محمد علي جعفر التميمي
مشهد الإمام
أو
مدينة النجف
الجزء الأول
فيما يختص المرقد المقدس
الطبعة الأولى
حقوق الطبع محفوظة
1372هـ 1958م
مطبعة دار النشر والتأليف في النجف
‹ صفحة 3 ›
الإهداء
إلى من هو من أهل ذلك البيت الذي يقال في حقه صغيرهم
جمرة لا تداس وكبيرهم لا تدركه الحواس
إلى من يؤدي الخدمات العامة للصالح العام بكل تواضع بعيدا كل البعد
عن المصلحة الخاصة
إلى من تجارته العمل الصالح وربحه الثواب وفائدته التوفيق وحسبه
التواضع وشرفه العلم وعبادته أداء الفرض وعقله التدبير
إلى من حليته الوفاء وعزه الحلم وزينته العلم
إلى من ينشد المثل العليا للغاية القصوى .
إلى من قوته استمدت كيانها من نور القلب ( وضياء )
العقل وسمو النفس وروعة الإيمان
إلى من تتمثل به الاستقامة والنزاهة والخبرة والجد المتواصل
في خدمة المجموع بدون تفرقة .
إلى معالي الدكتور ضياء جعفر أهدي إليه هذا المجهود وهو
تاريخ مشهد جده الأعظم عسى أن يقع من معاليه موضع القبول
وهذا غاية ما يتمناه المخلص
محمد علي جعفر التميمي
‹ صفحة 4 ›
‹ صفحة 5 ›
صاحب المعالي الدكتور ضياء جعفر
‹ صفحة 6 ›
سماحة الإمام كاشف الغطاء
ينعت معالي الدكتور ضياء جعفر بالسحاب الماطر أينما وقع نفع
وحيثما تصبب أصاب ، ويشكره باسم عموم لواء كربلاء
بسم الله الرحمن الرحيم
من النجف الأشرف 15 ربيع 1 سنة 1372
معالي السيد الشريف الدكتور ضياء أدام الله علاه
على أثر ما بلغني من انصراف رأيك عن نيابة وطنك
الأعلى ( النجف ) الأشرف الذي مثلته في الدورة الغابرة أحسن
تمثيل وخدمت مراقد أجدادك الطاهرين في هذا اللواء المقدس
ألمع خدمة ، ولا غرو فأنت ابن النجف البار ، وولدها النجيب ،
وبهذه المناسبة نشكر لك عن عموم هذا اللواء صنايعك الجميلة
والجليلة ، والتي لا تزال تذكر فتشكر واثقين بعونه تعالى أنك
أينما كنت فمصلحة هذه الأعتاب الشريفة والبلاد المقدسة بل العراق
كله هدفك الأسمى ، ونبراسك الأسنى ، بيد أنك والله ولله الحمد كالسحاب
الماطر أينما وقع نفع ، وحيثما تصبب أصاب ، فاسلم لهذه الأمة أجمع
مؤيدا أبدا بدعاء أبيك الروحي .
محمد الحسين
كاشف الغطاء
‹ صفحة 7 ›
تمثال المؤلف
‹ صفحة 8 ›
بقلم العلامة الجليل والكاتب الكبير
فضيلة الشيخ محمد رضا المظفر
المعتمد العام لمنتدى النشر
تصدير
لا شك أن النشاط الفكري الذي حظيت به هذه البلدة العلمية من عهود بعيدة ،
مضافا إلى ما لها من نشاط سياسي وخلق اجتماعي ونزعة حربية ، مضافا ذلك كله
إلى مركزها الديني من جهة كونها عتبة مقدسة تضم مرقد سيد الكونين أمير
المؤمنين عليه السلام هي مهوى أفئدة ملايين المسلمين وموضوع عناية ملوكهم وأمرائهم
من جهة كونها عاصمة دينية هي مرجع تقليد طائفة كبيرة من المسلمين - كل ذلك
جعل تأريخها حافلا بكثير من المزايا التي تغري المؤرخين والمتعطشين للبحث بأن
يتتبعوا الزوايا المهملة والآثار المبعثرة والخبايا المنسية .
ولكن بقدر ما لهذه البلدة من صور لامعة في تأريخها العلمي يبتدئ من عهد
الشيخ الطوسي العظيم المتوفى سنة 460 هـ ، قد منيت - ويا للأسف - بالغموض في
سلسلة حوادثها التأريخية والعلمية بسبب حرمانها ممن يسجل تأريخها وتأريخ رجالها
في تلك العصور الغابرة ، ولعل السر أن حركتها الثقافية كانت ولا تزال منصرفة
بكلها إلى التخصيص بالفقه الاسلامي وما يتصل به ، فلم يكن من هم العلماء ولا الأدباء
على كثرتهم طيلة تأريخها المجيد هذه الناحية - أعني الناحية التأريخية - فلم يسجل من
تاريخ هذه العاصمة الدينية فيما غير شئ يستحق الذكر والعناية ، وبقي فيه مجالات
للبحث لا تزال بكرا لم تتوفر له المصادر المبسطة غير ما هو مبعثر في الزوايا وبطون
الكتب ، ومخبيات الآثار والمجاميع وهذا ما يحز في نفس كل من يتطلع إلى الماضي
ليفتش عن حوادثه وكل من يهمه أن يسجل سلسلة تأريخها الحافل بجلائل الآثار والأعمال
وهنا يتجلى مقدار التبعة الملقاة على عاتق من يقحم نفسه في تسجيل تأريخ هذه
‹ صفحة 9 ›
البلدة ، كما يتجلى ما يلاقيه من عقبات كأداء في طريقه قد تحمل أقوى الناس شكيمة
على الهزيمة من هذا الميدان . ومن خرج ظافرا ولو بعض الظفر في تسجيل ما قصر
فيه التأريخ القديم فإنه يستحق التقدير والإعجاب بل الشكر . وفي هذه العصور
الأخيرة عني جماعة بتدارك ما فات السابقين من تأريخ الدينية ، ولم
تظفر المطابع بنتاجهم على رغم الحاجة إلى مثله ، وكأنهم درجوا على نهج السابقين
أيضا في إهمال هذا الواجب المقدس ، عدا الأستاذ الجليل الشيخ جعفر محبوبة في
الجزء الأول من كتابه ( ماضي النجف وحاضرها ) الذي لم يفتني أن أقول كلمتي عنه
حين صدوره ، وقد نشرت في مجلة " الاعتدال " الغراء المحتجبة .
وأراني الآن متلهفا لصدور هذا الكتاب الثاني عن تأريخ النجف الذي مكنني
الأستاذ " التميمي " من الاطلاع على الجزء الأول منه لأقدمه إلى القراء وكان أول
ما واجهني وأعجبني منه تحريه لدقائق التأريخ عن مرقد الإمام " ع " وإن كان فيه
من التكرار ما أرجو أن ينخله منه عند تجديد طبعه للمرة الثانية وليست هي بالبعيدة عليه .
وأنه ليستشف القارئ من صفحاته مقدار الجهد المبذول من المؤلف والصبر على
التتبع لالتقاط النوادر من تأريخ هذا المرقد المقدس ، فلم شعث ما تفرق في الكتب
والصحائف المطوية والصحف المنشورة ، وألف بين متفرقات ما استوعبته الآثار .
فجاء في مجموعة مجهودا مشكورا وعملا محمودا وسجلا خالدا لكثير من المطويات
المعرضة للإهمال والنسيان ، شكر الله سعيه وأجزل ثوابه وجعل عمله خالصا لوجهه
الكريم ، وحقيق بمن تمسك بالعروة الوثقى من خدمة سيد الكونين ورئيس الموحدين
وإمام الإلهيين ، أن يستلهم من روحه الجبارة ، ونفسه العظيمة الطاهرة المؤمنة ،
ما يجعل منه عاشقا للحقيقة المجردة ، وملهما يرنو إلى نور الحق الأبلج ولا بدع
لو ينال هذا الكتاب الحظوة لدى كل عالم ومتعلم وأرجو أن يسد الفراغ الذي نحس
به في هذا الباب ، ويتدارك ما فات الأولين من القيام بهذا الواجب وجدير بأن يقتنيه
كل من يتطلع إلى تأريخ هذا البلد المقدس وفقه الله تعالى إلى إكماله ، وأرجو
لكتابه الرواج والانتشار ليعم الانتفاع به ومن الله تعالى نستمد التأييد والتسديد .
17 جمادى الأولى سنة 1472 ه
محمد رضا المظفر
‹ صفحة 1 ›
محمد علي جعفر التميمي
مشهد الإمام
أو
مدينة النجف
الجزء الأول
الطبعة الأولى
محتويات الجزء الأول
القسم الأول - ما قيل في النجف
القسم الثاني - ما قيل في الإمام " ع "
القسم الثالث - بحث عام عن النجف وعن
قبر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )
وما يتعلق به
القسم الرابع - العمارات التي أجريت على
الضريح المقدس والانشاءات الأخرى في
الروضة المطهرة وفي الصحن الحيدري
الشريف
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
1372 - 1953 م
مطبعة دار النشر والتأليف في النجف
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
لعل البعض يتسائل ويريد أن يفهم الأسباب التي دعتني إلى ترك
بغداد ، والهجرة إلى النجف الأشرف لتأليف كتاب يضم بين دفتيه
تأريخها المجيد الناصع مع أنها زاخرة بالعلماء الأعلام وجل المؤرخين
والبحاثين . . ! !
أجل . . لم يخطأ السائل . . ولكن النجف امتازت بشرف الهجرة كما
وصفها حجة الإسلام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، وأني قد
هاجرت من بغداد لأسباب عديدة أهمها سببان :
الأول - لأكمل تأريخ مدن الفرات الأوسط وعشائرها قديما
وحديثا حسب خطتي المرسومة .
الثاني - لأحقق ما وسعني التحقيق - وما واتتني القدرة على التحقيق
فيما اختلفت فيه طبقات المسلمين ومذاهبهم بشخصية الإمام علي أمير
المؤمنين عليه السلام - وعن السر الذي اختفي قبره الشريف من أجله
أما وقد حللت النجف الأشرف فقد هيئ لي - ولي الشرف - أن أقدم بين
يدي القارئ الكريم كتابي هذا الذي خصصته بالبحث عنها وذلك
ما لقيمة هذه المدينة من قدسية ، لأنها تضم مرقد الإمام علي أمير المؤمنين ( ع )
الذي هو فخر الإسلام بل فخر العالم كله . ولما خلفته لنا من آثار
‹ صفحة 2 ›
علمية وأدبية خالدة . ولكونها مدرسة الثقافة الإسلامية والمركز المهم
لدائرة الفكر العربي . وفوق هذا أصبحت مركزا للسياسة الإسلامية
وعاصمة دينية على أنها هي إحدى المدن الفراتية المقصودة من خطتي المرسومة
فالنجف والحال هذه مدينة قد " جمعت بين قدس العبادة ، وكرامة
العلم
، وشرف الهجرة " وزاد في قيمتها التأريخية مركزها الديني
الاسلامي في عالم التقليد ، وما أنجبته من علماء وأدباء هم مفخرة التأريخ
الاسلامي منذ تسعة قرون فأكثر .
وبعد هذا . . .
لا أريد - يا سيدي القارئ - في كلمتي هذه بيان كل ما قاسيته
من جهود وما لاقيته من أتعاب في هذا السبيل من تنقيب وبحث ودرس
ومن جمع أوثق الأخبار المستندة إلى أوثق المصادر ، وتحصيل المعلومات
غير المدونة من ثقات البلد ورجالها اللامعين . وما شاكل ذلك مما يلاقيه
المؤلفون في مثل هذه البحوث الشاقة العسيرة .
أجل - لقد لاقيت كل ما لاقيت في هذا السبيل . ولكني لا أجد
فيه على الرغم من تلك الجهود والأتعاب غير اللذة والمتعة لما فيه من إرضاء
لنفسي التواقة إلى خدمة هذه المدينة المقدسة خدمة صادقة خالصة راجيا
من الله سبحانه تعالى أن يتقبل عملي هذا بأحسن قبول ، ومن الله التوفيق
التميمي
‹ صفحة 3 ›
القسم الأول
ما قيل في النجف الأشرف
وصف عام ومقتطفات أثرية قيمة
‹ صفحة 4 ›
لمحة عن مكانة النجف العلمية
النجف الأشرف كعبة العلم ، وأم وأم العواصم الدينية ، ومجمع
القرائح وملتقى العقول :
قال رسول الله ( ص ) " أنا مدينة العلم وعلي بابها "
إن امتازت كل عاصمة من عواصم الدنيا الكبرى بما فيها من حسن
وجمال وأبهة وجلال ، وزينة وكمال ، فميزة النجف الأشرف عاصمة
علم آل البيت ( ع ) بأنها مصدر التقليد عند الإمامية ، وإليها يولي
وجههم
كل الشيعة من سائر آفاق الدنيا الإسلامية ، منذ أن هبط
إليها شيخ الطائفة الجليل شيخنا الطوسي رحمه الله أي منذ سبع عشرة
وتسعمائة سنة حيث جاور بها ينبوع الحكمة وبحر العلم الزاخر ، فخر
الأوائل والأواخر علي بن أبي طالب عليه السلام ، فهاجر إليها العلماء
وقصدها المجتهدون من كل حدب ينسلون فكانت من ذلك العهد
‹ صفحة 5 ›
إلى هذا العهد الحاضر مأوى عظماء العقول ، ومعقل رجال التشريع
وزعماء الدين ومراجع التقليد ، ومصادر الأنوار الإلهية ومصابيح الهداية
الربانية مسكنهم في الحياة ومدفنهم عند الممات ، وإذا قدر لأحدهم أن يحظى
بشرف المثول فيها حيا أوصى أن تنقل إليها رفاته بعد موته تبركا بتربتها
وتشرفا بمجاورتها بنيت على أساس من التقى جدرانها ، وأقيمت على
حساب الدين بيوتها ، وأنشئت بالعلم محلاتها ، واكتظت بالعلماء المجاورين
والمهاجرين طرقاتها ، وليس في النجف عائلة من العوائل العراقية - أيا
كان نوعها وصلتها - إلا وكان سبب سكناها بالنجف الهجرة العلمية ،
والنقلة الدينية ، فليس فيها بيت يسكن إلا وهو مدرسة لعالم أو مدفن
وطلبة العلم فيها وإن كانوا من جنسيات مختلفة يسعون لغاية واحدة مؤتلفة
وليس في العالم الشيعي على تباعد أرجائه وتشتيت أنحائه عالم ديني كبير
إلا من النجف أو إليها وعواصم الشيعة المختلفة في تأريخهم كالحلة
الفيحاء ، وحلب السهباء ، وبغداد ، وسامراء ، وقم ، وأصفهان ، وتبريز
وطهران ، منها تتجمع وعليها تتفرع ففضلها على تلك المدن كفضل
القمر البازغ على النجوم ، وحسب الناظر ما فيها من جوامع قدسية
حافلة ومدارس دينية آهلة يصعب على المرء تعدادها ويكفي ما فيها من
المقابر للعلماء الماضين والمجتهدين الغابرين .
‹ صفحة 6 ›
الثروة الأدبية في النجف الأشرف
في النجف - علاوة على الثروة العلمية الغزيرة - ثروة أدبية قيمة ،
هي ينبوع غزير ، لا ساحل له ولا قرار ، وعين للآداب فوارة ،
يمكن أن يرتوي منها أبناء الضاد ، وأن يخلقوا منها للعراق كيانا أدبيا
جديدا ، يتناسب والعصر الحاضر ، ويتفق والطراز الحديث . .
وكل هذه الثروة والخزانة الغالية لا تحتاج إلا إلى قليل من
الاعتناء والصقل والجلاء ، لتبرز إلى القراء ، والمتشوقين إلى هذه الآثار
الثمينة ، ولتخلق لنا جيلا متأدبا ، وطبقة من الأدباء كبرى ، يرفعون
رأس اللغة العربية في هذه الربوع ويجعلون لأبنائها مكانة سامية ومقاما
محمودا ، تحسدها عليه الأمم ، وتغبطها الشعوب . .
لمدينة النجف - في الناحية الأدبية - خصائص وميزات قلما توجد
في مدينة أخرى ، فقد عجنت بالآداب ، واختمرت به إلى درجة بعيدة جدا
فإني سرت وأين حللت ، رأيت وسمعت ما يطربك ويعجبك ، من
نثر رائق ، وشعر فائق ، ونكات مستملحة ، ونقد نزيه ، علاوة على
الذكاء الفطري المحس في سائر الطبقات في النجف .
‹ صفحة 7 ›
وهب أنك استطعت ( وهيهات ) أن تحصي في مدة طويلة أسماء
أدبائها وتعرف من مؤلفاتهم شيئا فإنك لا محالة عاجز عن الوقوف على
نهاية آثارهم المبعثرة هنا وهناك ، ويمكننا في هذا المقام أن نحصر الثروة
الأدبية في النجف بنطاق ضيق ونلخصه في مواضع ثلاث :
1 - أدب الجدران والأبواب
لا يكاد السائح أو الزائر أن يدخل إلى هذه المدينة المقدسة ، ويقف
على جدار جامع أو باب مدرسة أو مقبرة أو مشهد أو معبد ، إلا ويجد
عليه البيت أو البيتين أو القطعة النفيسة الرائقة ، مما يتناسب والمقام ،
وينطبق ومقتضى الحال فهذا باب جامع كتبت عليه أبيات جميلة ذكر
فيها عبارات التقوى والعبادة واسم الباني له وتاريخ بنائه ، وهذه دكة
رسمت عليها مقطوعة غالية يرثى بها صاحب القبر ، مع مقدار من شرح
مزاياه وآثاره وتأريخ وفاته ، وتلك زاوية أثرية مرت عليها الأجيال
والقرون بما فيها من أدباء يجتمعون بفنائها فأصبحت مجموعة نفيسة فيها
ما فيها من أبكار أفكار النجف وفطاحلها .
وحبذا لو تصدى بعض الباحثين من أدبائنا لإصدار مجموعة تضم تلك
الآثار الدارسة ليقف منها على أدب وتأريخ ومقدرة لا يستهان بها .
2 - أدب المجاميع الناطقة
ظاهرة من ظواهر أندية النجف الحافلة ، ومزية من مزايا عمار محافلها
‹ صفحة 8 ›
اختصت بها دون غيرها ، وهي أنك لا تكاد تجتمع بشيخ أو كهل
من رواد تلك المحافل ، ووراد هاتيك المناهل ، إلا وسمعته يروي لك
عن شعرها وشعرائها وطرائف أدبائها ، ونكاتهم ومطارحاتهم
ومساجلاتهم ، مما مرت عليه العصور التي قضاها في أوساط أولئك الكتاب
والشعراء ، وإذا أخذت نصيبك من تصفح صفحات ذاكرته وتبينت
خلال سطور حافظته وجدت نفسك - بلا ريب - وبين يديك مجموعة
( ناطقة ) تزيدك مادة أدبية كلما زدتها تصفحا واستطلاعا .
3 - أدب المجاميع المخطوطة
أجل - وفي زوايا النجف ومكتباتها ( العامة والخاصة ) وحجراتها
القديمة ، وخزائنها وصناديقها من المخطوطات الأثرية القديمة والحديثة
والمجاميع الجامعة ، والدواوين الشعرية ، والمقامات والرسائل النثرية
البليغة والمعارضات والمساجلات وتراجم مختلف الأدباء في مختلف
الأدوار والعصور ، ما يفوق حد الإحصاء .
فلو فتش أحدنا القصائد وتتبع المنظومات الشهيرة - أمثال البردة
والهمزية والدريدية والتترية والعلويات الهاشميات
‹ صفحة 9 ›
وبانت سعاد وميمية الفرزدق وغير ذلك ، فلا يجد لكل منها
إلا تخميسا أو تخميسين وتشطير أو تشطيرين ذلك في غير النجف .
ولو قلبنا وجوه هذه المجاميع التي أشرنا إليها - في زوايا النجف -
لوجدنا لكل واحدة من التخميس والتثمين والتشطير ، عددا كبيرا من
أحسن ما جادت به قرائح الأدباء النجفيين الوقادة .
ولقد حدثني أحد الأصدقاء وقال بأنه يعرف قصيدة واحدة اجتمع
عليها مقدار غير قليل من الشعراء فغير كل منهم قافيتها ورويها مع حفظ
الوزن والتراكيب ثم ادعاها كل منهم أنها له ، وأنها من بنات أفكاره
الخاصة ، ونظم دعواه أرجوزة حاوية على مستنداته ، وكل ما يبرر دعواه
وقد عرض هؤلاء دعاويهم " أراجيزهم " على قاضي النجف وكان أدبيا في
‹ صفحة 10 ›
زمانهم فحكم لأحدهم بها وإصدار قرارا منظوما بذلك ، يستند فيه
على أدلة مقنعة ، ويرد على شهادات الشهود ، كل ذلك بشعر نفيس
ونظم متين . وقد جاءت هذه المحاكمة من أنفس الكتب الأدبية ، التي
تدل على براعة ومقدرة أولئك الأدباء الفطاحل .
قدمت حكومة الأندلس للمؤرخ ابن خلدون جواز سفر بصورة
أرجوزة فقامت قيامة المؤرخين في الثناء على الأدب الأندلسي ، ولو
قارنا بين هذا الجواز الأندلسي وبين هذه الدعوى الكبيرة في النجف لألفينا
بونا بين الأدبين شاسعا ، وفرقا بين الحالين واسعا ، هذا جواز سفر
منظوم لا أكثر ولا أقل ، وهذه دعوى بها مقدار كبير من المدعين
ولكل مدع شاهدان ويتبعها قرار من المحكمة ، كلها نظم في نظم ، ولا
نرى مع ذلك كله مكبرا ولا مقدرا .
النجف وطبقات شعرائها
أن النجف قد اشتهرت بين البلدان بأمور ، منها كونها مدفن بطل
‹ صفحة 11 ›
الإسلام الإمام علي ( ع ) أما الأمر الثاني فهو مدارسها القديمة التي
أنشئت لدراسة علوم الشريعة الإسلامية ، وفنون اللغة العربية على الطريقة
المألوفة منذ عصور وقد كانت هذه المدارس تعد ما يناهز الثلاثين
مدرسة كبيرة وذلك خلال الربع الأول من هذا القرن ولا شك أن
عددها الآن دون ذلك .
ومن الأمور التي ذاع بسببها اسم النجف على ما نرى كثرة شعرائها
فلا نعرف في بلدان العرب بلدة تجاري النجف بكثرة تخريجها للشعراء
خصوصا في هذه القرون الأربعة الأخيرة ، هذا مع مراعاة صغر
رقعتها وأنها لا تعد في الحواضر الكبيرة ، وقد يجهل الأديب أو المفكر
العراقي هذه الحقيقة ولكنني لما كنت أتنقل في بعض الأقطار العربية
وذلك خلال سنة 1338هـ - 1920 م دهشت من الأسئلة الموجهة إلي
في هذا الشأن ولا أنسى إلى الآن اهتمام فريق من أعلام الشام بالموضوع
إذ ذاك ، فقد سئلت لماذا يكثر قالة الشعر في النجف والحلة ؟ وما سر
شاعريهم ؟ إلى هذا وغيره ، والحق إننا إذا رجعنا إلى بعض كتب الطبقات
أو التاريخ التي تم وضعها من بعد الألف للهجرة إلى عهد قريب ألفيناها
تسمي لنا أعلاما كثيرين من شعراء وأدباء نجفيين ولا أنسى كذلك أن فريقا
من فحول شعراء بغداد كانوا يحتكمون في مناقضاتهم إلى محافل النجف
الأدبية وذلك منذ عشرين سند أو نحو هذا التأريخ وقد كنا شبانا
‹ صفحة 12 ›
نطلب العلم في النجف إذ ذاك ، فما هو يا ترى ، منشأ هذه الخصوصية
في الحاضر المذكورة ؟
يترائى لنا أن السر في ( البيئة ) فإنها منشأ ما رأيت من كثرة
الشعراء في النجف والبيئة كلمة نريد منها حيث نطلقها فيما نحن فيه
مجموع المؤثرات الخارجية والذهنية - وفي مصطلح كتاب العصر
المؤثرات المادية والمعنوية التي تؤثر في تكوين الشخصية الإنسانية
من أوضاع خاصة بالزمان والمكان والثقافة والأخلاق وقد انتبه
المفكرون من علمائنا السابقين إلى أثر البيئة في تكوين خصائص
الكائنات إجمالا ومن أقوالهم المأثورة " إن لله أسرارا في الأزمنة
والأمكنة والبقاع " وغير ذلك ، ففي النجف توجد من جهة بعض
وسائل الثقافة وأدواتها من مدارس ومعاهد ودور كتب ، وتشاهد
حلقات الطلاب والمحصلين أثناء مذاكرتهم ترسم لنا صورة من تلك
الصور المأثورة في المجتمع الاسلامي القديم وتمثل لنا حلقات البصرة
ومجالس الكوفة المعروفة وليس لنا أن نستكثر ذلك على بلد الغريين
فإنها سواء في عصور الجاهلية أو الإسلام ذات صلة لا تنكر بمراكز
الثقافة والتهذيب ، فالنجف في جاهليتها قطعة من الحيرة عاصمة المناذرة
أو عاصمة عرب العراق قبل الإسلام حيث عاش الأدب الجاهلي في كنف
القوم ووفد عليهم فحول شعراء الجاهلية من أقصى نجد والحجاز هذا
‹ صفحة 13 ›
عدا من نبغ في الحيرة نفسها من شعراء وخطباء أنجبتهم قبائل ( أياد )
و ( العباد ) وغيرهما من قبائل الحيرة المشهورة وربما سبق الحيريون
إلى إنشاء أول مجمع للأدب الجاهلي إذا صح ما رواه علماء الأدب من أن
المعلقات جمعت في الحيرة وأن النعمان بن المنذر أمر فنسخت له أشعار
العرب في الكراريس ثم دفنها في قصره الأبيض فلما وثب المختار
بالكوفة سنة 66 قيل له إن تحت القصر كنزا فاحتفره فأخرج تلك
الأشعار ، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة . وإذا صح
ما يروي عن هشام بن الكلبي من أنه استخرج أخبار ملوك الحيرة
عن بعض صحفهم .
فعلى هذا كان في الحيرة تدوين وكانت صحف وكراريس
وبالجملة كان أدب جاهلي وكانت ثقافة حيرية عربية على الاجمال ، ومما لا
شك فيه أن الخط الكوفي المعروف إنما تفرع عن الخط الحيري الذي
انتشر في بلاد العرب في أواخر أدوار الجاهلية ، ولا بد مع
الخط من مخطوطات ومكتوبات فلذلك نحن لا نميل إلى نفي قصة المختار
بتاتا وإن كان أصلها وهو حماد الرواية متهما بوضعه لطائفة من الشعر
الجاهلي وكذلك الأمر في رواية ابن الكلبي والروايتان تدلان إجمالا
على تدوين شئ من الشعر والتاريخ الجاهلي في مدينة الحيرة على إننا لا نصحح
كثيرا مما نقلوه أو رووه في هذا الباب ، ففيه المنحول وفيه المدسوس
‹ صفحة 14 ›
بلا ريب .
أما النجف بعد الفتوح ودخول العراق في حوزة المسلمين فقد
أصبحت جزءا من الكوفة وقد مصرت الكوفة من قبل الفاتحين في
جوار الحيرة ولم تمض على تمصيرها أعوام قليلة حتى بدت على المسلمين
أعراض جديدة لا عهد لهم بها من قبل ومن مظاهرها الفتور والسأم
من الحرب والقتال والميل إلى الأدب والدراسة شأن الأمم التي تنتقل
من حال إلى آخر في مطالبها وأوضاعها الاجتماعية وهكذا مال
الكوفيون بكليتهم إلى الأدب والثقافة وعقد المحافل والمجالس لهذه الغاية
وبالغوا في الأمر بحيث أثر على سجاياهم الحربية تأثيرا أرمض قادتهم
وجعل الإمام عليا ينحي باللائمة عليهم وكيف لا يكون كذلك
والفروسية قلما اجتمعت مع الحضارة ومظاهرها من الأدب والدراسة
فهما خلقان متفاعلان في كثير من الأحيان كلما قوي أحدهما أضعف
الآخر ولما شعر الإمام علي ( ع ) باستفحال الأمر أي بما يجلبه التعمق
في الأدب على جنده وأصحابه من ضعف خلق الرجولة والكفاح فيهم
حاول اصلاحهم وحملهم على التمسك بأخلاقهم الماضية وانبرى لتقريعهم
قائلا في إحدى خطبه البليغة " تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين
تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار تربت أيديكم نسيتم الحرب
واستعدادها وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها "
‹ صفحة 15 ›
فمن ذلك التاريخ وضعت في الكوفة أقوم الخطط والمناهج لدراسة
الشعر والأدب واللغة دراسة واسعة جامعة نوهت بها جميع الآثار
الموضوعة في تاريخ آدابنا العربية حتى قيل أن الأدب أو الشعر ميراث
في الكوفة فلا بدع أن تحتفظ النجف بشئ من ذلك التراث الأدبي
العظيم أو الثروة العلمية الضخمة ومن المعقول أن تنطبع في ذاكرة
المثقفين من أبنائها ذكريات الكوفة ، ومآثر علمائها وشعرائها ونحاتها
ولغوييها في خدمة اللغة العربية ، وقد فطن بعض السواح من المستعربين
إلى أن لهجة النجفيين من أفصح اللهجات العربية في هذا العصر وقد
سمعت منهم ذلك .
ثم إننا نرى النجف من جهة أخرى حاضرة عربية في موقعها ونزعتها
وسجايا سكانها على الأكثر فالسكان يتعشقون حريتهم ويميلون إلى
البساطة في معيشتهم والبلد واقعة على مرتفع يشرف من جهد المغرب
على " البحيرة " الجافة المعروفة ثم على أفق واسع الرقعة مترامي الأطراف
من الصحراء ، ولمغرب الشمس مساء كل يوم وانحدارها في قلب تلك
البحيرة أو في جوف الصحراء منظر رايع طالما شاهدنا الطارئين على
النجف ولا سيما من الغربيين يتذوقونه ويقصدون تلك الأنشاز للتمتع
‹ صفحة 16 ›
به ثم ما تكاد تغيب الشمس في كثير من الأمسية والعشايا حتى تسطع
الكواكب أو يبزغ " ملك الليل " من ناحية المشرق يتهادى في سماء
صافية الأديم صحيحة الهواء إلى أن يغمر الصحراء أو الكون بأشعته
الفضية فيتكون من ذلك منظر آخر لا يقل في روعته عن المنظر
السابق ، ولا ينفك يذكي خيال النجفي الحساس ويغذيه غذاء لا ينفذ
معينه ولا ينقطع مادته أضف إلى ذلك توفر العزلة والسكون في تلك
الأرجاء ، فالنجف قد انتبذت ناحية عن الطرق العامة في العراق ، وطبيعة
البلد هادئة لا تعكر صفوها ضوضاء العمال ، أو الزراع المنتشرين في
سقي الفرات .
فمن تلك المناظر الرائعة أحيانا التي تبعث على التأمل وتيقظ الشعور
والوجدان ومن ذلك السكون الذي لا يثمر التأمل إلا في ظله استوحى
كثير من شعراء النجف أشعارهم الوجدانية وهاموا في كل واد .
وأصبحت تلك الناحية بيئة صالحة لتنمية الخيال وإرهاف الشعور ،
سخية بإنتاج الشعراء إنتاجا فاض عن حاجتها ، وربما جعل عنصر الخيال
في حياتها أقوى من عنصر الحقيقة .
ولا يؤخذ على الشاعر النجفي على الأكثر إلا نقص أو ضيق بين في ثقافته وإلا
‹ صفحة 17 ›
حاجته الظاهرة إلى استكمال أدوات هذا الفن كما يتطلبه هذا العصر
وهو نقص أو حاجة تستدعيها حالة البلد وأنها لا تعد في الحواضر
الكبير ولا في الأمصار الغنية الجامعة .
هذا ومن الحقائق المسلمة أن الشعر يتسم إلى حد بعيد بميسم العصر
الذي ينشأ فيه ، ولما كان الخمول والجمود والتقليد البحث من خصايص
هذه العصور الأربعة الأخيرة وصفاتها العامة ، فقد تأثر بها شعر
الشعراء لا في النجف وحدها ، بل في العالم العربي بأسره ، فغلب عليه
التكلف والتقليد وندر الابتكار والتوليد .
وإذا أنت سبرت قصائد القوم المنظومة في هذه البرهة ألفيتها على
الأكثر ترديدا سخيفا لما قاله الأقدمون في لفظه ومعناه تقرأها
فتقرأ فيها التصنع والضعف وتروى لك فيروى معها التخريف والأوهام
وما زال الأمر كذلك إلى عهد قريب ، أدركنا نحن أواخره كما
أدركنا بداية هذا العصر الحديث ، فعصرنا هذا إذا عصر يختلف
بطبيعته عن سابقه من حيث أنه عصر اليقظة والانتباه ومحاولة التحرر
والانعتاق من قيود التقليد والعادات بل هو عصر الحوادث الجسام
والماجريات العظام التي هزت النفوس وأثارت الأفكار فلا بدع أن
يتأثر ما يقال من الشعر في مثل هذا العصر بأخص خصائصه وأحواله .
ومن هذه الناحية ظهر الشعر العصري الموسوم بسمة هذا العصر تقرأه
‹ صفحة 18 ›
فتقرأ فيه الدعوة إلى التجديد والنهوض . . وتتصفحه فتتصفح فيه التطلع
إلى الحياة أو المطالبة بالإصلاح والحث على الأخذ بوسائل القوة
والاتحاد .
وبالجملة تجددت فيه أغراض وفنون أخرى ترمي إلى تصوير المثل
العليا للخير والحق والجمال في هذه الحياة وهي غاية الأدب الحقيقي في
جميع العصور . وادي النجف
لمعالي العلامة : الشيخ علي الشرقي
اللطف غبش صفحة * الوادي المنور بالشقايق
والرمل مواج السبائك * بالشذى القدسي عابق
والدار عالية البنا * قوراء كاملة المرافق
وضح الطريق لها * وزالت عن شرايعها المزالق
فيها مفاتيح لأبواب * الرجا وبها مغالق
‹ صفحة 19 ›
ولها مجاز ينتهي * بالسالكين إلى حقايق
وطني المقدس أي سر * في ثراك الطهر عالق
أمن الثرى هذي الدمى * ومن الورى هذي الغرانق
ومن التراب وما التراب * خلقت أوراد الحدايق
لله فيك عناية * جعلتك مخلوقا وخالق
مرت بصخرتك القرون * سريعة مر الدقائق
ملئ بكل طريفة * من كل معجزة وخارق
زاهي الحدود منيعة * ببني المدارس والخنادق
ساع لرفعة شعبه * بلد المنابر والمشانق
ولوائه القومي فوق * شعاره الوطني خافق
العز وضاء المنارة * لاهب والعزم صادق
تاج الجزيرة قبة * سطعت على خير المفارق
الحق تحت رواقها * والمجد ممدود السرادق
أين اللواحق يا غري * فأنت أنت أبو السوابق
يا لمعة النجف المعلى * لا تجهمك الطوارق
‹ صفحة 20 ›
النجف مركز اقتصادي للجزيرة العربية
لقد أرادت الطبيعة أن تعطي مدينة الغري صفة ممتازة في وضعها
الاقتصادي إضافة إلى ما لها من المركز الممتاز في عالم الأدب والدين
فالنجف هي منذ بدء تكوينها مدينة الاقتصاد ومدينة المال للجزيرة
العربية . لقد اعتاد سكان الجزيرة من بدويين وحضريين أن يتمونوا بما
يحتاجونه من ملابس وحبوب ولوازم وأثاث من أسواق النجف منذ
عهد بعيد كما أنهم يرتادون النجف للاكتيال من مناهلها الغزيرة أبان
اشتداد الأزمات وقلة المرعى في سنين المحل . حيث يضعف إنتاجهم
من الماشية والإبل ولقد اعتاد النجفيون تسليف أمثال هؤلاء بما
يحتاجونه من مال وحبوب وغيره دون أن يطلبوا لقائه أي وثيقة أو أي
مرتهن لعلمهم أن سكان البادية أمناء على ذممهم يسددون ما يترتب عليهم
دفعه ولو بعد انقراض الجيل الذي اقترض المال إذ كثيرا ما يأتي الأبناء
بالمال لسد ما بذمم آبائهم من أثمان المسابلة وهذه المدينة المنورة وحائل
وسائر مدن الصحراء مملوءة بالجالية النجفية التي بعثت روح النشاط
التجاري في هذه الأصقاع الصحراوية . أما النجف فمركزها الاقتصادي
‹ صفحة 21 ›
بالنسبة للأصقاع العراقية التي تحيطها ولما يجاورها من زراع فمهم جدا إذ قد
تشرب النجفيون بروح الاشتغال بالزراعة ومشاركة أربابها في مناطق
الفرات الأوسط برمته .
فالنجفيون ميالون بطبيعتهم إلى الأخذ بالأسس الاقتصادية الحديثة
ولو قيض الله لهذه المدينة من أبنائها المتمولين من يحسن التمشي على
أسس اقتصادية حديثة وقام بتأسيس المعامل والأدوات الاقتصادية
المختلفة لوجد في أبناء النجف نشئا يستعين ويسد حاجته به في مختلف
فروع الأعمال فالنجف الواقعة على مقربة من الفرات والمستمدة حيويتها
من مياه الفرات العذبة ونسيم الصحراء العليل لجديرة بأن تكون
مركزا اقتصاديا هاما بجمع بين النهضة الأدبية العلمية وبين النهضة
الاقتصادية ولا غرو أن الجمع بين هاتين النهضتين هو غاية الكمال .
‹ صفحة 22 ›
القسم الثاني والثالث
محتويات القسم الثاني
ما قيل في الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
ومقتطفات من أقوال المؤرخين العظام وفلاسفة الغرب الكبار
محتويات القسم الثالث
1 - ما قاله اللغويون عن النجف 2 - النجف قبل دفن الإمام وما قاله
المؤرخون عنها 3 - ما قاله الرحالون عنها 4 - بيان عن أسماء النجف
5 - بيان عن فضل النجف والتختم بحصبائها ومجاورة قبر أمير المؤمنين عليه السلام
6 - من دفن في النجف الأشرف من الأنبياء عليهم السلام وفضل الدفن فيها
7 - من دفن في النجف من صحابة الرسول الكرام 8 - قبر الإمام علي بن
أبي طاللب " ع " 9 - بيان عن أسباب إخفاء قبر الإمام علي بن أبي طالب " ع "
10 - من زار قبر الإمام علي بن أبي طالب " ع " من الأئمة " ع " 11 - ثواب زيارة
قبر الإمام علي ( ع ) 12 - تعيين المرقد المقدس من قبل علماء الآثار
13 - تعيين قبر المغيرة بن شعبة بموجب الأدلة القطعية 14 - ظهور القبر المقدس
15 - بعض الكرامات التي ظهرت عند المرقد المقدس
‹ صفحة 23 ›
كلمة جبران في الإمام " ع "
قال النابغة جبران خليل جبران :
في عقيدتي أن ابن أبي طالب كان أول عربي لازم الروح الكلية
وجاورها وسامرها وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها فرددها
على مسمع قوم لم يسمعوا بمثلها من ذي قبل ، فتاهوا بين مناهج بلاغته
وظلمات ماضيهم فمن أعجب بها كان إعجابه موثوقا بالفطرة ، ومن
خاصمه كان من أبناء الجاهلية .
مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته ، مات والصلاة بين شفتيه ،
مات وفي قلبه الشوق إلى ربه ، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره
حتى قام من جيرانهم الفرس أناس يدركون الفارق بين الجواهر والحصى
مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملة وافية ، غير أنني أتمثله مبتسما قبل
أن يغمض عينيه عن هذه الأرض ، مات شأن جميع الأنبياء الباصرين
الذين يأتون إلى بلد ليس ببلدهم وإلى قوم ليسوا بقومهم في زمن ليس
بزمنهم ، ولكن لربك شأن في ذلك وهو أعلم .
جبران
‹ صفحة 24 ›
ما جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد
في الجزء الأول
بحق الإمام ( ع )
ما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ولم يمكنهم جحد
مناقبه ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان
الإسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره
والتحريف عليه ووضع المعايب والمثالب له ولعنوه على جميع المنابر
وتواعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث
يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه
وكلما كتم تضوع نشره وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار إن
حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة .
وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة وتنتهي إليه كل فرقة
وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق
مضمارها ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى
مثاله احتذي وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي لأن
شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات فكان هو
‹ صفحة 25 ›
أشرف العلوم ومن كلامه عليه السلام اقتبس وعنه نقل وإليه انتهى
ومنه ابتدأ ، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر
ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه لأن كبيرهم واصل بن
عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه
وأبوه تلميذه عليه السلام وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن
علي بن أبي الحسن وإلى علي بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي
الجبائي وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بآخره إلى
أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأما الإمامية
والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .
ومن العلوم علم الفقه وهو عليه السلام أصله وأساسه وكل فقيه في
الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، وأما أصحاب أبي حنيفة
كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة وأما الشافعي فقرأ
على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة وأما أحمد بن حنبل
فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة وأبو حنيفة قرأ على
جعفر بن محمد عليه السلام وقرأ جعفر على أبيه ( ع ) وينتهي الأمر إلى
علي عليه السلام وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي وقرأ ربيعة على
عكرمة وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على علي ( ع )
وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك فهؤلاء
‹ صفحة 26 ›
الفقهاء الأربعة ، وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر وأيضا فإن فقهاء
الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وكلاهما أخذا عن
علي ( ع ) أما ابن عباس فظاهر وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه
إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة .
ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أخذ ومنه فرع وإذا رجعت إلى
كتب التفسير لعلمت صحت ذلك .
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف وقد عرفت أن
أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون .
ومن العلوم علم النحو والعربية وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه
وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله من جملتها
الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى
معرفة ونكرة وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر
والجزم وهذا يكاد يلحق بالمعجزات لأن القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر
ولا تنهض بهذا الاستنباط . وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل
النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها ، أما الشجاعة فإنه
أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ومن اسم من يأتي بعده . ومقاماته
في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة وهو الشجاع
الذي ما فر قط ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحد إلا قتله ولا ضرب
‹ صفحة 27 ›
ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية .
وأما القوة والأيدي فيه يضرب المثل فيهما قال ابن قتيبة في المعارف
ما صارع أحدا قط إلا صرعه وهو الذي قلع باب خيبر واجتمع عليه
عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة
وكان عظيما كبيرا جدا فألقاه إلى الأرض وهو الذي اقتلع الصخرة
العظيمة في أيام خلافته بيده عليه السلام بعد عجز الجيش كله عنها
فانبط الماء من تحتها .
وأما السخاء والجود فماله فيه ظاهرة كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده
وفيه أنزل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما
نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " وروى المفسرون
أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم
سرا وبدرهم علانية ، فأنزل فيه ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار
سرا وعلانية " .
وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن مذنب وأصفحهم عن مسئ .
وأما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين .
وأما الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء وعن
كلامه قيل دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ومنه تعلم الناس
الخطابة والكتابة .
‹ صفحة 28 ›
وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد وبدل الأبدال وإليه تشد
الرحال وعنده تنفض الأحلاس ما شبع من طعام قط وكان أخشن
الناس مأكلا وملبسا
وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاد وصوما ومنه تعلم
الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة .
وأما قراءته القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب
اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ( ص ) ولم
يكن غيره يحفظه ثم هو أول من جمعه ، وإذا رجعت إلى كتب القراءات
وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلاء وعاصم بن
أبي النجود وغيرهما لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ
وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن فقد صار هذا الفن من
الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق .
وأما الرأي والتدبير فكان من أسد الناس رأيا وأصحهم تدبيرا وهو الذي
أشار على عمر لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما
أشار وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم
يحدث عليه ما حدث وإنما قال أعداؤه لا رأي له لأنه كان متقيد بالشريعة
لا يرى خلافها ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه وقد قال عليه السلام
لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب .
‹ صفحة 29 ›
وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة خشنا في ذات الله لم يراقب
ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به ،
وأحرق قوما بالنار ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله
البجلي وقطع جماعة وصلب آخرين .
وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة وتعظمه
الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة وتصور ملوك الفرنج ولزوم صورته
في بيعها وبيوت عباداتها حاملا سيفه مشمرا لحربه وتصور ملوك الترك
والديلم صورته على أسيافها ، وكان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف
أبيه ركن الدولة صورته وكان على سيف الب أرسلان وابنه ملكشاه
صورته كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر .
وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكثر به وود كل أحد أن
يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها
أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك فإن أربابها نسبوا
أنفسهم إليه وصنفوا في ذلك كتبا وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه ،
وقصروه عليه وسموه سيد الفتيان وعضدوا مذهبهم بالبيت المشهور
المروي أنه سمع من السماء يوم أحد .
لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش
‹ صفحة 30 ›
ورئيس مكة قالوا قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال
له وكانت قريش تسمية الشيخ ، وهو الذي كفل رسول الله ( ص )
صغيرا وحماه وحاطه كبيرا ومنعه من مشركي قريش ولقي لأجله عنتا
عظيما وقاسى بلاء شديدا وصبر على نصره والقيام بأمره ، وجاء في الخبر
أنه لما توفي أبو طالب أوحى إليه الجليل يأمره بالهجرة وأن يخرج منها فقد
مات ناصره وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين
والآخرين ، وأخاه جعفر ذو الجناحين وزوجته سيدة نساء العالمين وابنيه
سيدا شباب أهل الجنة فآباؤه آباء رسول الله وأمهاته أمهات رسول الله
وهو مسوط بلحمه ودمه لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد
المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة فكان منهما
سيدا الناس هذا الأول وهذا التالي وهذا المنذر وهذا الهادي .
وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى وآمن بالله وعبده وكل
من في الأرض يعبد الحجر ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحد إلى التوحيد
إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله ( ص ) .
ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول
الله ( ص ) وإيمانا به ولم يخالف في ذلك إلا الإقلال وقد قال هو عليه السلام أنا
الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام الناس وصليت
قبل صلاتهم .
‹ صفحة 31 ›
الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )
( في سطور )
* ولد الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكعبة المشرفة ولم يولد فيها
أحد غيره .
* تربى في حجر النبي وتلقن بمبادئ النبي وتخلق بأخلاقه .
* وهو أول من أسلم وأجاب داعي الله في اتباع الحق ومحاربة الشرك
* قال الرسول الأعظم ( ص ) إلى علي وكان ذلك في أول بدائة
الإسلام ، وذلك عندما جمع الرسول عليه الصلاة والسلام رؤوس
قريش بما فيهم أبناء عبد المطلب في دار أبي طالب ممتثلا الأمر الصادر
من الجليل جل جلاله بقوله ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك
لمن اتبعك من المؤمنين ) قال له : أنت أخي ووزيري ووصي ووارثي
وخليفتي من بعدي ) وهو صريح بالنص على إمامة الإمام ( ع ) .
* فدى الإمام نفسه قربانا لرسول الله وذلك عندما قررت قريش
قتل الرسول الأعظم في فراشه فلبس سلام الله عليه برد النبي ونام على
فراشه معرضا نفسه للموت الزؤام وهذه منتهى الشجاعة والإقدام
والتضحية في سبيل الواجب المقدس .
* كان الإمام علي ( ع ) أعظم كتبه الوحي عند النبي عليه الصلاة
والسلام .
‹ صفحة 32 ›
* رأى النبي ( ص ) توثيقا لعرى المودة بين المهاجرين والأنصار أن
يؤاخي بينهم فكان يختار واحد من هؤلاء وواحدا من أولئك ويربطهم
برباط الأخوة ولما فرغ من الجميع آخى بين نفسه وبين فتاه الربيب فآثره
على كل حبيب بعيد وقريب .
* كانت معركة بدر هي أول انتصار للإسلام وقد أبلى فيها الإمام
علي ( ع ) على حداثة سنه بلاء عظيما فبطش بأشد أبطال مكة ومنهم
حنظلة والوليد وابن سعيد وغيرهم .
* كان الناس يخافون الإمام علي ( ع ) ويتهيبون منه خاصة في الحروب
بالنظر لعلمهم من صدق حملته وحد نصله كما أن يقظته كانت لا تغادره
لحظة مهما تأجج لهب الحرب بل يظل أبدا متمالك الأعصاب .
* ذو الفقار هو لقب سيف النبي الذي أهداه إلى علي ( ع ) فكان بيد
أبي الحسن آلة الخلود في عالم البطولة - وهو الذي قال فيه القائل
لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
* جاء النبي ( ص ) بيت علي ( ع ) في يوم بارد وكان علي وفاطمة
وولداهما الحسن والحسين عليهم السلام قد لجئوا إلى فراش واحد
ووضعوا فوقهم ملحفة يستدفئون بها لشدة البرد فدخل ( ص ) معهم
تحت الملحفة وجاء جبريل وهم على تلك الحالة فتمنى أن يكون سادسهم .
* فتك الإمام علي ( ع ) في غزوة أحد ببني عبد الدار حاملي لواء
‹ صفحة 33 ›
المشركين وكلما قتل واحد منهم أخذ اللواء آخر وآخر من أخذ اللواء
عبدهم ولما سقط يخور بدمه سقط اللواء فكانت الهزيمة ، ولولا مخالفة الرماة
لأمر النبي ( ص ) لكان النصر في جانب المسلمين ، وعلى أثرها كانت
الهزيمة الأولى والأخير غير أن - بضعة رجال - لم يكن من قريش فيهم
سوى الإمام علي والعباس وابنيه - ثبتوا فذادوا عن النبي في وقت
محنته بعد انهزام المسلمين كان لها الأثر في بقاء المسلمين ببقاء ( محمد ) ( ص )
فوقف الإمام أمام النبي وهو لا يستطيع أن يلهم سيفه السكون لو أنه
أراد وأخذ ينتقل به بين الرقاب والقلوب ويروي نصله بالدم أن كان
يرتوي حديد
* وفي غزوة الخندق قال النبي ( ص ) " برز الإيمان كله إلى الشرك
كله " اللهم إن قتل علي لا تعبد وإن شئت لا تعبد لا تعبد ، ولما قتل عمرو
ابن عبد ود العامري - قال ( ص ) ( ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين )
وفي غزوة خيبر كان الفتح على يد الإمام علي بعد أن استعصى على يد
المسلمين حتى قال فيه النبي ( لأعطين اللواء غدا رجلا يحبه لله ورسوله
ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله على يديه كرار غير فرار .
ثم إن عليا لما تهيأ للقتال في يوم خيبر قال له رسول الله ( ص ) يا علي والذي
نفسي بيده إن معك من لا يخذلك هذا جبريل عليه السلام عن يمينك
بيده سيف لو ضرب به الجبال لقطعها فاستبشر بالرضوان والجنة يا علي
‹ صفحة 34 ›
إنك سيد العرب وإني سيد ولد آدم .
* وفي غزوة السلسلة أو غزوة الرمل كان للإمام علي ( ع ) الموقف
العظيم الذي انفرد به عن بقية المسلمين فعقد النبي ( ص ) اللواء للإمام
بعد أن عجزت الحملات المتكررة المرسولة من قبل النبي بقيادة الصحابة
الكرام ، وقال الرسول الأعظم للإمام : إذهب كرار غير فرار . ثم
رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كنت تعلم أني رسول الله فاحفظني
فيه وافعل به وافعل وخرج علي ورافقه الرسول ( ص ) لتشييعه وبلغ معه
إلى مسجد الأحزاب وعلي على فرس أشقر مهلوب ، عليه بردان يمانيان
وفي يده قناة خطية ، فشيعه الرسول وأنفذ معه في من أنفذ أبا بكر ( رض )
وعمرو بن العاص ، وعندما أمكن الله تعالى الإمام بآل سليم وأتباعهم نزلت
على النبي ( ص ) سورة العاديات وهي " والعاديات ضبحا " ومعناها الخيل
التي تعدو فتضبح ، والضبح هو صوت أجوافها عند الركض " فالموريات
قدحا " لأن حوافرها تقدح في الأرض ذات الحجارة " فالمغيرات صبحا
، فأثرن به نقعا ، فوسطن به جمعا " فبشر النبي أصحابه بالفتح وأمرهم
أن يستقبلوا عليا فقاموا له صفين ، فلما بصر بالنبي ترجل عن فرسه فقال
له النبي راكب فإن الله ورسوله عنك راضيان فبكى علي فرحا فقال له
النبي . لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى
في المسيح لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بعده بمكان إلا أخذوا التراب
‹ صفحة 35 ›
من تحت قدميك .
* ومما قاله النبي في حق علي " ع "
- علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .
- أنا مدينة العلم وعلي بابها ولن تدخل المدينة إلا من أبوابها .
- أقضاكم علي
- عترتي تشبه السفينة من دخلها نجا من الغرق .
- علماء أهل بيتي النجوم فويل للمكذبين بفضلهم وإلى قوله أئمتكم
وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون .
* قوله ( ص ) لعمار بن ياسر " رض "
- إذا سلك الناس واديا وعلي واديا فاتبع عليا ودع الناس إنه لن
يدلك على ردئ
* نهج البلاغة فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق من حيث الفصاحة
والبلاغة ، قد ضمنه الإمام كلما يصلح حال الإنسانية ويرفع من قيمها المعنوية
* وفي غدير خم قال الرسول الأعظم " ص " بعد خطبة الوداع أيها
الناس ! ! إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن
كنت مولاه فهذا مولاه " يعني عليا " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه
وعند الانتهاء من الخطبة أتى كبار الصحابة وفيهم أبو بكر الصديق
وعمر بن الخطاب " رض " يهنئون الإمام قائلين بخ بخ لك يا ابن أبي
‹ صفحة 36 ›
طالب لقد أصبحت وأمسيت مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة وأمر
النبي " ص " أمهات المؤمنين أن يهنئنه أيضا ففعلن .
* دعا النبي عليا فحباه خاتمه وحمائل سيفه ثم طلب دواة وصحيفة وقال
اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال بعضهم إن رسول الله قد غلبه الوجع
وقال سواه بل قربوا يكتب فلم يستجب طلبه .
* ولعل أقسى محنة اجتازتها نفس بشرية كانت تلك التي ألمت بعلي إذ
وقف في جوف ذلك الليل هو وفاطمة " ع " على حافة قبر الرسول بعد
أن وسد الجثمان الكريم في مرقده .
* ظل علي المرجع الأعلى للفقه والأحكام في عهد الخليفتين أبي بكر
الصديق وعمر بن الخطاب " رض " ويستشير أنه وينزلان على رأيه
العالي ولا يكلمانه إلا بلهجة الاحترام والتقدير .
* بقي سلام الله عليه في عهد خلافة عثمان بن عفان " رض " المصلح
والمرشد والوسيط بين الجماهير الثائرة على سياسة عثمان من أجل عماله
وبين الخليفة الثالث مسديا له النصح بما يخص أعمال الخلافة المتعلقة
بمصالح الناس . ولم يجد عثمان مغيثا في حياته إلا الإمام علي " ع " فهو
الذي حمل إليه الماء وشق صفوف الثوار وعهد بالدفاع عنه إلى ولديه الحسن
والحسين ولكن ما عساهما يفعلان حيال الجماهير الزاخرة الثائرة ، وقد
أصيبا بالجراح وعلى الرغم من ذلك فقد ظنهما علي " ع " مقصرين فصفعهما
‹ صفحة 37 ›
* سار الإمام في خلافته على نهج النبي " ص " فرفع منار الحق ، وأقام
معالم العدل ، وكل قطيعة أقطعها عثمان وكل ما أعطاه من المال أعاده
إلى بيت المال .
* فالإمام علي هو بطل بدر وخيبر والخندق وحنين ووادي الرمل
والطائف واليمن وهو المنتصر في صفين ، ويوم الجمل والنهروان والدافع
عن الرسول يوم أحد وقيدوم السرايا ولواء المغازي .
* وعلي هو الذي تذكره النصارى في مجالسهم فيتمثلون بحكمه
ويخشعون لتقواه ويتمثل به الزهاد في الصوامع فيزدادون زهدا وقنوتا ،
وينظر إليه المفكر فيستضئ بهذا القطب الوضاء ويتطلع إليه الكاتب
الألمعي فيأتم ببيانه ويعتمد عليه الفقيه فيسترشد بأحكامه .
* وأعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية ، فلم ير أصبر منه على
المكاره ، إذ كانت حياته موصولة الآلام منذ أن فتح عينيه على النور في
الكعبة حتى أغمضها على الحق في مسجد الكوفة .
* ولم يستطع خصوم الرجل أن يأخذوا عليه مأخذا فاتهموه بالتشدد
في إحقاق الحق أي أنهم شكوا شدة تمسكه بالدين وأراده دنيويا يماري
ويداري ويحابي وأراد نفسه روحانيا رفيعا يستميت في سبيل العدل ،
لا تأخذه في سبيل الله هوادة ولا يلبي إلا النداء الصادر من أعماق نفسه
لإحقاق الحق ونشر لواء المساواة في بلاد الإسلام كما أراد الله - تعالى -
‹ صفحة 38 ›
من نبيه الكريم ( ص )
* فالإمام علي سلام الله عليه هو الذي قرن الله سبحانه - الولاية له بعد
رسوله على المؤمنين .
- وهو الذي فرض الله علينا طاعته وأمرنا بولائه في صريح من آي
الذكر الحكيم .
- وهو الذي تربى في حجر الرسالة حتى كان من صاحبها ( ص ) بمنزلة
هارون من موسى " ع " .
- وهو الذي كان باب مدينة علم النبوة .
- وهو الذي كان وصي رسول الله وخليفته في أمته وزوج ابنته
وأبا لأولاده .
وختاما لسيرة أبي السبطين : فأقول ماذا أنعم الرفيق الأعلى جل
شأنه على هذا الإمام من بعد وفاته ؟ ! أقول .
إن الله تعالى : جعل المكان الذي اتخذه الإمام لقبره موضعا روضة
من رياض الجنة وللشارد ملاذا ، وللعلم منارا ، وللفقراء ملجئا وللخائف
مأمنا بالإضافة إلى إنها مركز ديني ودار هجرة لطلب العلم حتى نبغ فيها
أعاظم العلماء وجهابذة الفقه ، وأصبح للعالم الكوني هدفا وللاسلام معهدا
فإلى من ألفت ؟ ! !
- ألفت كتابي هذا إلى من امتزج حبه بدمي وكل مشاعري
‹ صفحة 39 ›
- إلى من أول ما نطق لساني باسمه .
- إلى الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع )
وماذا أرجو من سيدي ومولاي أبي الحسن من تقديم هذا المجهود الضئيل
أرجوا أن أنال فيه حظوتي وأحصل على أماني التي لا تتجاوز غير أن
يكون الوسيط إلى الله - سبحانه - لأن يثبتني على الهدى ويجعل هواي
تبعا لطاعته وأفوز بشفاعة سيدي ومولاي الإمام عليه السلام .
‹ صفحة 40 ›
الباب الأول
ما قاله اللغويون عن النجف
قال الإمام اللغوي محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني
الواسطي الزبيدي الحنفي نزيل مصر المعزية بالجزء السادس من تاج
العروس في ص 350 في مادة نجف .
( النجف محركة ) والنجفة ( بهاء مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد )
كما في الصحاح ( و ) قال الليث النجف ( يكون في بطن الوادي ) شبيه
بنجاف الغبيط وهو جدار ليس بحد عريض له طول منقاد من بين معوج
ومستقيم لا يعلوه الماء ( وقد يكون ببطن من الأرض جمع ( نجاف )
بالكسر ( أو هي ) أي النجف ( أرض مستديرة مشرفة على ما حولها )
الواحدة نجفة قال امرؤ القيس:
أرى ناقة المرء قد أصبحت * على الأين ذات هبات نوارا
رأت هلكا بنجاف الغبيط * فكادت تجد لذاك الهجارا
وقيل النجاف شعاب الحرة التي يسكب فيها يقال أصابنا مطر
أسال النجاف " و " قال ابن الأعرابي ( النجف محركة التل ) وقال غيره
شبه التل " و " النجف أيضا " قشور الصليان " وقال ابن دريد : النجفة
( بهاء " ع " بين البصرة والبحرين ) وقال السكوني هي رملة فيها نخل
يحفر له فيخرج الماء وهو شرقي الحاجر بالقرب منه " و " قال ابن الأعرابي
‹ صفحة 41 ›
النجفة " المسناة " وقال الأزهري النجفة ( مسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء
السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها ) وقال أبو العلاة العرضي النجف قرية
على باب الكوفة ، وقال إسحق بن إبراهيم الموصلي :
ما إن رأى الناس في سهل وفي جبل * أصفى هواء ولا أغذي من النجف
كأن تربته مسك يفوح به * أو عنبر دافه العطار في صدف
وقال السهيلي بالفرع عينان يقال لأحدهما العريض وللآخر النجف
يسقيان عشرين ألف نخلة ، وهو بظهر الكوفة كالمسناة وبالقرب من هذا
الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . . ونجفة
الكثيب - محركة ( الموضع الذي تصفقه الرياح فتنجفه فيصير كأنه
جرف منجرف )
ما قاله اللغوي في الجزء الثالث من قاموس ص 197
النجف : محركة وبهاء مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد ويكون
في بطن الوادي ، وقد يكون ببطن الأرض " جمعه " نجاف ( أو هي )
أرض مستديرة مشرفة على ما حولها والنجف محركة التل وقشور الصليان
وبهاء ( موضع ) بين البصرة والبحرين والمسناة ومسناة بظاهر الكوفة
تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها ونجفة الكثيب الموضع تصفقه
الرياح فتنجفه فيصير كأنه جرف منجرف .
‹ صفحة 42 ›
ما قاله الإمام الفقيه اللغوي الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة
1085 هـ في مجمع البحرين ومطلع النيرين في اللغة ما نصه :
نجف : النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة يمنع ماء السيل أن
يبلغ منازلها ومقابرها قاله في المغرب والنجف والنجفة بالتحريك مكان
لا يعلوه الماء مستطيل ولتسميته نجفه وجه لطيف مشهور
ما جاء في المنجد ( المعجم المدرسي للغة العربية ) تأليف لويس معلوف
ص 858 ( النجف ) نجاف و ( النجفة ) التل . المكان الذي لا يعلوه
الماء في بطن الوادي . ( النجفة ) القليل من الشئ
( النجاف ) ما بني ناتئا فوق الباب مشرفا عليه . نجاف الغار : صخرة
ناتئة تشرف عليه .
البستان وهو معجم لغوي تأليف الشيخ عبد الله البستاني اللبناني جاء في
الجزء الثاني منه ص 2370 " النجف محركة مكان مستطيل منقاد لا يعلوه الماء
قد يكون في بطن الوادي وقد يكون ببطن من الأرض نجاف و - التل
و - قشور الصليان النجفة محركة النجف للمكان المذكور و - مسناة
بظواهر الكوفة تمنع سيل السحاب أن يعلو مقابرها ومنازلها
النجاف ككتاب دروند الباب هو ما بني ناتئا فوق الباب مشرفا عليه
كنجاف الغار وهو صخرة ناتئة تشرف عليه و - جمع النجف وهي أرض
‹ صفحة 43 ›
مستديرة مشرفة و - شعاب الحرة التي يسكب فيها يقال أصابنا مطر
أسال النجاف "
" نجفة الكثيب " إبطه وهو الموضع تصفقه الرياح فتنجفه فيصير كأنه
جرف منجرف يقال " قعد تحت نجفة الكثيب "
النجفة أيضا محركة موضع بين البصرة والبحرين
النجفة بالضم القليل من الشئ
النجيف سهم عريض النصل ج نجف بضمتين أو قال أبو حنيفة " هو
العريض الواسع الجرح " والجمع نجف قال أبو كبير الهذلي
نجف بذلت لها خوافي ناهض * حشر القوادم كاللفاع الأطحل
وقوله كاللفاع الأطحل أي كأن لون هذا النسر لون لحاف أسود
معجم البلدان للشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد
الله الحموي الرومي البغدادي المتوفى سنة 626 هـ المجلد السابع ص 266
" النجف " بالتحريك . . قاله السهيلي بالفرع عينان يقال لأحدهما
الربض وللأخرى النجف تسقيان عشرين ألف نخلة . . وهو بظهر الكوفة
كالمسناة تمنع مسيل الماء أن يعلو الكوفة ومقابرها والنجف قشور
الصليان وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه وقد ذكرته الشعراء في أشعارها فأكثرت فقال علي بن محمد
العلوي المعروف بالحماني الكوفي
‹ صفحة 44 ›
فيا أسفي على النجف المعرى * وأودية منورة الأقاحي
وما بسط الخورنق من رياض * مفجرة بأفنية فساح
ووا أسفا على القناص تغدو * خرائطها على مجرى الوشاح
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي يمدح الواثق ويذكر النجف
يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف * نحي دارا لسعدى ثم ننصرف
وابك المعاهد من سعدى وجارتها * ففي البكاء شفاء الهائم الدنف
أشكو إلى الله يا سعدى جوى كبد * حرى عليك مني ما تذكر تجف
أهيم وجدا بسعدى وهي تصرمني * هذا لعمرك شئ غير مؤتلف
دع عنك سعدى فسعدى عنك نازحة * واكفف هواك وعد القول في لطف
ما إن رأى الناس في سهل وفي جبل * أصفى هواء ولا أغذي من النجف
كأن تربته مسك يفوح به * أو عنبر دافه العطار في صدف
حفت ببر وبحر في جوانبها * فالبر في طرف والبحر في طرف
وبين ذاك بساتين تسيح بها * نهر يجيش بجاري سيله القصف
وما يزال نسيم من أيامنه * يأتيك منه بريا روضة نف
تلقاك منه قبيل الصبح رائحة * تشفي السقيم إذا أشفى على التلف
لو حله مدنف يرجو الشفاء به * إذا شفاه من الأسقام والدنف
يؤتى الخليفة منه كلما طلعت * شمس النهار بأنواع من التحف
‹ صفحة 45 ›
والصيد منه قريب إن هممت به * يأتيك مؤتلفا في زي مختلف
فيا له منزلا طابت مساكنه * بخير من حاز بيت العز والشرف
خليفة واثق بالله همته * تقوى الإله بحق الله معترف
ولبعض أهل الكوفة
وبالنجف الجاري إذا زرت أهله * مها مهملات ما عليهن سائس
خرجن بحب اللهو في غير ريبة * عفائف باغي اللهو منهن آيس
يردن إذا ما الشمس لم يخش حرها * ظلال بساتين جناهن يابس
إذا الحر آذاهن لذن بفينه * كما لاذ بالظل الظباء الكوانس
له إذا استعرضتهن عشية * على ضفة النهر المليح مجالس
يفوح عليك المسك منه وإن تقف * تحدث وليست بينهن وساوس
ولكن نقيات من اللؤم والخنا * إذا ابتز عن أبشارهن الملابس
( النجفة ) بالتحريك مثل الذي قبله وزيادة هاء والنجفة تكون في بطن
الوادي شبه جدار ليس بعريض له طول منقاد من بين معوج ومستقيم
لا يعلوها الماء وقد يكون في بطن الأرض وقد يقال لإبط الكثيب
نجفة الكثيب وهو الموضع الذي تصفقه الرياح فتنجفه فيصير كأنه
جرف منجرف وتبر منجوف وهو الذي ينجفر في عرضه هو غير
مضروح أي موسع والنجفة * موضع بين البصرة والبحرين . وقال السكوني
النجفة رملة فيها نخل تجفر له فيخرج الماء وهو في شرقي الحاجر بالقرب منه .
‹ صفحة 46 ›
الباب الثاني
وما قاله المؤرخون عنها
1 - النجف قبل دفن الإمام علي ( ع )
جاء في ماضي النجف وحاضرها ص 13
النجف مهبط الأولياء ، ودار هجرة الأنبياء ( ع ) عليها استوت سفينة
نوح ( ع ) كما في بعض الأحاديث ومنه تفرقت أولاد نوح " ع " كما في
الأعلاق النفيسة ص 108 وبها كان منزل إبراهيم الخليل " ع " وإليها
كانت هجرته وفي أيام التنوخيين واللخميين والمناذرة يوم كانت الحيرة عاصم ء ملكهم قد
‹ صفحة 47 ›
أخذت بنصيب وافر من الحضارة والعمران كانت النجف مأهولة ومعمورة
وكانت الحضارة قائمة بها على أسس عربية لقربها من الحيرة ومجاورتها لها .
فالنجف عربية قبل كل شئ وأهلها في ذلك العهد عند شيوع النصرانية
نصارى من النسطورية وهم من العرب الأقحاح ولم تزل بعض الأديرة
موجودة فيه حتى بعد انتشار الإسلام وعلو شوكته منها ما هو في
النجف ومنها ما هو مشرف عليها كدير مارت مريم وهو دير قديم
مشرف على النجف ذكره الثرواني فقال :
بمارت مريم الكبرى * وظل فنائها فقف
فقصر أبي الخصيب المشرف * الموفي على النجف
فأكناف الخورنق والسدير * ملاعب السلف
إلى النخل المكمم * والحمائم فوقه الهتف
ديارات الأساقف
هذه الديارات بالنجف ظاهر الكوفة وهي قباب وتصور بحضرتها نهر
يعرف بالغدير عن يمينه قصر أبي الخصيب وعن شماله السدير وفيه يقول
علي بن محمد بن جعفر العلوي الكوفي الحماني
كم وقفة لك بالخورنق * ما توازي بالمواقف
بين الغدير إلى السدير * إلى ديارات الأساقف
فمدارج الرهبان في * أطمار خائفة وخائف
‹ صفحة 48 ›
دمن كأن رياضها * يكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانها * فيها عشور في مصاحف
بحرية شتواتها * برية فيها المصائف
و " دير الأسكول " هو بالحيرة راكب على النجف - وهناك أديرة
أخر بين النجف والحيرة أعرضنا عنها وتوجد في ساحة النجف عيون
كثيرة زراعية تنتهي إلى البر وقد ذكرها ابن الفقيه في كتاب البلدان
ص 187
وعند الفتتح الإسلامي كانت ساحة النجف مأهولة بالعرب وهم أهل
زراعة ووقعت فيها عدة معارك مهمة . منها ما كان عند فتح الحيرة سنة
12 هـ فإنه نزلها خالد بن الوليد وكانت معسكرا له كما ذكر ذلك الطبري
في تاريخه جزء " 4 " ص 12 ووقعت بينه وبين أهل الحيرة مناوشات
كثيرة قتل بعض المسلمين في النجف .
فقال بن عمرو يذكر القتلى في النجف
سقى الله قتلى بالفرات مقيمة * وأخرى بأثباج النجاف الكوانف
فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا * وبالثني قرني قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كان عرشهم * يميل به مفل الجبان المخالف
رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا * غبوق المنايا حول تلك المحارف
‹ صفحة 49 ›
وفي حياة الحيوان في حرف الحاء عند ذكر الحية قال :
إن خالد بن الوليد لما تحصن منه أهل الحيرة بالقصر الأبيض وغيره من
قصورهم نزل بالنجف وأرسل إليهم أن ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم
فأرسلوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حبان بن بقيلة الغساني
وكان من المعمرين فقاوله ألح - ونزلها عصمة - ( أحد قواد خالد بن
الوليد ) سنة 12 عند وقعة البويب وهو موضع الكوفة اليوم - ونزلها
سوار بن مالك واستاق من ماشية العرب النازلين بها ثلاثمائة دابة وفي
أيام القادسية سنة 14 ه كانت النجف ساحة حرب يتبادل النزول بها
المسلمون والفرس .
ووقعت في النجف لكثير من الرجال المشاهير مطارحات ونوادر
مأثورة آثرنا ذكر بعضها ،
أ - كتب شريح القاضي إلى صديق له هرب إلى النجف من الطاعون
أن المكان الذي أنت فيه بعين من لا يفوته طلب ولا يعجزه هرب والمكان
الذي خلفت لا يعجل إلى امرئ حمامه وأنت وهم على بساط واحد وأن
النجف من ذي قدرة لقريب
‹ صفحة 50 ›
ب - قال الهيثم خرج شريح إلى مكة فشيعه قوم فانصرف بعضهم
من النجف بعد السفرة ومضى معه قوم فلما أرادوا أن يودعوه قال أما
أصحاب النجف فقد قضينا حقهم بالطعام وأما أنتم فأغنيكم ورفع عقيرته وغنى
إذا زينب زارها أهلها * حشدت وأكرمت زوارها
وإن هي زارتهم زرتها * وإن لم يكن لي هوى دارها
ح - ووقعت للمغيرة بن شعبة يوم كان واليا على الكوفة في النجف
مكالمة مأثورة مع ابن لسان الحمراء أحد بني يتم الله بن ثعلبة وكان معه
الهيم بن التