطا فيه سبعون

‹ صفحة 200 ›

طاقا ، وقد ذكر هذه العمارة ابن أبي الحديد في شرحه ج 2 ص 45 -

46 ولكنه اقتصر على ذكر القبة فقط .

وقد طرأت على هذه العمارة عمارة الريس الجليل عمر بن يحيى القائم

بالكوفة فإنه عمر مرقد جده من خالص ماله . وكان يحيى هذا من

أصحاب الإمام موسى بن جعفر ( ع ) قتل سنة 250 ه‍ وحمل رأسه في

قوصرة إلى المستعين العباسي ( 1 )

وقد ذكر عمارة ابن الداعي الإمام الصادق ( ع ) قبل وقوعها إذ قال ( 2 )

" زار الإمام الصادق جده أمير المؤمنين في النجف فقال عليه السلام

لا تذهب الليالي والأيام حتى يبعث الله رجلا ممتحنا في نفسه في القتل

يبني عليه حصنا فيه سبعون طاقا " اه‍

3 - عمارة عضد الدولة البويهي

هي العمارة الثالثة وقد بناها السلطان عضد الدولة ( 3 ) فناخسرو بن

الحسن بن بويه القمي وكانت عمارته تعد من أجل العمارات ومن أحسن

‹ صفحة 201 ›

ما توصل إليه الفن المعماري في ذلك الوقت وأنها أنشئت سنة 338 ه‍ ( 1 )

وقد بقيت قائمة إلى سنة 753 ه‍ ( 2 )

وقد صرف عضد الدولة البويهي على هذه العمارة أموالا كثيرة

وستر حيطانها بخشب الساج المنقوش وعين لها أوقافا لإدارتها ، وقد

وأصل إصلاح هذه العمارة سائر الملوك والوزراء من البويهيين والحمدانيين

وبعض العباسيين الذين تشيعوا كالمستنصر العباسي ( 3 ) وأولاد وأحفاد

جنكيز خان وغيرهم ، وجميع هؤلاء قد تبرعوا بسخاء مفرط للعمارة

نفسها سواء كان بجلب الأحجار الكريمة أو الآثاث النفيسة أو إجراء

إصلاحات فنية في الروضة الحيدرية المطهرة مما جعل العمارة آية في

الابداع ومعجزة ذلك القرن كما أنبأتنا الكتب التأريخية القديمة ، وقد

شاهد عمارة عضد الدولة الرحالة ابن بطوطة سنة 727 ه‍ وذكر

وصفها في الجزء الأول ص 109 كما جاء في الباب الثالث ص 54

من كتابنا هذا .

4 - العمارة الرابعة ( 4 ) بعد احتراق العمارة الثالثة وما اختلف فيها من الأخبار

بعد احتراق العمارة الثالثة سنة 753 ه‍ - 1352 م أنشئت العمارة

‹ صفحة 202 ›

الرابعة في عام 760 ه‍ - 1358 م ولم يذكر مؤرخو القرن الثامن للهجرة

اسم صاحبها ولم ينسبوها إلى أحد - إلا أن بعض المتأخرين يرتأي أنها

من آثار السلطان أويس بن الشيخ حسن الجلائري ( 1 ) مستشهدا

على ذلك بالخدمات الكثيرة التي أسداها إلى أهل البيت ( ع )

وما قاله السماوي في أرجوزته :

فقام في بناء ذاك الدائر * أويس بن حسن الجلائري

واعتاض من أخشابه الرخاما * هياكلا منحوتة ضخاما

مرصوفة على اعتدال سمت * في حسن شكل وبديع نحت

رأيت منها قطعا رواقي * في جوف سرداب من الرواق

وتم في خمس سنين تهيئه * في سنة الستين والسبع مئة

وأدخل الشاه عباس ( 2 ) الأول إصلاحات كبيرة على هذه العمارة

‹ صفحة 203 ›

يوم زار النجف سنة 1032 - 1622 م فإنه عمر الروضة المطهرة والقبة

والصحن الحيدري ( 1 )

5 - عمارة الشاه صفي ( 2 ) حفيد الشاه عباس الأول

في عام 1047 ه‍ - 1637 م بدأ الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول

‹ صفحة 204 ›

ببناء العمارة الحاضرة بعد أن شاهد تضعضع في القبة المنورة وضيق

ساحة الصحن الشريف ، فأمر الشاه المذكور بهدم بعض جوانب

الصحن الشريف وتوسيعه وتوسيع ساحة الحرم العلوي المطهر .

‹ صفحة 205 ›

والذي تصدى لهذه الخدمة وزيره ميرزا تقي المازندراني بأمر من

الشاه ( 1 ) واستمر العمل ثلاث سنين وصرف لها أموالا طائلة وجلب

أمهر المعمارين والمهندسين مما جعلها بديعة الشكل متقنة الصنع وأوجد

فيها معرفة أوقات الزوال وعدم اختلافه صيفا وشتاء وما تقف عنده

أساتذة الفن من تحكيم بزوغ الشمس في الضريح المقدس وما التزم بها

من المقابلة والمجانسات الفنية وسيأتي وصف الروضة المطهرة في فصل

خاص ونختم البحث بأبيات لعبد الباقي العمري يصف بها قبة المرتضى .

قبة المرتضى علي تعالى * شأنها عن موازن وعديل

من نضار صيغت بغير نظير * في مثال منزه عن مثيل

فوقها كالإكليل لاح هلال * رمقته السها بطرف كليل

كبرت فاستقلت الفلك الدوار * عنها بأن يرى ببديل

إلى أن يقول

هي باء مقلوبة فوق تلك * النقطة المستحيلة التأويل

‹ صفحة 206 ›

وله أيضا

وليلة حاولنا زيارة حيدر * وبدر دجاها مختف تحت أستار

بادلاجنا ضل الطريق دليلنا * ومن ضل يستهدي بشعلة أنوار

فلما تجلت قبة المرتضى لنا * وجدنا الهدى منها على النور لا النار

‹ صفحة 207 ›

الباب الثاني

الأضرحة التي أنشئت على المرقد المقدس

أول من أصلح القبر المقدس الإمام جعفر الصادق عليه السلام كما

مر آنفا ، وأول من عمل ووضع الصندوق على القبر المقدس هو داود

ابن علي العباسي ، وأول من بنى الضريح الطاهر بالحجارة البيضاء هو

الخليفة العباسي هارون الرشيد ، وأن الخليفة المستنصر العباسي زار المرقد

المقدس وعمل الضريح الشريف وبالغ فيه ( 1 )

ثم تعاقبت السلاطين العظام بوضع الصناديق الأثرية الغالية الثمن

والقليلة الوجود على الضريح المقدس كالسلطان نادر شاه ( 2 ) الذي

ركب صندوقا من الفولاذ على القبر الشريف والسلطان الأعظم

والخاقان الأفخم ناصر الدين شاه الذي ركب صندوقا على الصندوق

النادري من فضة وهو الذي يقول فيه عبد الباقي أفندي العمري :

‹ صفحة 208 ›

صندوق الخاتم المنبت بالذهب والعاج الغالي الثمن

والنادر الوجود والموضوع حاليا فوق القبر المقدس

وقد ظهر في اللوحة السيد محمد الرفيعي نائب

سادن الروضة الحيدرية المطهرة مع أحد الزائرين

‹ صفحة 209 ›

ألا إن صندوقا أحاط بحيدر * وذي العرش قد أربى إلى حضرة القدس

فإن لم يكن لله كرسي عرشه * فإن الذي في ضمنه آية الكرسي

1 - صندوق الخاتم ( 1 )

هو صندوق من الخشب المنبت بالذهب والفضة والعاج ولا أغالي إذا قلت

إن هذا الصندوق حين تشاهده لا تبقى في نفسك قيمة للذهب وكلما

أمعنت النظر في الفن الذي شمله من نقوش إلى كتابة تتجدد لك

صورة مجهولة لكثرة التنويع الذي داخله وإليك بعض وصفه :

طوله 16 فوت و 3 سم ، وعرضه 10 فوت و 3 سم ، ارتفاعه 6 فوت

و 3 سم ، كتب على الجهة السفلى للجهة الغربية " قد تشرف ووفق بإتمام

هذا الصندوق الرفيع إخلاصا لوليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )

صنع بأمر كلب عتبة أمير المؤمنين محمد جعفر بن محمد صادق ( أحد

ملوك الزند ) أيده الله بتأيداته في سنة 1202 ه‍ ويشير هذا التأريخ إلى

إنجاز هذا الصندوق وانتهائه أما ابتداء العمل به فقد أشير إليه في الجهة

الجنوبية المعبر عنها ب‍ " الاصبعتين " كتبه محمد بن علاء الدين بن محمد

الحسيني سنة 1198 ه‍ وكتب في أعلى الصندوق من جهة الجنوب

كتيبة فيها سورة ( هل أتى على الإنسان ) بالعاج الأبيض ومنبتة بالفضة

والذهب ، وفي هذه الجهة أربع قوائم كتب على سمت كل قائمة ، ففي

‹ صفحة 210 ›

الأولى تتمة هل أتى وفي الثانية سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وفي

الثالثة والرابعة سبخ اسم ربك الأعلى وقد كتب على باب الأصبعتين

هذه الآية الشريفة " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق

أيديهم ، وفي الجهة الشرقية كتب في الأعلى سورة النبأ وفي الأسفل

سورة العاديات ، وفي الجهة الشمالية وهي التي تقابل الجهة الجنوبية وفيها

أيضا أربع قوائم كتب على الجميع سورة الملك ، وفي جهة الرأس

الشريف في الأعلى كتبت خطبة النبي ( ص ) في حجة الوداع حينما

قام بأمر الله لنصب علي خليفة بعده يوم غدير خم أخذت بسند الإمام

جعفر بن محمد الصادق ( ع ) وفيها كتب في الجهة السفلى حديث نبوي

يا علي أنت أخي وأنا أخوك ، وكتب على الزاوية الرابعة من الجهة

الغربية اسم النجار " عمل بنده خاكسار محمد حسين نجار شيرازي "

وصنع هذا الصندوق ونجارته يعرف بالفن ( الخاتمي )

وكتب في خطوط حول جوانبه الأربع دعاء ذي الجوشن

2 - الشباك الفضي القديم

كان موضوعا على صندوق الخاتم شباك من الحديد الفولاذي وعليه

شباك من الفضة كان قد تبرع به الحاج مشير الشيرازي كتب عليه

بخط جميل كاتبه محمد علي الأصبهاني سنة 1298 وفي الكتيبة العليا من

‹ صفحة 211 ›

الشباك قصيد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 199 ›

( 1 ) إرشاد القلوب للديلمي

( 2 ) وقد جاء في رياض السياحة لزين العابدين

الشيرواني ص 309 أن العمارة وقعت سنة 155 ه‍

( 3 ) العراق قديما وحديثا

( 4 ) فرحة الغري ، ماضي النجف وحاضرها

( 5 ) هو محمد بن زيد بن الحسن بن محمد تقدم بطبرستان ابن إسماعيل جالب

الحجارة ابن الحسن دفين الحاجز ابن زيد الجواد بن الحسن السبط ابن علي بن

أبي طالب عليه السلام ملك بعد أخيه الحسن ومدحه أبو مقاتل الضرير بالأبيات

النونية المشهورة التي آخرها :

حسنات ليس فيها سيئات * مدحه الداعي اكتبا يا كاتبان

وهو بني المشهد الشريف الغروي أيام المعتضد وقيل في وقعة أصحاب السلطان

وقبره بجرجان .

‹ هامش ص 200 ›

( 1 ) مستدرك الوسائل ج 2 ص 435

( 2 ) ذكره تحفة العالم عن " مدينة المعاجز " للعلامة السيد هاشم البحراني

( 3 ) ولد عضد الدولة في أصبهان يوم الأحد خامس ذي القعدة سنة 324

وتوفي في بغداد يوم الاثنين ثاني شوال سنة 372 وهو أول من لقب بشهنشاه

وكانت ولايته على العراق خمس سنين ونصف وأوصى أن يدفن في الروضة

الحيدرية المباركة فدفن هناك وكان رحمه الله من العلماء المعدودين في الفقه والحديث

والشعر والنحو وهو من السلاطين الدهاة .

‹ هامش ص 201 ›

( 1 ) رياض السياحة ص 209

( 2 ) عمدة الطالب ص 44

( 3 ) فرحة الغري ص 53

( 4 ) ذكر هذه العمارة الديلمي في

إرشاده ومحمد بن سليمان بن زوير السليماني كما في رسالة نزهة أهل الحرمين غير

أنهم لم يذكروا اسم صاحب هذه العمارة

‹ هامش ص 202 ›

( 1 ) عنوان الشرف في وشي النجف

( 2 ) جاء في هامش ماضي النجف وحاضرها ص 35 ما يلي : - ( لهذا السلطان

آثار جليلة في النجف منها الأواوين التي عمرها وفقا للزائرين وكانت تعرف بالخيابان

ومحلها جهتا السوق الكبير اليوم الممتد من الصحن الشريف إلى باب البلدة وقد

شاهدنا آثارها عند هدم السوق قبل سنوات ولكن سلبتها الأيدي العادية وجعلتها

ملكا لها كما سلبت غيرها من الآثار الموقوفة فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومنها الآبار

التي لم تزل حتى اليوم تضاف إليه . وخانات أعدها للزائرين يردد ذكرها النجفيون

في المحافل والأندية ويعينها البعض وهي في محلة المشراق واليوم من أملاك بعض

الأعيان والأشراف . ويقال إن قيسارية الخياطين المتصلة بالصحن الشريف من

جهة الشرق جعلها مستشفى وخان دار الشفاء مطبخا وقيسارية الصاغة المتصلة به

مراحيض ومخفر الحكومة القريب من الصحن مغسلا وهجرت هذه الأماكن بعد

حين فاستولت عليها الحكومة والأهالي فإن قيسارية الخياطين بعد أن هجرت وصارت

محلا للكناسة والقاذورات استأجرها الملا يوسف من الشيخ صاحب الجواهر " ره "

مدة طويلة وعمرها وأصلح أواوينها وجعلها دكاكين والزم بعض أهل الحرف

والصنائع بالجلوس بها كما حدثني بذلك الثقة السيد هادي حبوبي عن عمه السيد محمد

عن جده السيد كاظم " أه‍

‹ هامش ص 203 ›

( 1 ) كما في ملحق روضة الصفا الفارسي لرضا قلي المتخلص بهداية طبع إيران

سنة 1370 ه‍ ومثله في المنتظم تأليف محمد حسن خان صنيع الدولة ج 2

ص 179

( 2 ) نثبت أدناه نص ما جاء في الكتب التأريخية حول العمارة الخامسة لإيضاح

ما اختلف فيه المؤرخون : -

جاء في كتاب ملحق روضة الصفا ج 1 لرضا قلي " صدر الأمر اللازم بتجديد

عمارة القبة والمرقد لحضرة سلطان الأولياء والأوصياء سلطان السلاطين مسند

الإمامة والولاية والهادي إلى طريق السعادة والهداية أسد الله الغالب سلام الله عليه

وعلى أبنائه أجمعين بعد مرور الدهور وتعاقب الأعوام والشهور حصل تكسر

وأراد توسعه ذلك الحرم الذي هو توأم مع الجنة وكان الذي تصدى لهذه الخدمة

وزيره ميرزا تقي المازندراني وأقام في هذا العمل ثلاث سنين جمع المعمارين

والمهندسين في النجف ووجدوا حولي النجف معدن الصخور في غاية الصفاء

وبهاء اللون فعملوا منه ما يحتاجون إليه " أه‍

وجاء في المنتظم الناصري ج 2 ص 182 ذكر في حوادث سنة 1042 ه‍ : -

" جئ بماء الفرات إلى أرض النجف بحكم الشاه صفي فإنه حين ما جاء زائرا

القبة المنورة وذلك المرقد الطاهر رأى بعض النقصان في بناء المرقد أمر وزيره ميرزا

تقي المازندراني بإصلاح تلك الأماكن المشرفة فجاء بالمعمارين والمهندسين إلى النجف

ومكث فيها ثلاث سنين مشغولا بهذا العمل ووجدوا معدن صخر في غاية الصفاء

والجودة حوالي النجف فنقل منه ما يحتاجون إليه " أه‍ .

وذكر هذه العمارة العلامة السيد حسن الصدر كما جاء في هامش ماضي النجف

وحاضرها ص 37 " وهذه العمارة ذكرها العلامة الكبير السيد حسن الصدر دام

ظله وزعم أن الابتداء بها كان سنة 1047 في عصر الشاه صفي ولما توفي سنة 1052

قام ابنه الشاه عباس الثاني مقامه فأتمها . قال وما اشتهر بين أهل النجف من أنها

عمارة الشاه عباس لا بد أن تكون بهذا الاعتبار . " يعني الشاه عباس الثاني ، ثم نفى

الشهرة الطائرة بين النجفين من أنها كانت بنظر الشيخ البهائي " ره " وأنها في زمن

اليشاه عباس الأول وكذب ما يدعيه بعض أهل العلم من النجفين من أن الشيخ

البهائي رسالة في عمارة المشهد ووضعه الهندسي - قلت ما اشتهر بين النجفيين من

أن العمارة كانت في زمن الشاه عباس الأول هو صحيح لا شبهة فيه فإنهم تلقوه خلفا

عن سلف وتسالموا عليه يدا عن يد وهي كسائر أماكنهم المقدسة التي يثبتونها

والآثار التي يعلمونها . ويعضد شهرتهم المصدر التأريخي كما ذكرنا عن المنتظم

الناصري وعن ملحق روضة الصفا الفارسي فإنهما عدا من آثار الشاه عباس الأول

بناء القبة والصحن الشريف والروضة " كما تقدم نقله " فعلى هذا يمكن أن يقوم

الشيخ البهائي بهذه الخدمة الجليلة وهو معاصره . مع إنا لم نقف على من ذكر أن

الشاه عباس الثاني عمر القبة أو زار النجف .

واستشهد السيد دام ظله على ما ادعاه بكلام لمحمد بن زوير السليماني ، والسيد علي

الشولستاني والذي وقفت عليه من كلام الأخير منها كما هو منقول في مزار البحار

وكشكول الشيخ يوسف البحراني لا يثبت أن الابتداء بأمر الشاه صفي والختام

بأمر الشاه عباس الثاني ولا ينفي عمارة الشاه عباس الأول ) أه‍

‹ هامش ص 205 ›

( 1 ) روضة الصفا ج 1 لرضا قلي

‹ هامش ص 207 ›

( 1 ) فرحة الغري

( 2 ) الأنوار العلوية ص 294

‹ هامش ص 209 ›

( 1 ) مجلة الغري السنة الثالثة ص 249

‹ هامش ص 211 ›

( 1 ) من كتاب صحيح الأخبار في آل النبي المختار لمؤلفه الخطيب الشيخ

مسلم الجابري " مخطوط "

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 211 - 221

دتان أحدهما ( 1 ) لابن أبي الحديد وهي التي يقول فيها :

يا برق إن جئت الغري فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع

وتبدأ هذه القصيدة مما يلي الرجلين لضريح الإمام وتختم في الجهة

الثالثة مما يلي الرأس ، والقصيدة الثانية للعلامة الكبير الشيخ إبراهيم

ابن العلامة الشيخ صادق آل صادق العاملي المتوفى في ( الطيبة )

أم قرى جبل عامل سنة 1278 ه‍ وإليك أبياتا من القصيدتين المذكورتين :

أبيات من القصيدة الأولى لابن أبي الحديد :

يا برق إن جئت الغري فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع

فيك ابن عمران الكليم وبعده * عيسى يقفيه وأحمد يتبع

بل فيك جبريل وميكال وإسرافيل * والملأ المقدس أجمع

بل فيك نور الله جل جلاله * لذوي البصائر يستشف ويلمع

فيك الإمام المرتضى فيك الوصي * المجتبى فيك البطين الأنزع

الضارب الهام المقنع في الوغى * بالخوف للبهم الكماة يقنع

والسمهرية تستقيم وتنحني * فكأنها بين الأضالع أضلع

والمترع الحوض المدعدع حيث لا * واد يفيض ولا قليب يترع

ومبدد الأبطال حيث تألبوا * ومفرق الأحزاب حيث تجمعوا

والحبر يصدع بالمواعظ خاشعا * حتى تكاد لها القلوب تصدع

‹ صفحة 212 ›

حتى إذا استعر الوغى متلضيا * شرب الدماء بغلة لا تنقع

متجلببا ثوبا من الدم قانيا * يعلوه من نقع الملاحم برقع

زهد المسيح وفتكه الدهر الذي * أودى به كسرى وفوز تبع

هذا ضمير العالم الموجود عن * عدم وسر وجوده المستودع

هذي الأمانة لا يقوم بحملها * خلفاء هابطة واطلس أرفع

تأبى الجبال الشم عن تقليدها * وتضج تيهاء وتشفق بلقع

هذا هو النور الذي عذباته * كانت بجبهة آدم تتطلع

وشهاب موسى حيث أظلم ليله * رفعت له لألاؤه تتشعشع

يا من له ردت ذكاء ولم يفز * بنظيرها من قبل إلا يوشع

يا هازم الأحزاب لا يثنيه عن * خوض الحمام مدجج ومدرع

يا قالع الباب الذي عن هزه * عجزت أكف أربعون وأربع

لولا حدوثك قلت إنك جاعل * الأرواح في الأشباح والمستنزع

لولا مماتك قلت إنك باسط * الأرزاق تقدر في العطاء وتوسع

ما العالم العلوي إلا تربة * فيها لجثتك الشريفة مضجع

ما الدهر إلا عبدك القن الذي * بنفوذ أمرك في البرية مولع

أنا في مديحك الكن لا أهتدي * وأنا الخطيب الهزبري المصقع

أأقول فيك سميدع كلا ولا * حاشا لمثلك أن يقال سميدع

بل أنت في يوم القيامة حاكم * في العالمين وشافع ومشفع

‹ صفحة 213 ›

ولقد جهلت وكنت أصدق عالم * أغرار عزمك أم حسامك اقطع

وفقدت معرفتي فلست بعارف * هل فضل علمك أم جنابك أوسع

لي فيك معتقد سأكشف سره * فليصغ أرباب الهوى وليسمعوا

وأبيات من القصيدة الثانية للعلامة العاملي

هذا ثرى حط الأثير لقدره * ولعزه هام الثريا يخضع

وضريح قدس دون غاية مجده * وجلاله خفض الضراح الأرفع

أنى يقاس به الضراح علا وفي * مكنونه سر المكون مودع

جدث عليه من الجلال سرادق * ومن الرضا واللطف نور يلمع

وقد خمس القصيدة بكاملها ولده سماحة العلامة عبد الحسين العاملي فقال

عج بالغري وحول كعبة فخره * أحرم وطف وانشق تضوع نشره

وأشر به لثرى الوصي وقبره * هذا ثرى حط الأثير لقدره

ولعزه هام الثريا يخضع

وقد كتب على جوانبه بعض الآيات القرآنية والأسماء الحسنى

الشريفة وأبيات فارسية وعلى أركانه الأربعة رمان من الذهب .

وإن هذا الشباك الفضي في خزانة الإمام ( ع ) بالنظر لاستبداله بشباك

فضي جديد والموضوع حاليا على المرقد والمعمول من قبل سلطان البهرة

والذي سيأتيك وصفه في محل آخر

‹ صفحة 214 ›

منظر الشباك

الفضي القديم

قبل قلعه

الهنود الموفدون من

قبل سلطان البهرة

لأجل جلاء الشباك الفضي

الجديد والموضوع

حاليا على المرقد

المقدس

‹ صفحة 215 ›

3 - وضع الزجاج على صندوق ( 1 ) الخاتم الثمين

وضع الزجاج على الصندوق الثمين عند إكمال الشباك الفضي الجديد

وهو يفصل صندوق الخاتم عن شباك الفضي الذي تم صنعه في الهند

على نفقة سلطان البهرة . وأن هذا الزجاج أصبح غشاء بديعا لحفظ

الصندوق من خطر العجاج والأتربة التي كانت قد غمرته طوال السنين

الماضية فبرز بشكل بديع متجلي للناظر صنعه وأن الزجاج المذكور

مع تصليح الصندوق الذي تولى إدارته عمالا من إيران قد جلبوا

خصيصا لهذه الغاية قد تبرع بنفقاتها الوجيه حاج محمد صالح الجوهرجي

نجل محمد سعيد الصائغ من خدم الروضة الحيدرية سنة 1361 ه‍ وإليك

أبيات الخطيب الشيخ حسن السبتي في تأريخ وضع الزجاج .

قد تجلى لعلي مرقد * نوره يجلو الدجى والليل داج

فوقه صندوق قدس خاتم * زانه نقش بابريز وعاج

خلت عرشا وعلي ملك * فوقه علق قنديل وتاج

قد طوى في طيه سر هدى * فاض علما فطمى فضلا فماج

‹ صفحة 216 ›

ضم حامي الجار غام الهدى * عضب دين المصطفى بيت الهياج

ضم سر الله بل آيته * وسناء الله في الأرض سراج

مذ جلوه ابتهج الأفق به * وبنور المرتضى زاد ابتهاج

‹ صفحة 217 ›

فوقه ألقوا غشاء حافظا * من زجاج مانعا عنه العجاج

ياله صندوق قدس باهرا * ساطعا أرخه ( يغشاه الزجاج )

4 - الشباك الفضي الحالي

قبل نصب الشباك الفضي الحالي نشرت جريدة البلاد الغراء ( 1 )

عن مراسل جريدة الأهرام في لندن بما يلي :

ضريح جديد فخم للإمام ( ع )

جاء من بومباي أنه عما قريب سيتم العمل في ضريح فخم من

الخشب المموه بالذهب والفضة تبلغ نفقاته " 45 " ألف جنية استرليني

وعند إنجازه سيرسل إلى العراق ليوضع على مدفن الإمام علي بن أبي

طالب في النجف الأشرف وقد نقشت على الضريح آيات من القرآن

الكريم منزلة بالذهب الابريز ويبلغ الذهب المستعمل في هذا الأثر

الفني البديع خمسين رطلا والفضة " 15 " ألف جنية ويبلغ علو الضريح

12 قدما وقطره 20 قدما وقد بوشر العمل فيه منذ عامين بعد ما زار

مدفن الإمام السردار سيد طاهر سيف الدين صاحب زعيم طائفة

داوودي بوهرا ويقال إنه في تلك الزيارة استأذن حكومة العراق في

إبداله الضريح القديم الذي أبلاه الزمان بضريح جديد يرمز إلى الفن

الهندي الحديث فقبلت الحكومة العراقية اقتراحه .

‹ صفحة 218 ›

إكمال نصب الشبكة الفضية

وجاء في مجلة الغري في العدد 101 ، 102 السنة الثالثة تأريخ 1 / 7 / 1361

أنه قد تم نصب الشبكة الفضية على مرقد الإمام أمير المؤمنين علي بن

أبي طالب ( ع ) وهي في غاية الإبداع والفن في القرن العشرين ولقد

سحرت الألباب وحيرت الفكر بالفنون التي تحلتها .

وصف حفلة إزاحة الستار عن شباك مرقد النبأ الأعظم ( 1 )

كان يوم 27 تموز الموافق ليوم 13 رجب يوما عظيما في مدينة

النجف المقدس إذ شهدت فيه مهرجانا عظيما منقطع النظير وحفلا

رائعا منسقا لم يسبق أن شوهد مثيله في مختلف المناسبات وذلك بمناسبة

الانتهاء من نصب الضريح الجديد لمرقد الإمام بطل الإسلام علي بن

أبي طالب ( ع ) والذي أنشأ على نفقة مولانا السيد طاهر سيف الدين

الرئيس الديني لطائفة البهرة في الهند والذي مضى في صنعه مدة تزيد

على الخمس سنوات فجاء آية في الإبداع الفني ومثالا للذوق الممتاز

والصناعة والصياغة البديعة ولقد بلغ مجموع ما صرف عليه 80 ألف دينار

وفيه 10500 مثقالا من الذهب الخالص ومليونين مثقالا من الفضة .

وقد أزيح الستار عن شباك مرقد النبأ العظيم تحت رعاية حضرة

‹ صفحة 219 ›

صاحب الفخامة السيد نوري السعيد في حفل كبير حضرة أكابر العلماء الأعلام

والزعماء والوجوه وكان بصحبة فخامته صاحب المعالم السيد عبد المهدي

المنتفكي وحضرة معالي السيد أحمد مختار بابان فأفتح الحفلة المغفور له

السيد رؤوف الكبيسي مدير الأوقاف السابق بكلمة قيمة لاقت

استحسان الجميع وإليك نصها :

" أقف في هذه الروضة المطهرة خاشعا خاضعا أمام هذا المرقد المقدس

موضع الأسرار ومنبع الهدى والتقى ، المرقد الذي يضم إماما كان له

الحظ الأوفر في تشييد دعائم الإسلام وبطلا عظيما ذب عن رسول

الله ( ص ) في أحرج المواقف وبذل نفسه وأمواله في سبيل الله منذ

كان يافعا إلى أن قضى شهيدا " .

" أقف في هذه البقعة المقدسة في هذا الحفل لألقي كلمتي بمناسبة

تجديد المرقد الشريف من تبرع التقي البار عظمة سلطان البهرة السيد

طاهر سيف الدين وفقه الله للاستمرار على أعمال الخير وتقبل منه ما قدمه

من عمل صالح الماثل أمامنا خدمة لجده أمير المؤمنين ( ع ) أن هذا

المرقد الطاهر لم يزل ولا يزال موضع عناية ملوك المسلمين وأمرائهم

ومحط أنظار العالم الاسلامي عموما قديما وحديثا ، وهذا أكبر دليلا

على قدسية صاحبه والاجماع على التبرك به والاستهداء من هديه الشريف

إن من واجب المسلمين الذين خدموا الدين وتركوا لنا ثروة قيمة

‹ صفحة 220 ›

مادية ومعنوية ، فهم النجوم في سماء الإسلام وهم الهداة إلى الصراط

المستقيم ، ولا شك أن من أعظم أئمة المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي

طالب ( ع ) وأولاده الطاهرين " سلام الله عليهم " الذين لم تزل

مراقدهم كواكب في وجه البسيطة يهتدي بها السالكون ويتبرك بها

الزائرون وهم جديرون بذلك فهم من بيت النبوة ذلك البيت الذي

عمت بركته كل الأنام وتعلقت به قلوب المسلمين جميعا ذلك البيت الذي

سلم إلى أفراده أكثر المسلمين قيادهم وانضووا تحت حكمهم هذا واضرع

إلى الله تعالى أن يوفقنا إلى الأعمال الصالحة بظل صاحب الجلالة الملك

المفدى انضر فرعا في الدوحة الهاشمية ، والوصي المعظم ، وارث الشهامة

والإباء من جده الذي نحن ماثلون في فناء كرمه والسلام على الأئمة

الطاهرين وعليكم جميعا أيها المؤمنون "

ثم تقدم الأستاذ الكبير والخطيب المفوه الشيخ محمد علي اليعقوبي

المعتمد العام لجمعية الرابطة العلمية الأدبية في النجف وألقى خطابا

ارتجاليا قيما تطرق فيه إلى تأريخ البنايات في هذا المرقد العلوي المطهر

وإلى العظماء الذين بذلوا الأموال الطائلة في سبيل تخليد ذكرهم في

البقعة المقدسة وإلى الملوك الذين بذلوا جهودا جبارة في سبيل العناية

بتشييد هذا المرقد العظيم وأشار بصورة مجملة إلى آخر من زار هذا

المرقد المقدس من سلالة البيت الهاشمي المعظم كما شاد بذكر حضرة

‹ صفحة 221 ›

صاحب الفخامة السيد نوري السعيد رئيس الوزراء الذي ساهم في خدمة القضية

العربية في مختلف أدوارها كما شارك في هذه القضية الدينية التي يشكرها له

الجميع وقد ه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 211 ›

( 1 ) من كتاب صحيح الأخبار في آل النبي المختار لمؤلفه الخطيب الشيخ

مسلم الجابري " مخطوط "

‹ هامش ص 215 ›

( 1 ) جاء في ماضي النجف وحاضرها ص 51 : " طرأت على الصندوق إصلاحات

عديدة منها ما كان في أيام الوالي حسن باشا سنة 1126 ومنها ما كان في سنة 1203 وجدد

مرة ثانية على يد السلطان محمد شاه القاجاري كما ذكره المنتظم الناصري ج 3 ص 63

في حوادث سنة 1211 وجدد مرة ثالثة سنة 1262 بأمر المعتمد عباس قلي خان وزير

محمد شاه بن عباس بن فتح علي شاه كما ذكره الخبير البراقي وجدد سنة 1298

على نفقة السيد محمد الشيرازي ويعرف بالمشير .

‹ هامش ص 217 ›

( 1 ) مجلة الغري 29 ربيع الأول 1359 السنة الثالثة

‹ هامش ص 218 ›

( 1 ) مجلة الغري الثالثة العدد 103 ، 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 221 - 238

هتف بحياد حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني وحضرة

صاحب السمو الوصي الأمير عبد الإله المعظم وحضرة صاحب الفخامة

السيد نوري السعيد رئيس الوزراء السابق كما دعا للحكومة الحازمة

بالموفقية وتسديد الخطى .

ثم تقدم الشاعر الأديب السيد محمد جمال الهاشمي والقي قصيدة

عصماء كان موضوعها مولد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وختمها

بما يناسب المقام من ذكر حضرة مولانا صاحب الجلالة الملك المعظم

ووصيه الأمين وفخامة السيد نوري السعيد فاستعيدت أبياتها مرارا بين

التصفيق والاستحسان .

ثم تقدم الشاب الأديب السيد إبراهيم الرفيعي وألقى بالنيابة عن السيد

فخر الدين وكيل عظمة السيد طاهر سيف الدين الذي تبرع بصنع هذا

الشباك للضريح العلوي المقدس بكلمة قيمة كان نصها :

السلام عليكم

سيدي صاحب الفخامة

سادتي العلماء الأعلام

ليس لي في هذا الموقف الرهيب بمشهد الإمام بطل الإسلام علي

‹ صفحة 222 ›

ابن أبي طالب عليه السلام وبمحضر حضرة صاحب الفخامة الرئيس

الجليل السيد نوري السعيد رئيس الوزراء وصاحب السعادة مدير

الأوقاف العام ومتصرف اللواء وحضرات السادة العلماء الأعلام

ووجوه النجف وأعيانها إلا أن ارفع باسم مولاي السيد طاهر

سيف الدين التشكرات الصميمة على ما أولتنا به حكومة العراق وعلى

رأسها حضرة صاحب الفخامة رئيس الوزراء من مساعدات مشكورة

ومقدرة وابتهل إليه جل شأنه أن يشمل شعب العراق العزيز بلطفه وأن

يديم حضرة صاحب الجلالة قرة عين العرب والإسلام مولانا صاحب

الجلالة الملك فيصل الثاني المعظم حرسه الله برعاية حضرة صاحب

السمو الملكي الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله المعظم .

ويحيى الملك المعظم

ويحيى الوصي المعظم

ويحيى فخامة رئيس الوزراء

ويحيى الشعب العراقي النبيل

ثم قصد فخامته الحرم المقدس يحف به كبار العلماء الأعلام والسادة

والوجوه والأشراف وكبار الموظفين حيث أزاح الستار وفتح باب

الضريح وطاف به بخشوع مؤديا واجب الزيارة بمرقد البطل الإمام

عليه السلام وقد وزع فخامته زهاء المائة دينار على خدمة الروضة

‹ صفحة 223 ›

المطهرة وبعد خروجه من الحرم الحيدري توجه إلى عمارة البهرة حيث مكث

بضع دقائق وشكرهم على عملهم العظيم هذا وودع كما استقبل به من

التعظيم في الساعة العاشرة والنصف متجها نحو كربلاء .

منظر رقم ( 3 ) للضريح الفضي المقدس الجديد وقد

ظهرت في اللوحة صورة حاج أكرم ملا حيدر علي

وكيل فيضي حسيني في النجف الأشرف الذي أشرف

على تنصيب الضريح المقدس الجديد .

‹ صفحة 224 ›

صورة تاريخية للإيوان الذهبي

يتوسطه الباب الفضي وهو المدخل الأول

الروضة المقدسة وقد ظهرت في اللوحة

صورة المرحوم الجليل السيد جواد

الرفيعي سادن الروضة المطهرة سابقا

والمغفور له جمعة بك قائممقام النجف في

العهد العثماني والد معالي السيد حسام

الدين جمعة بك وزير الدفاع للمملكة العراقية

باب الضريح الفضي الجديد

وقد ظهر في اللوحة سادن

الروضة الحيدرية الجليل السيد

عباس الرفيعي .

‹ صفحة 225 ›

منظر من مناظر الشباك الفضي الموضوع على المرقد المقدس

حاليا وقد ظهر في اللوحة صورة سلطان البهرة السيد طاهر سيف الدين

‹ صفحة 227 ›

صورة السلطان السيد طاهر سيف الدين مع حاشيته الكريمة ونشرت

هذه اللوحة بمناسبة زيارة مولانا السلطان إلى النجف الأشرف بعد

الأنهاء من تنصيب الشبكة الفضية المعمولة في الهند على نفقة السلطان

‹ صفحة 229 ›

الأستاذ الخطيب والمؤرخ المشهور الشيخ علي البازي يؤرخ عام صنع

الشبكة الفضية .

هذا ضريح سما أوج الضراح علا * بضمنه ضم جسما بالفخار علي

من كل فج له تأتي تطوف به * أهل الولاء وهذا غاية الأمل

تستعطف الله في غفران ما اقترفت * من الذنوب وذا في المسلمين جلي

وصي طه ومن مثل الوصي له * شأن عظيم به الذكر الحكيم ملي

وحينما قام " سيف الدين " جدده * للناظرين حفى بالشكر في العمل

طوبى لشخص له ذكر يخلده * تأريخه ( في ضريح للإمام علي )

علي البازي

وللأديب الفاضل السيد محمد الحلي الحسيني تأريخان الأول يتضمن تجديد

الشباك والضريح :

ضريح قدس قد سما * لصفو سيد البشر

قد جددوا شباكه * أرخته ( نور ظهر )

1361 -

والثاني تأريخ جلاء الخاتم

شباك قدس قد سما رفعة * فكل قلب فيه مسرور

وقد جلوه وبدا نوره * أرخته بالخاتم النور

1361 -

وللشاعر الخطيب الشيخ حسن السبتي :

هذا مقام المرتضى حيدرة * جنة فردوس لمن قد قصده

كعرش بلقيس له الضريح * وهو آصف إليه قد مد يده

ما عرش بلقيس وما الضراح إذ * قد حسدا لجينه وعسجده

فإن من أنفق فيه ماله * وفقه رب العلى وسدده

ومن له مجدد ضريحه * بجنة الخلد غدا ما أسعده

فاخضع وسلم إن تصل ضريحه * أرخ وقل " نعم الضريح جدده "

‹ صفحة 230 ›

الباب الثالث

تذهيب القبة والإيوان والمأذنتين

جاء في التأريخ النادري الفارسي ( 1 ) : " وحيث أنه قد صدر الأمر من

السلطان المذكور بتذهيب القبة المباركة امتثل أمره بذلك خذام العتبة الملكوتية

أحسن امتثال فاعتنوا بتذهيب القبة المطهرة أحسن عناية وقد ضبطوا حساب ما صرف

لهذا المشروع فبلغ ما يعادل خمسين ألف تومان ( 2 ) وقد أحال حساب ذلك إلى

أمير المؤمنين عليه السلام " اه‍

وجاء في بستان السياحة ص 572 " وتصدى نادر شاه لتذهيب القبة

والمأذنتين والإيوان وزاد في عمارة ذلك البلد . " اه‍

أما الآثار التأريخية الموجودة لهذا العمل الجليل فهي :

1 - على جهة الإيوان الذهبي توجد كتابة بالحروف الذهبية ما نصها :

" الحمد لله قد تشرف بتذهيب هذه القبة المنورة والروضة المطهرة الخاقان

الأعظم وسلطان السلاطين الأفخم أبو المظفر المؤيد بتأييد الملك القاهر السلطان

نادر شاه أدام الله ملكه وأفاض على العالمين سلطنته وبره وعدله وإحسانه وقال في

تأريخه ( خلده الله ودولته ) سنة 1156 " اه‍

2 - يوجد في الرواق خلف البابين اللذين عند الرأس الشريف قصيدة

‹ صفحة 231 ›

فارسية مشتملة على تأريخها

وقد أرخ عام وضع الذهب على القبة المقدسة العلامة السيد حسين بن مير رشيد النقوي الهندي الحايري المتوفى سنة 1170 بقصيدة قال فيها :

أمطلع الشمس قد راق النواظر أم * نار الكليم بدت من جانب الطور

أم قبة المرتضى الهادي بجانبها * منارتا ذكر تقديس وتكبير

وصدر إيوان عز راح منشرحا * صدر الوجود به في حسن تصدير

بشائر السعد أبدت من كتائبها * آي الهدى ضمن تشطير وتحرير

قد بان تذهيبها عن أمر معتضد * بالنصر للحق عالي القدر منصور

غوث البرايا شهنشاه الزمان علا * النادر الملك مغوار المغاوير

أدامه الله ذو العرش المجيد لنا * كهفا ودافع عنه كل محذور

فحين تمت وراقت بهجة وأتت * على المرام بسعي منه مشكور

يا طالبا عام إبداء البناء لها * أرخ تجلى لكم نور على نور

4 - والسيد محمد بن أمير الحاج صاحب شرح قصيدة أبي فراس الحمداني

يؤرخ عام الشروع في تذهيب القبة المنورة :

الله أكبر لا قر * ص الشمس في أرض الغري

أم قبة الفلك الذي * فيها أضاء المشتري

أم طور سيناء الكلي‍ * م به كبدر نير

بل قبة النبأ العظيم * وزير طه الأطهر

قد ريم في تذهيبها * زيا وحسن المنظر

وبها يسر الناظرين * سناه قبل الأنظر ( كذا )

منها الشعاع أضاء أبيض * من قديم الأعصر

والآن راقتنا * بقضبان الشعاع الأصفر

رفعت لتقبيل الكواكب * كفها والأزهر

هي رأس جنات العلى * يا كون فيه تعطر

‹ صفحة 232 ›

هي قطب دائرة الوجود * وشمس كل الأدهر

فلذا دعا تأريخها * للشمس قبة حيدر

1155 ه‍

5 - وفي المأذنة الشمالية المجاورة لقبر العلامة الحلي " ره " أبيات فارسية وفيها

تأريخ تذهيبها وفي آخرها اسم كاتبها محمد جعفر ومؤرخه سنة 1156 ه‍

6 - وفي المأذنة الجنوبية المجاورة لقبر المقدس الأردبيلي " ره " خمسة أبيات عربية

وفيها تأريخ تذهيبها .

ويعجت كل نور من سناه * كما شمس الضحى بل صار أنور

تنور عسجدا بمنار عز * يدوم بقاؤه والليل أدبر

نهار مسرة الأمثال أضحى * بذلك صبح أفق المصر أسفر

وفاز بذاك " نادر " كل عصر * فسبح ثم هلل ثم كبر

وقام مؤذن التأريخ فيه * يكرر أربعا " الله " أكبر

1156 هج‍

7 - وللشاعر الشهير السيد نصر الله الحايري قصيدة يمدح بها الأمير ( ع )

ويصف القبة المنورة ويؤرخ عام تذهيبها مطلعها

إذا ضامك الدهر يوما وجارا * فلذ بحمى امنع الخلق نارا

إلى أن قال

تبدي سناها عيانا فارخت * آنست من جانب الطور نارا

ومما تقدم قد علمنا أن المباشرة في التذهيب كان عام 1155 أي في تأريخ زيارة

نادر شاه للنجف الأشرف وفي تلك الزيارة أمر بقلع الحجر القاشاني عن القبة

العظيمة والإيوان والمأذنتين وأمر بتذهيبها وقد جلبوا عمالا أخصائيين لهذه الغاية

وبلغ أجور العمال ما يساوي خمسين ألف تومان أما الذهب والنحاس فكان على نفقة

الشاه وقد أكمل العمل سنة 1156 حسبما جاء في التواريخ المسجلة على القبة والمنائر الذهبيات .

وتوجد في المأذنتين شبابيك منقوشة بالتخريم وبعضها تأريخ التذهيب .

وعلى ما رواه كتاب الأنوار العلوية ص 294 بأن التذهيب جرى أثر الكرامة

العظيمة التي ذكرت في الباب الخامس عشر ص 191 من كتابنا هذا .

‹ صفحة 233 ›

منظر رقم ( 1 ) للباب الذهبي من الأمام وقد ظهر في اللوحة

صورة فضيلة العلامة السيد محمد كلنتر واقفا في منتصف الباب

‹ صفحة 235 ›

منظر رقم ( 2 ) للباب الذهبي من الخلف

‹ صفحة 237 ›

الباب الرابع

الباب الذهبي الجديد ( 1 )

حجم الباب

طول الباب ثلاثة أمتار ونصف غير جبهته المقوسة بشكل هلالي تكون فوقه ،

وعرضه ثلاثة أمتار ذا مصراعين ،

نوع خشب الباب

خشبة من ( الساج ) الممتاز جدا ورصع الخلف منه بخشب النارنج وغيره ،

صناعة الباب خشبيا

صنع الباب على أحسن شكل في مهارة وإتقان وزين الخلف منه حفرا بنقوش

جميلة وأثبت فيه بعض الآيات والأحاديث . ويستطيع الرائي أن يعبر عنه بأعجوبة فن

النجارة في قرن العشرين . وقد قام بعمل ذلك أستاذا فن النجارة في العراق اليوم

السيد الحسيب السيد كريم المرعبي والحاج حسن اليزدي وهذان قد حازا قصب

السبق في مهنتهما ونالا شهرة عظيمة فصنعا الباب وربطا ألواحه بالحديد وب‍ " براغي "

من حديد أيضا .

‹ صفحة 238 ›

ما أنفق على الباب من ذهب وفضة ومينا

أنفق عل

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 230 ›

( 1 ) التأريخ النادري الفارسي ص 237 طبع سنة 1314

( 2 ) التومان الشاهي يساوي مائة تومان بالحساب الدارج كما جاء في هامش ماضي

النجف وحاضرها ص 47

‹ هامش ص 237 ›

( 1 ) صحيح الأخبار في النبي وآله الأطهار " مخطوط " للخطيب الشهير الأستاذ الشيخ

مسلم الجابري

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 238 - 245

لى غشائه من الذهب الخالص ما زنته ثلاثة آلاف وخمس مائة مثقال .

ومن الفضة خمسون ألف مثقال . كل تلك الفضة صيغت صفائح سميكة ووضعت

على وجه الباب مباشرة تحت صفائح الذهب . ووضع على الذهب في أماكن خاصة

من المينا الخالصة الثمينة مقدار ليس بالقليل . وقد غطي كل من مصراعي الباب

وجبهته الهلالية بلوح من الزجاج السميك " المرمر " ليبقى الباب محتفظا بروعته وبهائه

ولئلا تبلى جدته أيدي الزائرين وقام بعمل صياغة ما على الباب من ذهب وفضة ومينا

أشهر أساتذة فن الصياغة في إيران وأمهرهم وهم الحاج محمد تقي الاصفهاني ،

والحاج سيد محمد العريضي الاصفهاني ومحمد حسين پرورش الاصفهاني ، وهؤلاء قد

حازوا على شهادات راقية وأوسمة عظيمة ومداليات شرف من الحكومة الإمبراطورية

الإيرانية لتفوقهم على غيرهم بفن الصياغة .

ما كتب على وجه الباب

كتب على هامش مصراعي الباب ما نظم من الشعر العربي خصيصا لهذا الباب

وفي وسط الباب الأيمن للداخل كتب قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل

إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ، وفي وسط

مصراع الباب الأيسر كتب قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين

يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وعلى ملتقى المصراع الأيمن بالمصراع

الأيسر الثابت كتب اسم الجليل تبارك وتعالى واسم النبي الأعظم محمد صلى الله عليه

وآله وسلم واسم سيدة النساء فاطمة الزهراء ( س ) واسم وصي النبي الإمام " ع "

وأسماء باقي الأئمة الأحد عشر من ولد الإمام علي " ع "

موضع إنشاء الباب وصياغته

إنشاء في محل الوجيه الحاج صالح حلبوص في النجف الأشرف ومحل صياغة

الذهب والفضة والمينا في أصفهان .

‹ صفحة 239 ›

المكان المقرر للباب

المدخل الذي في الإيوان الذهبي لحرم الإمام علي بن أبي طالب " ع " ويوسع

هذا المدخل على القدر الذي يتطلبه حجم الباب .

ما أنفق على الباب

أنفق على الباب من الذهب والفضة والمينا والخشب والحديد ومصاريف

أخرى ما يساوي عشرين ألف دينار عراقي .

المفكر في تكوين هذا الباب

فكر في تكوين هذا الباب العظيم وتصدى للقيام بإنشائه فضيلة العلامة السيد

محمد نجل الحسيب النقي السيد سلطان علي كلانتر . وكابد في سبيل ذلك كل مشقة

وعناء وقد سافر لأجل إنشاء هذا الباب وإتمام هذا العمل المقدس خمس مرات إلى

إيران وبذل في سبيل تحقيق هذه الأمنية ما في وسعه من حول وطول واستمر

يكدح ويجد مدة سنتين وأخيرا وفق إلى ذلك بعناية من ولي التوفيق .

الباذلون لإنشاء الباب

توصل السيد ( كلانتر ) بسعيه الحثيث إلى إنهاض ثلاثة من محبي الخير من

المؤمنين لمناصرته ومؤازرته والقيام بالانفاق على هذا الباب بالغا ما بلغ وهؤلاء من

أعاظم تجار إيران ومن أشراف عاصمتها طهران وهم : المحسن الكبير الحاج مرزا مهدي

مقدم ، والتاجر العظيم الوجيه النبيل الحاج كاظم آغا توكليان مقدم ، والوجيه

الجليل التاجر المحترم الحاج ميرزا عبد الله مقدم ، فأنفقوا عليه ذلك المبلغ المذكور

من رؤوس أموالهم لا من الحقوق الشرعية التي تعودوا على إعطائها لمستحقيها

من فقراء المسلمين .

هذه صورة وجيزة قدمناه للقراء عن هذا الباب وأنه آية في الإبداع

كثر الله الساعين إلى الخير والعاملين عليه بإخلاص .

‹ صفحة 240 ›

الباب الخامس

أبواب الفضة

للروضة الحيدرية المطهرة ستة أبواب فضة وأنها على ما يلي :

الباب الأول

من آثار الحاج محمد حسين خان الاصفهاني الصدر الأعظم وقد نصب في

حدود سنة 1219 ويقع في وسط الإيوان الذهبي .

البابان الثاني والثالث

هما اللذان يدخل منهما الداخل من الرواق إلى الحرم المطهر ، فالباب الواقع على يمين الداخل

إلى الحرم المطهر نصب سنة 1283 في زمن السلطان عبد العزيز وكان الباذل لنفقته

لطف علي خان الإيراني .

الباب الرابع والخامس

في داخل الحرم بابان فضيان هما عند الرأس الشريف أحدهما من جهة الشمال

نصب يوم الثلاثاء رابع ربيع الثاني سنة 1316 وكانت لنفقته بنت أمين

الدولة زوجة علي شاه كما ذكره البراقي .

ونصب الآخر يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الثاني سنة 1318 والباذل

‹ صفحة 241 ›

لمصروفاته الحاج غلام علي المسقطي كما ذكره البراقي أيضا ( 1 )

الباب السادس

نصب سنة 1341 وأنها أثمن الأبواب وأغلاها نفع بباب الرواق مقابلا لباب الصحن

الشريف القبلي بذلت مصروفاته الحاجة طخه والدة الزعيم الحاج عبد الواحد

آل سكر زعيم آل فتلة وقد بلغت نفقات هذا الباب ألفا ومائتي ليرة ذهبية ويعرف

هذا الباب بباب المراد .

وعليه قصيدة وفيها تأريخ عام نصبه لحجة الإسلام الشيخ عبد الكريم

الجزائري ( 2 )

قف بباب المراد باب علي * تلق للأجر فيه فتحا مبينا

هو باب الله الذي من أتاه * خائفا من خطاه عاد أمينا

واخلع النعل عنده باحترام * فهو بالفضل دونه طور سينا

واطلب الأذن نحو ضريح * فيه أضحى سر الإله دفينا

قد لجأنا بحب من حل فيه * ويقينا من العذاب يقينا

أنا في الحب والولا رافضي * لم أجد غير حبه لي دينا

يا سفين النجاء لم أر إلا * أملي فيك للنجاة سفينا

يا إمام الهدى ببابك لذنا * من ذنوب أبكين منا العيونا

لك جئنا فاشفع لنا وأجرنا * يوم لا مال نافع أو بنونا

فتح الله للورى بعلي * باب خير يأتونه أجمعينا

قل لقصاد بابه أدخلوه * بسلام لكم به آمنينا

فهو باب به الرجا أرخوه * ذاك باب المراد للزائرينا

‹ صفحة 242 ›

الباب السادس

إصلاح القبة والمئذنتين

إصلاح القبة المطهرة

1 - إصلاح القبة المطهرة للمرة الأولى : في شهر ذي الحجة سنة 1304

حيث حدث في القبة شق ، وكانت الأسباب لحدوث هذا الشق هي :

أولا - ارتفاع القبة المطهرة وثانيا - لبعد عهد عمارتها وثالثا - لمقاومتها

للهواء . وقد جرى إصلاح القبة بعد أن قلعوا الذهب وجعلوا لها طوقا من حديد وبعد

إكمال التصليح أعادوا إليها الصفائح الذهبية وكان ذلك بنظارة المعمار الأستاذ

الشهير الحاج محسن والأستاذ النجار ( حسين الشمس ) وقد كان تاريخ

الانتهاء من العمل في آخر شهر ربيع الأول من سنة 1304 ( 2 )

ب - إصلاح القبة المشرفة للمرة الثانية : في سنة 1347 تضعضعت بعض

الصفائح الذهبية وقد حدث في القبة انفكاك مما دعا إلى تغلغل المطر إلى داخل

القبة المنورة وعلى هذا فقد قلع الطاق الذهبي وأصلح المتصدع منه وبنيت تلك

الفرج التي حدثت ثم أعيد إليها الذهب وقد كان العمل تحت نظارة الأستاذ

الذائع الصيت الحاج سعيد نجل الأستاذ الحاج محسن المذكور وقد كان تأريخ

انتهاء العمل في شهر ربيع الثاني سنة 1348 ه‍

2 - إصلاح المئذنتين

جرت إصلاحات كثيرة على المئذنتين وذلك عقيب تذهيبها من قبل نادر شاه

‹ صفحة 243 ›

حسب التواريخ المتسلسلة والمذكورة أدناه :

أ - " جرى إصلاح المئذنتين بأمر الحاج محمد حسين خان الأسبهاني وزير فتح

علي شاه سنة 1236 وذلك عقيب تذهيب النادر لهما إذ حدث تضعضع في بعض

جوانبها وسقط الصفيح الذهبي " " 1 "

ب - وفي سنة 1281 أصلحت المئذنة الجنوبية المجاورة لمرقد المقدس

الأردبيلي بأمر السلطان عبد العزيز خان العثماني وكان نوع الإصلاح هو

إعادة بناء المئذنة بعد هدمها وقلع ما عليها من الذهب ثم إعادة تركيب الذهب

بعد الانتهاء من التصليح المذكور .

ج - وفي سنة 1315 أصلحت المئذنة الشمالية المجاورة لمرقد العلامة الحلي

( ره ) بأمر السلطان عبد الحميد خان العثماني وكان نوع الإصلاح هدمها إلى

النصف وإعادة بنائها بعد قلع الذهب وتركيبه من جديد وكان تأريخ انتهاء

العمل في عاشر جمادي الثانية 1316 ه‍ .

د - وفي شهر جمادي الأول سنة 1352 أصلحت المئذنة المجاورة لقبر المقدس

الأردبيلي قدس سره وكان نوع الإصلاح هدم قسم الأعلى من المئذنة بعد

أن قلع الذهب وأعيد بناؤها مع تركيب الذهب وكان على نفقة الأوقاف

للحكومة العراقية .

ه‍ - وفي سنة 1366 ه‍ - قامت مديرية الأوقاف العامة للحكومة العراقية

بهدم القسم العلوي للمئذنة الشمالية وذلك للمباشرة ببنائها من جديد وذلك بناء على

التقارير التي رفعت إلى مديرية الأوقاف من المهندسين والأخصائيين الذين قدموا

النجف لهذا الغرض .

‹ صفحة 244 ›

الباب السابع

إصلاحات وتعميرات وإنشاءات مختلفة

في الروضة المطهرة وفي الصحن الشريف

1 = إصلاح الروضة المطهرة

إن المرايا الملونة والريازة البديعة الموجودة في الروضة المطهرة كلها حدثت بعد

عصر الشاه صفي وكانت الحضرة قبل هذا التأريخ مبنية بالحجر القاشاني وأن

أكثر التاريخ لعمارة الحضرة المعظمة قد انطمس على أثر تلك التغييرات التي حدثت

في الروضة المطهرة وعلى هذا فإن أقدم أثر موجود في الروضة المقدسة يرجع تأريخه

إلى سنة 1121 ه‍ والبعض الآخر يرجع تأريخه إلى زمن النادر .

ويوجد في الحرم من جهة الرأس الشريف في الدعامة التي تكون مقابلة للقبلة

بيت تأريخ يوافق سنة 1204 ه‍

قل لمن يسأل عن تاريخها * " هي صرح من قوارير ممرد

وهو تأريخ وضع المرايا الموجودة عند الرأس الشريف فقط .

أما الحضرة فسقفها مزان بالفسيفساء وجدرانها بالزجاج الملون ذي الأشكال

الهندسية المختلفة وأعلا الجدران ملون بألوان مختلفة ومكتوب فيه السور القرآنية

الصغيرة والأحاديث الشريفة

2 = وضع الزجاج في الرواق

في سنة 1285 وضع في الجانب الشرقي من الرواق النقوش الزجاجية

‹ صفحة 245 ›

والنجارة الفنية والباذل لمصروفاته الرجل التقي " الحاج حمزة التركي "

أما الجهات الأخر الثلاث فبذل لها " الحاج أبو القاسم البوشهري " وأخوه

" الحاج علي أكبر " ابنا المرحوم الحاج محمد شفي الكازروني والمتولي للمصروفات

من قبلهما هو الثقة الحاج عبد الصاحب الكازروني النجفي ، وقد شرع في العمل

ابتداء من سنة 1307 واستمر العمل لمدة سنة واحدة ، وكان الرواق قبل وضع

الزجاج أي قبل تأريخ سنة 1285 مبنيا بالحجر القاشي الأزرق .

3 = بناء السراديب وتعبيد أرض الصحن الشريف

جاء في ماضي النجف وحاضرها ص 61 ما نصه " كانت أرض الصحن المطهر

القديمة منخفضة وهي محل القبور التي يدفن بها اليوم ولمرور عشرات من السنين

وما يحصل

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 241 ›

( 1 ) ماضي النجف وحاضرها ص 55

( 2 ) ماضي النجف وحاضرها ص 55

‹ هامش ص 242 ›

( 1 ) اليتيمة الغروية للبراقي " مخطوط "

‹ هامش ص 243 ›

( 1 ) البراقي

‹ هامش ص 245 ›

( 1 ) في أمل الآمل في ترجمة الشيخ ناصر البويهي ذكر البويهين وعمارتهم

النجف . . فقال وقبورهم هناك ظاهرة مشهورة . هذا في عصره وقد توفي ( ره )

سنة 1104 ولم يبعد عهده وقد ضاعت هذه القبور ولم نقف لها اليوم على عين

ولا أثر .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 245 - 251

فيها من مجاري السيل وهبوب الرياح وما تجلبه من التراب والأحجار الكثيرة

ارتفعت الأرض المحيطة بالصحن المقدس من سائر جهاته وتوعرت أرضه لكثرة ما فيها من

القبور والمحاريب وكانت سائر المحاريب ظاهرة بارزة ( 1 ) على وجه الأرض حتى

كان عصر العلامة الكبير السيد محمد مهدي بحر العلوم رحمه الله ، فلما رأى ذلك ولم يكن

بالسهل المرور في الصحن المقدس أمر بطم ساحة الصحن وعملت السراديب على ما هي

عليها اليوم وعبدت أرضه بالصخر والمرمر وكان ذلك سنة 1206 وكان الباذل لمصروفاته

( مير خير الله الإيراني ) واسمه ضمن خمسة أبيات عربية وفيها تأريخ العمارة المذكورة

منقوش في صخرة كبيرة على يمين الخارج من الصحن الشريف من الباب الشرقي

الكبير ومقابلها أبيات فارسية وفيها أيضا اسمه مع تاريخ العمارة - والأبيات العربية

من قصيدة للشاعر النجفي الشهير السيد محمد زيني الحسني المتوفى سنة 1216 مثبتة

في ديوانه المخطوط وهي تشتمل على عدة تواريخ . مطلعها :

لقد أنعم الباري وجل عطاؤه * على ( مير خير الله ) وهو جاره

‹ صفحة 246 ›

إلى أن قال ( وهي المكتوبة على الصخرة ) :

جزى " مير خير الله " خير إلهه * كما حل في الدارين منه جزاؤه

فقد كان تعظيم الشعائر دأبه * وفي كل ما يرضي الإله اعتناؤه

توعر حينا صحن روضة حيدر * فسواه سهلا للمشاة فناؤه

ومهده والشكر لله دأبه * فأثنت عليه أرضه وسماؤه

فأنشأت لما أن بناه مؤرخا * ( بنامير خير الله باد بهاؤه )

وفي القصيدة تواريخ أخر لم تكتب على الصخرة وهي :

وإن شئت تاريخا ليوم بنائه * لتعلم من قد كان منه بناؤه

فقل ( مير خير الله بانيه جده ) * وذلك تأريخ جلي خفاؤه

وقل ( مير خير الله وطأ بانيا ) * فجل بذا التأريخ منه رجاؤه

وقل ( مير خير الله لله حبه ) * فمن ذلك التأريخ بان ولاؤه

واتبع تواريخا أتتك مؤرخا * ( بنا مير خير الله باد بهاؤه )

وفي شهر شوال سنة 1315 قلعت أحجار أرض الصحن المقدس بأمر

السلطان عبد الحميد الثاني ، وأصلحت السراديب وأعيدت على ما هي عليه اليوم

فظهرت هناك قبور بعض السلاطين وشاهدها كثير من النجفيين وهي تكون تحت

القبور التي يدفن بها الآن وكان تمام العمل سنة 1316 يوم الخميس عاشر جمادي

الثانية وقد ارخ هذا الاصلاح العلامة السيد جعفر آل بحر العلوم دام علاه بقوله :

وقد فرش السلطان ساحة حيدر فراش علا ارخ * ( لقد فرش العرشا )

4 = تجديد الحجر القاشاني وتأريخ وضعه في الصحن الشريف

كانت أواوين الصحن قبل تجديدها مغشاة بالأحجار القاشانية وذلك في عهد

( الشاه صفي ) وأن هذه الأحجار تكسر بعضها وقلع البعض الآخر بالنظر لمرور

زمن ليس بالقليل عليها . وقد تصدت لتجديد القاشي زوجة " نادر شاه الخاتون

كوهر شاه بيكم " وكان بدء الشروع سنة 1156 ه‍ وانتهاء العمل سنة 1160 ه‍

وصرفت مائة ألف نادري ( 1 ) لهذا المشروع العظيم .

‹ صفحة 247 ›

وقد ذكر " العلامة السيد حسن الصدر " بأن المتولي لهذا المشروع ميرزا

مهدي وهو من أجداد " الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم "

وقد طرأت تبديلات على الحجر القاشي من عبد مرور مدة على تجديده ، وضاع

أكثر معالمه وتاريخه بالنظر للتغيرات والتعميرات والإصلاحات والإضافات التي

حصلت في ا لروضة المقدسة وفي الصحن الشريف ولم يبق منه إلا القليل .

ويوجد من هذا الحجر في إيوان العلماء وتأريخه إلى نادر شاه ، وفي هذا

الإيوان توجد قصيدة " لقوام الدين " يرجع تأريخها إلى سنة 1160 أي تأريخ

انتهاء عمل تجديد القاشي وأنها موقعة باسم كاتبها " كمال الدين حسين كلستانه "

القصيدة

يا رب خير المسلمين * سلم على نوح الأمين

والمصطفى والمرتضى * غيث الورى ليث العرين

والبضعة الطهر التي * باتت على القلب الحزين

وابنيهما نوريهما * سبطي حبيب الصالحين

والعابد الهامي البكا * زين العباد الساجدين

والباقر العالي السنا * والصادق النور المبين

والكاظم السامي العلا * ثم الرضا الحبل المتين

ثم التقي المهتدي * هادي الفريق السالكين

ثم الزكي العسكري * مقصود أرباب اليقين

والحجة الهادي آل * نهج الطريق المستبين

يا رب آل المصطفى * سلم عليهم أجمعين

تسليم لطف فاتح * يذكي شذاه الياسمين

‹ صفحة 248 ›

واعطف على أشياعهم * آمين رب العالمين

واغفر لمن والاهم * يا غافرا للمذنبين

وأنظم قواما عبده * في خير أصحاب اليمين

ويوجد من الحجر القاشاني أيضا في الإيوان الكبير المواجه للقبلة تحت

الميزاب الذهبي وتوجد قصيدة وأبيات مؤرخة سنة 1157 ه‍

القصيدة

صل يا رب على شمس الضحى * أحمد المختار نور الثقلين

وعلى نجم العلى بدر الدجى * من عليه الشمس ردت مرتين

وبسيفين ورمحين غزا * وله الفتح " ببدر وحنين "

وعلى الزهراء مشكاة الضيا * كوكب العصمة أم الحسنين

وشهيدين سعيدين هما * آدم الآل " علي بن الحسين "

وعلى مصباح محراب الدعا * للرسول المجتبى قرة عين

وعلى الباقر مقياس الهدى * وعلى الصادق حقا غير مين

وعلى الكاظم موسى والرضا * شمس طوس وضياء الخافقين

وأبي جعفر الثاني التقي * مطلع الجود سراج الحرمين

نور حق يقتدي عيسى به * عجل الله طلوع النيرين

هم أزاهير بهم فاح الثنا * هم رياحين رياض الجنتين

نظم العبد " قوام " لهم * صلوات لمعت كالفرقدين

يطلب الجنة من رضوانهم * لا يساويه بتبر ولجين

هم كرام لم يخب قاصدهم * هم مرام للورى في النشأتين

سره الله بآل المصطفى * والمحبين لهم والأبوين

الأبيات

زد اللهم أو صل وبارك * على طه وصل على علي

وسيدة النساء وبضعتيها * وزين عبادك الأتقى علي

‹ صفحة 249 ›

وباقرهم وصادقهم مقالا * وموسى والرضا الأزكى علي

وصل على التقي حليف جود * وصل على ابنه الأهدى علي

وصل على الزكي ومقتدانا * وكن منا بمولانا علي

وفي سنة 1198 ه‍ جاء إلى النجف الأشرف أحمد نواب وبذل أموالا

طائلة لصنع الحجر القاشي في الصحن الشريف ويوجد من هذا الحجر القاشاني

في الإيوان الكبير القبلي والمدفون فيه العلماء الأعلام منهم السيد محمد سيد الحبوبي

المتوفى سنة 1334 والسيد ياسين ابن السيد طه المتوفى سنة 1341 ه‍ والشيخ

باقر القاموسي المتوفى سنة 1325 . أما نصر الكتابة " قد تم بالملك الأقدس الأمجد

بنظر عبد من عبيد تلك الحضرة أحمد سنة 1198 "

ويوجد أيضا من هذا الحجر على دعامة الطاق للصحن الشريف على يسار

الخارج منه من الباب الشرقي وقد ارخ العلامة الجليل السيد صادق الفحام رحمه الله

بقصيدة وأنها مثبتة في ديوانه المخطوط :

لله روض زاهر ذو بهجة * حارت بمعنى حسنه الألباب

لا يشرئب إلى الحيا وكأنما * قطر السحاب لزهره ينتاب

خلع الربيع على " الغري " مطارفا * جددا يطرز وشيها " النواب "

السيد الندب الهمام المقتدى الورع * التقي الناسك الأواب

إلى أن قال :

فإذا وردت وضمك الصحن الذي * لك منه حصن مانع وحجاب

وسرحت لحظك في بناء زاهر * للهم تسريح به وذهاب

فأنخ والق عصاك وادع مؤرخا * ( للخير وفق أحمد النواب )

1198 -

وفي هذا الإيوان أبيات مكتوبة بالحجر القاشاني وهي :

سلام على السيد المصطفى * سلام على العالم المرتضى

سلام على بنت خير الأنام * سلام على الطاهر المجتبى

سلام على نور عين النبي * عظيم المصيبة في كربلا

سلام على العابد المتقي * حزين الفؤاد كثير البكا

‹ صفحة 250 ›

سلام على الباقر المتقي * سلام على الصادق المرتجى

سلام على الكاظم المهتدي * سلام على نجل موسى الرضا

سلام على الفاضل المتقي * سحاب مكارم بحر السخا

سلام على ابن التقي النقي * علي المقام إمام الهدى

سلام على السيد العسكري * غياث المحبين والأوليا

سلام على الحجة المختفي * إمام الهدى خاتم الأوصيا

سلام عليكم كما ينبغي * سلام سليم بلا منتهى

وفي مخلع النعال ( الكيشوانية ) بيتان مكتوبان بالحجر القاشاني وهما للشيخ

البهائي رحمه الله :

هذا أفق المبين قد لاح لديك * فاسجد متذللا وعفر خديك

ذا طور سينين فاغضض الطرف به * هذا حرم العزة فاخلع نعليك

5 = بناء القاشي الحالي

ابتدأ العمل سنة 1323 ه‍ وأكمل سنة 1327 وقد جرى البناء بهمة

المرحوم السيد الجليل السيد جواد الرفيعي وبنظارة المعمار الأستاذ الشهير أبي جوهر

أما أسباب بناء القاشي الحالي فهو لحادث وقع في أيام السلطان عبد الحميد

الثاني وذلك بسقوط أحجار بعض الأواوين على الزائرين وقد مات من أثر

تلك الحادثة بعض الزوار ، وبسبب تلك الحادثة اهتم أولوا الأمر بتجديد الحجر

القاشاني فقلعت أحجار القاشي جميعا وأعيد الصالح منها وجدد القسم الباقي

وقد أرخ العلامة المرحوم الشيخ مرتضى بن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء

المتوفى سنة 1349 بأبيات :

خليفة الهادي البشير النذير * كهف أمان الخائف المستجير

عمر صحن المرتضى فاغتدى * كروضة تزهو بورد نضير

صحن أمير المؤمنين الذي * قد خصه الله بنص الغدير

بهمة الشهم " كليداره " * وعزمه فيها " جواد " جدير

‹ صفحة 251 ›

وفاز بالأجر فأرخته * " أن جدد السلطان صحن الأمير "

6 = تزيين الأروقة أ - زين الرواق الشرقي الذي منه باب الحرم الشريف بالترصيعات

الزجاجية وذلك على نفقة " الحاج حمزة التبريزي " وقد أنفق على تعميره ثلاثة

آلاف تومان وفرغ منه سنة 1284 ه‍

ب - وفي سنة 1307 شرع في تزيين الأروقة القبلية والشمالية والغربية على

نفقة الحاج أبي القاسم والحاج علي أكبر البوشهريين وفرغ منه سنة 1309 ه‍

7 = الساعة الكبيرة التي على باب الصحن الشريف

في سنة 1305 نصبت الساعة الكبيرة على باب الصحن الشريف وقد أرسلها

أمين الملك من السلطان ناصر الدين القاجاري .

8 = تجديد فرش الصحن الشريف

في سنة 1306 ه‍ جددت فرش الصحن على نفقة رجل من أهالي إيران

يقال له مير خير الله كما هو المستفاد من مادة تأريخه الفارسي " بناي مير خير الله بجابود "

وفي أول شهر شوال سنة 1315 شرع بهدم رأس المنارة الشمالية مع تجديد

فرش الصحن الشريف بأمر المخلوع عبد الحميد الثاني وكان الفراغ من الجميع عاشر

جمادي الثانية 1316 ه‍

9 = فتح باب لسور النجف

في سنة 1317 ه‍ فتح باب لسور النجف قرب الباب القديم إلى جهة وادي السلام

10 = إنارة الصحن الشريف

في شهر ر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 245 ›

( 1 ) في أمل الآمل في ترجمة الشيخ ناصر البويهي ذكر البويهين وعمارتهم

النجف . . فقال وقبورهم هناك ظاهرة مشهورة . هذا في عصره وقد توفي ( ره )

سنة 1104 ولم يبعد عهده وقد ضاعت هذه القبور ولم نقف لها اليوم على عين

ولا أثر .

‹ هامش ص 246 ›

( 1 ) النادري يساوي أربع محمديات وكل مائة محمدية فضية تساوي تومانا كما

في الصكوك النجفية القديمة والنادري نسبة إلى نادر شاه كما أن المحمدية

نسبة إلى محمد شاه ( مؤسس الدولة القاجارية )

" هامش ماضي النجف وحاضرها "

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 251 - 264

جب 1358 ه‍ تمت إنارة الصحن الشريف والحرم الحيدري

‹ صفحة 252 ›

بالكهرباء الجديد بشكل رائع يبهر الجميع .

11 = الرخام المصقول

في ربيع الأول سنة 1359 وصل الرخام المصقول لترصيف الحرم الغروي

من سلطان البهرة " السيد طاهر سيف الدين " وقد ارخ الشاعر المعروف " الشيخ

علي البازي " فنظم مقطوعة ضمنها تاريخا رائعا للعام الذي بوشر فيه بترصيف الحرم

الشريف :

يا حضرة القدس التي قد حوت * وصي طه خاتم المرسلين

ما أنت إلا كعبة لم تزل * مطاف أملاك السما أجمعين

يد ( لسيف الدين ) اغتدت * تستوجب الشكر من المسلمين

قام بتجديد ضريح سما * الضراح شأوا وعلاء مبين

يا جنة في الأرض من طيبها * فاح شذا الرحمة للعالمين

زينك الله وفي ذكره * ارخ ( زيناك للناظرين )

12 = إصلاحات سنة 1358 ه‍

في شهر ذي الحجة سنة 1358 تشكلت في النجف لجنة برئاسة قائمقام

النجف السيد حسن التكريتي لغرض تعمير الصحن والحرم الشريف وقد قامت

اللجنة المذكورة بتعمير " الهزارات " الداخلية في الأروقة والحرم الشريف

وتبديل بعض المرايا و . الأخشاب للزينة الموجودة في الأروقة وتعمير أرض الصحن

وتبليط قسم من أرض الصحن الشريف ، وكانت كلفة هده الإصلاحات ما يقارب

الألفي دينار وأنها صرفت من مديرية الأوقاف العامة وأن اللجنة هذه كانت بإرشاد

المغفور له معالي الحاج محسن شلاش ، وتحت إشراف الخبراء الفنيين من الأساتذة

والمعماريين .

13 = إصلاحات سنة 1359 ه‍

في شهر شعبان من سنة 1359 ه‍ تشكلت لجنة بموجب الأمر الإداري

‹ صفحة 253 ›

فخافه السيد نوري السعيد رئيس الوزارة السابق والسياسي

العراقي الذائع الصيت في الأوساط العالمية بصورة عامة وفي

الشرق الأوسط بصورة خاصة وننشر صورته بالنظر للخدمات

الجليلة التي قام بها في سنة 1951 إلى الروضة الحيدرية المشرفة

بوضعه التصميم الكبير للإصلاحات الكثيرة في الروضة الحيدرية

المشرفة والتي بلغت كلفتها 25500 دينار .

‹ صفحة 255 ›

الصادر من متصرفية لواء كربلاء لأجل تعمير الروضة الحيدرية المقدسة أما اللجنة

فتشكلت من السادة الآتية أسماؤهم :

السيد عباس الكلدار ، والحاج عبد الرسول شريف ، والمحامي السيد عباس

سعادة عبد الرحمن جودة قائمقام قضاء النجف ، وأن هذه اللجنة قامت بإكمال

نواقص الزينة التي تبقت من السنة الماضية أي سنة 1358 مع ترميم وإصلاح

الفراغات المتكونة في السقوف " النياهين "

14 = إصلاحات سنة 1360 ه‍

في شهر صفر من سنة 1360 ه‍ لاحظت اللجنة الخامسة بتعمير الروضة

الحيدرية المقدسة انهيار أسس الروضة الحيدرية انهيارا خطيرا فكلما

كشفت جانبا وجدته كغيره من الجوانب الأخرى التي تحتاج إلى الإصلاح لهذا

فقد راجعت اللجنة سعادة متصرف اللواء فحضر وحضر معه في الوقت نفسه سعادة

مدير الأوقاف العام ومهندس الأوقاف وتقرر صرف المبالغ المرصودة لهذا

الغرض في ميزانية الأوقاف العامة لهذا العام على أن يكمل البناء في أول السنة

المالية الجديدة ، والحق أن إكمال هذه الأسس معناه صيانة هذا البناء العظيم ورفع

الخطر الذي كان متوقعا .

15 = إصلاحات سنة 1370 ه‍ = 1951 م ( * )

في سنة 1951 م قدم إلى النجف الأشرف فخامة السيد نوري السعيد رئيس

الوزراء السابق وبصحبته وزير الأشغال والمواصلات السابق الدكتور ضياء

جعفر وأثناء زيارته لاحظ نواقص الروضة المطهرة وأمر بإيفاد هيئة فنية برئاسة

مير شعبة المباني في وزارة الأشغال وبعد الكشف نظموا استمارة بكلفة 500 / 25

دينار محسوبة على نفقة ميزانية الدولة العراقية العامة وأن هذه الكلفة تصرف إلى

‹ صفحة 256 ›

الإصلاحات والتعميرات المختلفة في الروضة وفي الصحن الشريف وأهم ما جاء في

هذا الكشف :

1 - قلع القطع الذهبية من جانبي المدخل العمومي والجهة الإمامية وتسوية

الجدران وإصلاح الشقوق وجلاء القطع الذهبية وإعادتها في أماكنها مجددا بعد

تذهيبها .

2 - تجهيز مواد وعمل شبابيك من خشب الساج مع الشيش الحديد والزجاج

والتغليف بالتيل المشبك للقبة .

3 - إصلاح إزارة أواوين غرف الصحن في مرمر شفاته عين التمر .

4 - قلع إزارة الاسمنت للطارمة الذهبية وتجهيز وتركيب مرمر عراقي .

5 - تجهيز وتركيب الشيلمان للتسقيف .

6 - إصلاح الشقوق الموجودة في الفراغات بين العقادات للقبب ( النياهين )

بالطابوق والجص .

7 - تجهيز وتركيب عينات " مرايا " للأروقة الثلاثة مع العابات " جراجيب "

من الخشب الساج .

8 - عمل عينات " مرايا " في قبب الأروقة .

9 - تجهيز وتركيب سربوش للأروقة على أن تكون الدنك من الكونكريت

المسلح والشبابيك الحديدية والإطارات من خشب الساج لكل سربوش مع الصبغ

بالدهن باللون المطلوب .

10 - تجهيز وتركيب القاشي للألونة والدنك والكتائب نوع القاشي

من الريازة الإسلامية وآيات قرآنية .

وغيرها من المواد والإصلاحات الكثيرة التي تتعلق في كافة أجزاء الروضة

المقدسة وقد انتهى العمل سنة 1952 م من الشهر الثالث وإدارة العمل كانت

تحت إشراف اللجنة المؤلفة من سعادة قائمقام النجف السيد ضياء شكارة وحاكم

البداءة السيد عبد الفتاح العامري ، وعضوية كل من السادن السيد عباس الرفيعي ومن

عضو مجلس إدارة القضاء رشاد عجينة ومن رئيس بلدية النجف الحاج سعيد شمسه

‹ صفحة 257 ›

هذه الصفحة مفقودة

‹ صفحة 258 ›

هذه الصفحة مفقودة

‹ صفحة 259 ›

ومن ملاحظ أشغال لواء كربلاء ومهندس الأوقاف العامة وسكرتير لجنة

الشيخ علوان كاشف الغطاء .

وبنظارة المهندسين والمعماريين الفنيين ومن جملتهم الأستاذ الشهير الحاج

سعيد المعمار .

16 = وضع الزجاج في الروضة الحيدرية من قبل الشاه محمد رضا بهلوي

رصعت جدران الروضة المقدسة مع الأواوين بالزجاج وزركشت بالمرايا

ذات الأشكال الهندسية الفنية البديعة الشكل والتي تتخللها المصابيح الكهربائية

وأنها قد عملت على نفقة جلالة إمبراطور إيران محمد رضا پهلوي وقد بلغت كلفتها

12000 دينار وكان ابتداء العمل سنة 1370 ه‍ وانتهاؤه سنة 1371 ه‍ وتحت

إشراف سعادة القنصل الإيراني في النجف الأشرف السيد عبد الفاضل ظلي پور

وبنظارة السيد الجليل السيد أحمد المصطفوي الموفد من إيران لهذه الغاية وهو

من التجار البارزين المعروفين بالتقى والصلاح .

وأما أستاذ العمل فهو الأستاذ الفني الإيراني الشهير " حسين كيانفر "

بمعمارية الحاج سعيد المعمار وبهذه المناسبة تشكلت ندوة أدبية في النجف الأشرف

وتسابق المؤرخون من الشعراء ونظموا قصائد كثيرة عرضت من بعد ذلك على

سماحة الإمام الأكبر والمصلح الأعظم الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء دامت

بركاته فاختار من جملتها التواريخ المبينة أدناه كما صرح به كتابه السامي

المنشورة صورته أدناه :

بسم الله الرحمن الرحيم

المهذب الكامل النجيب مرزا عباس الكرماني سلمه الله

تجدون طيه ثلاثة تواريخ لما تبرع به جلالة شاه إيران المعظم دامت دولته من

زينة الحرم الحيدري المطهر بالمرايا النيرة والأنوار الكهربائية شكر الله سعيه ووفقه

لأمثالها من المشاريع الخيرية إن شاء الله وهذه التواريخ الثلاثة هي التي انتخبناها

من التواريخ الكثيرة التي قدمتموها لنا ولها التفوق على الجميع وفقكم الله بدعاء :

12 رجب 1370 محمد الحسين آل كاشف الغطاء

‹ صفحة 260 ›

التواريخ

لرضا شاه كم تبدت أياد * خالدات مثل الكواكب تزهر

مرقد المرتضى كساه مرايا * نيرات من غرة الشمس أنور

طاء طاه الأمين قد أكملتها * أرخوها يد من الشاه تشكر

1370 -

ذي روضة للمرتضى من عرفها * تعطر الغرب وضاء المشرق

محمد الشاه اهتدى لنورها * بالكهربا وهم الكريم المعرق

لناظريها زينت فأصبحت * ارخ " بأنوار علي تشرق "

1370 -

أنظر إلى حسن القوارير على * مرقد خير الأوصياء حيدرة

قال الرضا فيها من الله الرضا * وفاز بالأجر ونيل المغفرة

كأنها زهر الربى مذ أرخوا * " أو أنها الكواكب المنتثرة "

‹ صفحة 261 ›

منظر عمومي إلى النجف الأشرف من الجو وقد ظهر في اللوحة

صورة الروضة الحيدرية المقدسة يحيط بها الصحن الشريف .

‹ صفحة 263 ›

الباب الثامن

الصحن الشريف

هو سور رباعي " 1 " ضخم طول كل من ضلعيه الشرقي والغربي 84 م

وطول ضلعه الشمالي 74 م والجنوبي 75 م وفي كل من ضلعيه الغربي والجنوبي أربعة

عشر إيوانا وفي كل من ضلعيه الشرقي والشمالي خمسة عشر إيوانا وفي كل إيوان

حجرة هي مقبرة أحد المشاهير وقد شيدت هذه الحجرات لتكون مأوى لطلاب

العلم ، أما الآن فإنها أشغلت من قبل قراء القرآن الكريم لأصحاب المقابر . وقد

دفن في حجرات الصحن المقدس مئات الرجال من أقطاب العلم ورجال الدين وفيهم

عدد كبير ممن حاز الزعامة الدينية العامة للطائفة الإمامية في أقطار الأرض كالشيخ

أحمد الجزائري صاحب " آيات الأحكام " وجد الأسرة الجزائرية في النجف ،

وآل محيي الدين الجامعي والسيد جواد العاملي صاحب " مفتاح الكرامة " والشيخ

مرتضى الأنصاري ، والشيخ حسين نجف ، والشيخ محمد طه نجف ، والشيخ

ملا كاظم الخراساني ، والمرزا حبيب الله الرشتي ، والشيخ محمد الشربياني ، والشيخ

محمد حسين الكاظمي ، والشيخ جعفر الشوشتري ، والسيد مرزا جعفر القزويني ،

والشيخ عبد الله المازندراني ، والسيد كاظم اليزدي الطباطبائي ، والسيد محمد سعيد

الحبوبي ، والسيد عدنان الغريفي الموسوي ، والسيد أبو الحسن الاصفهاني ، والمرزا

حسين النائيني ، والشيخ جواد البلاغي ، والسيد مهدي القزويني البصري ، والميرزا

حسين النوري وأضرابهم .

‹ صفحة 264 ›

والصحن مؤلف من طابقين وجميع جدرانه مزدانة بالقاشاني الملون وعلى

حواشي الجدران العليا آيات من القرآن الكريم مسطورة بأحرف عربية متداخلة

تداخلا جليا وكلها بخط كاتب معروف من أسرة آل قفطان .

وفي الصحن الشريف مجالس الوعظ والارشاد أيضا .

وفي الجهة الغربية من الصحن ساباط مرتفع تتوسطه سمارة مستديرة وأن هذا

الساباط يتصل بالحضرة المقدسة . وعند المدخل للساباط يوجد باب التكية المعروف

بتكية البكتاشية وكانت قديما مقبرة آل بويه الديالمة ملوك بغداد وإيران في القرن

الرابع الهجري ولما فتح بغداد السلطان سليمان القانوني حولها تكية للدراويش

للقضاء على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 255 ›

* استمارة الكشف للروضة الحيدرية حسب تقرير الخبراء الفنيين

" محفوظة في قائمقامية قضاء النجف "

‹ هامش ص 263 ›

( 1 ) العراق قديما وحديثا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 264 - 272

آثار المدفونيين فيها كما أشار إلى ذلك الحجة السيد محسن الأمين

" في مجالسه "

وتقام في الصحن الشريف صلاة الجماعات في أوقات الصلوات الخمس من

قبل حجج الإسلام والعلماء الأعلام البارزين في النجف الأشرف .

وتتفرع من الصحن الشريف مساجد لها أهميتها التاريخية كمسجد عمران بن شاهين

ومسجد الخضرة ومسجد الرأس وسيأتي ذكرها في باب مساجد النجف .

وعلى الباب الكبير من الصحن الشريف وضعت الساعة الكبيرة التي نصبت سنة 1305 ه‍

بأمر السلطان ناصر الدين القاجاري .

ومن جهة الصحن الشمالية تتفرع الحسينية التي شيدها التاجر الوجيه السيد

هاشم آل زيني والد التاجر المعروف الوجيه السيد حسن زيني ، وذلك لتكون

مأوى للزائرين وكانت قبل ذلك مدرسة يأوي إليها طلاب العلوم الدينية كما قيل .

وفي وسط الصحن الشريف تقع الروضة الحيدرية المقدسة وسيأتي وصفها في

الباب الذي يليه .

وفي إحدى حجراته الجنوبية بقايا المكتبة الحيدرية القيمة فيها قسم من

المخطوطات النفيسة التي لا توجد في غيرها .

أبواب الصحن الشريف

للصحن الشريف خمسة أبواب وهي على الترتيب الآتي :

‹ صفحة 265 ›

الباب الأول

وهو الباب الكبير من جهة الشرق وهو المدخل الرئيسي إلى الروضة الحيدرية

المشرفة وفي الباب عدة تواريخ تشير إلى بناء القاشي القديم منها ما هو موجود

على دعامة الباب على يسار الخارج منه مؤرخة سنة 1198 وتحتها كتابة يرجع

تأريخها إلى سنة 1234 وفي آخرها اسم الباذل ( الحاج عبد الحسين بهادر خان )

ويوجد في خارج الباب تأريخ الفراغ من عمارة القاشي الحاضر وهو سنة

1327 ه‍ .

الباب الثاني

باب الطوسي من جهة الشمال وأسباب تسميته بباب الطوسي هي نسبة إلى شيخ

الطائفة أبي جعفر محمد الطوسي قدس سره صاحب التهذيب المتوفى سنة 460 ه‍ وإن

الخارج من هذا الباب ينتهي إلى شارع الطوسي الذي فتح أخيرا ويقع على هذا

الشارع مسجد الطوسي وفيه قبره الشريف .

الباب الثالث

باب القبلة : سمي هذا الباب بباب القبلة لكونه واقعا على جهة القبلة في الجهة

الجنوبية من الصحن الشريف وقد قام بتجديده شبلي باشا ( 1 ) كما مصرح في الأبيات

المدونة أدناه ويوجد على جهة الباب من خارج الصحن الشريف تأريخ لهذا الباب

للشيخ أحمد قفطان وسيأتي ذكر آل قفطان في باب الأسر العلمية النجفية :

إن هذا الباب قد جدده * ملك الدهر السري ابن السري

شاده ( شبلي باشا ) واسعا * بعد أن جاوز حد الصغر

وسعى فيه ( الجواد ) بن ( الرضا ) * خادم الروضة سامي المفخر

فأتى من ذا وهذا شامخا * في علو ورتاج مبهر

‹ صفحة 266 ›

قال شبلي ولم يرض الذي * أرخته فيه أهل السير

أنت يا شبلي أرخه وقل * باب شبلي لمثوى حيدر

سنة 1289 ه‍

الباب الرابع

الباب السلطاني : سمي بالباب السلطاني نسبة إلى السلطان عبد العزيز العثماني

الذي أمر بفتحه وكان في سنة 1278 وتأريخه كلمة " باب المغرب " ويقع هذا الباب

في جهة الغرب من الصحن الشريف ، وتوجد أبيات مكتوبة بالقاشاني على جبهة

الباب من خارج الصحن إلى العلامة الشيخ عباس بن الشيخ حسن آل كاشف

الغطاء رحمه الله :

عبد العزيز أعز الله جانبه * والدين حصن فيه أي تحصين

والي الرقاب إمام الخلق كلهم * خليفة الله في فرض ومسنون

هذي السلاطين في أبوابه وقفت * ترجوا النوال على زي المساكين

وذي الحوادث أمست كالعبيد له * تكون مهما دعاها هكذا كوني

رأي على العبد ضيق الداخلين إلى * مثوى الإمام أبا الغر الميامين

فجاد في فتح باب أورثت سعة * لزائري قبر باب العلم والدين

فقف بها خاضعا واسمع مؤرخها * جلت علت ( 1 ) باب سلطان السلاطين

وعند فتح هذا الباب أنشأ السوق الصغير الذي سمي أخيرا بباب الفرج

أو سوق العمارة نسبة إلى هذا الباب والمحلة .

الباب الخامس

وهو باب الخضرة هو الذي أشار إليه ابن بطوطة في رحلته ويقع في الجهة

الشرقية على مقربة من الباب الكبير .

‹ صفحة 267 ›

صورة معالي الأستاذ الكبير السيد عبد الرسول الخالصي

الذي أنجز فتح الشارع العام المحيط بالصحن الحيدرية الشريف

وأن هذا المشروع يعد من المشاريع الهامة في النجف الأشرف .

‹ صفحة 269 ›

الشارع المحيط بالصحن الحيدري المطهر ( * )

كان حديث إصلاح النجف ، وتوسيع شوارعها ، وتنشيط الحركة العمرانية

فيها ، وإقامة العمارات الجميلة في شوارعها الجديدة من الأحاديث التي تشغل أفكار

المخلصين والشاعرين من أبناء النجف ورجالها ، والحازمين من رجالات الإدارة

الذين اشتغلوا في النجف وفي كربلاء من عهد بعيد ، وأمد مديد ، وقد عرف الناس

كلهم ، وشاع بينهم جميعهم في فترات متعددة ، ومناسبات مختلفة ، أن الخارطة قد

وسمت ، وأن الخطة للعمل قد عينت ، والطريقة المقتضية قد أوضحت ، ثم يصل

الحديث إلى التحدث عن موعد التنفيذ ، وساعات المباشرة بالعمل ، ثم تطوى صحائف

هذه الأحاديث " اللذة " ويلف هذا المشروع ، وتمر مدة طويلة . . . ثم يتكرر

من جديد ، وتعود الأحاديث تداعب الأفكار ، وتراود الأذهان ، وهكذا دواليك .

ولما أن استلم إدارة شؤون لواء كربلاء معالي الأستاذ القدير السيد عبد الرسول

الخالصي ووقف على شؤون اللواء المختلفة انبعث الموضوع من جديد ، وبعث الأمر

من مقبرة الإضبارات إلى عالم المذاكرت والمداولات ، والاتصالات والمراجعات

وأخذ معاليه يزور النجف بين حين وآخر ، وآونة وأختها ، ويلاحظ المشروع الذي

يروم تنفيذه عن كثب ، ويتفقد ما يحيط به من مستلزمات ومقتضيات ، وما تدعو

إليه المصلحة من موجبات ، ثم جلب معه المهندسين واطلع على الخرائط السابقة

ورسم آخر خارطة للمشروع ، وقر الرأي - بعد استشارة المراجع المختصة وأخذ

رأيها وموافقتها في الموضوع - على المباشرة بالعمل .

وأخيرا بوشر بالعمل ونفذ المشروع على يده الكريمة وأصبح هذا الشارع

من الشوارع الجميلة في النجف الأشرف وقد أقيمت على جانبيه العمارات البديعة .

ويعد هذا المشروع الجبار بالنسبة إلى مدينة النجف من أهم المشاريع العمرانية

وهذا العمل الخطير يستوجب الثناء والشكر للقائمين به ، ويدعو إلى التقدير

والإكبار لأن الاصلاح من ألزم الواجبات ، والعمران في مقدمة الضرورات ،

وتوسيع الشوارع من الأمور التي يتطلبها الزمن ، وتقتضيها حاجة العصر ، والجمود

يؤدي إلى الفناء ، والحركة - على كل حال - مجلبة للبركة .

‹ صفحة 270 ›

الباب التاسع

وصف الروضة الحيدرية المطهرة

1 = الإيوان الذهبي

يتوسط الصحن الشريف إيوان ذهبي مرتفع وسقفه مع جدرانه مغشاة

بالذهب وفي ركنية المئذنتان المغشاتان بالذهب أيضا ، وارتفاع كل واحدة منهما 21

مترا وقد كتب في أعلاهما آيات من سورة الجمعة .

وإلى جنب المئذنة الشمالية غرفة فيها درج يصعد منها إلى سطح الحضرة

المشرفة وفي داخلها مرقد أشهر علماء الإمامية في القرن السابع وهو العلامة الحلي

قدس سره صاحب المؤلفات الشهيرة .

وإلى جنب المئذنة الجنوبية غرفة أخرى فيها مرقد العالم الشهير المقدس

الأردبيلي من علماء القرن العاشر وفي داخل الغرفة ادخرت خزانة الإمام والتي

سيأتي ذكرها في الجزء الثاني من كتابنا .

ويوجد في وسط الإيوان الذهبي على جانبي الباب قصيدة فارسية بحروف ذهبية

بارزة للسيد عرفي الشاعر المتوفى سنة 999 وتعرف بهراس مماس ومختومة باسم

كاتبها محمد جعفر الأسبهاني ومؤرخة سنة 1156 ومطلع القصيدة :

أين باركاه كيست كه كويند بيهراس * كاي أوج عرش سطح حضيض تو را مماس

وعلى يمين الداخل من باب الإيوان الذهبي إلى الروضة الحيدرية بيتان من الشعر

لا تقبل التوبة من تائب * إلا بحب ابن أبي طالب

‹ صفحة 271 ›

حب علي واجب لازم * في عنق الشاهد والغائب

وعلى يسار الداخل أيضا البيتين الآتيين :

لي خمسة أطفي بها * نار الجحيم الحاطمة

المصطفى والمرتضى * وابناهما وفاطمة

ودفن في هذا الإيوان كثير من العلماء والأعيان وكانت أسماؤهم مكتوبة

على صخور جدرانها ولكن ضاعت تلك المعالم أثناء قلع تلك الصخور وتبديلها

بمر السنين

. 2 = الرواق

ويؤدي الإيوان الذهبي المذكور أعلاه إلى رواق يدور حول الحضرة المقدسة

طوله 31 متر ونصف عرضه 30 متر وهذا الرواق مزين بقطع من المرايا ذات

الأشكال الهندسية البديعة والتخاريم المزوقة المختلفة - وله ثلاث أبواب - الباب

الأول : موقعه في وسط الإيوان الذهبي - والباب الثاني : مقابل لباب الطوسي

والباب الثالث : مقابل لباب القبلة - وهناك باب - لم يفتح يقال له باب المراد ،

وتحت باب الإيوان الذهبي مقبرة آل ملا الذين كانوا متولين سدنة الروضة

الحيدرية سابقا والذين سيأتي ذكرهم في الجزء الثاني من كتابنا هذا ، وعن يمين

هذا الباب زاوية فيها قبر السادن السيد الجليل المرحوم السيد رضا الرفيعي .

وفي جهات هذا الرواق غرف صغيرة تحتوي على مقابر جماعة من العلماء

والملوك العظماء ممن لا يسعنا حصر أسمائهم في هذا الجزء .

وفي الرواق من الجهة الشمالية منبر بديع الصنع منبت بالعاج يسمى منبر الخاتم

وقد أعد هناك للوعظ والخطابة ، وإلى جنبه مكيفة الهواء التي تبرع بها معالي

الدكتور ضياء جعفر .

وفي الرواق من الجهة الغربية غرفة كبيرة قد اتخذت مذخرا لجملة من

الهدايا والتحف الثمينة التي تستعمل دائما في الحضرة المقدسة كالمفروشات والمعلقات

خصوصا عند زيارة الملوك والعظماء

وفي الرواق من الجهة الجنوبية مقبرة السادن السيد الجليل المرحوم السيد

‹ صفحة 272 ›

جواد الرفيعي .

3 = الروضة الحيدرية

للروضة الحيدرية المشرفة أربعة أبواب فضية . في المدخل الرئيسي منها البابان

الفضيان الواقعان تجاه باب الإيوان الذهبي الكبير - أما البابان الباقيان فموقعهما في

الجهة الشمالية من الروضة المقدسة أمام منبر الخاتم .

والحضرة المقدسة مربعة الشكل طول كل ضلع من أضلاعها 12 م و 60 سم ولكل

ضلع إيوان بسامت أعلاه بناية أعالي الرواق .

أما الإيوان الذي يقع من جهة الشرق ففيه البابان اللذين تقدمت الإشارة إليهما

والإيوان الشمالي فيه البابان الفضيان اللذين أشرنا إليهما أيضا ، والإيوان الغربي فيه

شباك فضي يتكون من ثلاثة ألواح فضية وأنه يشرف على الرواق من جهة الغرب ،

والإيوان ا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‹ هامش ص 265 ›

( 1 ) كان شبلي باشا الدرزي من قواد الترك الكبار برتبة أمير لواء في ذلك العهد

توفي في الحلة ودفن في جامعها الكبير .

‹ هامش ص 266 ›

( 1 ) هكذا وجد بالتاء في الفعلين والصحيح جل علا لأن الباب مذكر

ولكن لا يوافق تأريخ العام المذكور والعامة تعتبره مؤنثا وقد جرى النظم وفقا

للمشهور عندهم " م ح ص " " هامش ماضي النجف وحاضرها "

‹ هامش ص 269 ›

* مجلة الغري السنة العاشرة العدد 15 سنة 1368 ه‍

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مدينة النجف - محمد علي جعفر التميمي - ص 272 - 273

لجنوبي فيه شباك من البرنز ويشرف على الرواق من جهة الجنوب .

وعلى أركان هذه الإيوانات تقوم القبلة العلوية العظيمة المذهبة من خارجها

بصفائح الذهب ومرتفعة إلى علو شاهق ومكتوب في ظاهرها سورة " إنا فتحنا "

ومختومة باسم كاتبها محمد علي الأسبهاني ومؤرخة سنة 1156 ه‍

أما داخلها فإنه مزدان بالفسيفساء وفيه ثلاث كتابات :

الكتابة الأولى : من الأسفل ( هل أتى ) وفي آخرها اسم كاتبها عبد الرحيم

وتأريخها سنة 1121 ه‍ وهي أقدم كتابة في الحرم العلوي .

الكتابة الثانية في الوسط سورة ( عم يتساءلون )

الكتابة الثالثة : في الأعلى سورة ( الجمعة ) مؤرخة سنة 1156 وفي آخرها

اسم كاتبها مير علي .

وجدران الروضة المقدسة مع أواوينها قد زينت بالزجاج والمرايا ذات الأشكال

الهندسية الفنية البديعة من قبل الشاه إمبراطور إيران الحالي محمد رضا بهلوي سنة

1370 ه‍ كما مر ذكره آنفا .

وقد ارخ هذا التزيين فضيلة الشاعر الخطيب الكبير المفوه الشيخ محمد علي اليعقوبي بأبيات :

‹ صفحة 273 ›

محمد الشاه الرضا فاز بالرضا * من المرتضى بالباقيات مدى الدهر

أحاطت بأرجاء الضريح تحفه * إحاطة شهب الليل في هالة البدر

قوارير شعت خلفهن مصابح * تجلى سناها من سنا صاحب القبر

فلم تدر أن شاهدتهن مؤرخا * " بهن دراري الأفق أم درر البحر "

1370 ه‍ـ

وأرض الروضة المشرفة قد رصفت بالرخام الإيطالي المصقول وقد شمل الترصيف

جدران الروضة أيضا إلى علو مترين ونصف .

وفي وسط هذه الحضرة القبر المقدس الذي ضم جثمان بطل الإسلام

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " وعلى دكة القبر صندوق الخاتم المغشى بثوب

من الزجاج السميك " المرمر " وعليه الشباك الفضي الذي مر ذكره في الباب الثاني

من القسم الرابع من كتابنا هذا وبين صندوق الخاتم والشباك الفضي " فانوس " من

الذهب وبوسطه الدرة المعروفة باليتيمة وفي داخل الشباك أيضا محفظة خشبية منبتة

بالعاج فيها مصحفان كريمان بالخط الكوفي القديم والمشهور أن أحدهما بخط الإمام

علي عليه السلام والثاني بخط ولده الحسن المجتبى " ع "

وفي الروضة كثير من المعلقات والمصابيح الكهربائية والتي يعبر عنها ( بالثريات )

والساعات والمراوح المختلفة مما لا يسعنا تعدادها ووصفها في هذه الكلمة الموجزة .

تم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .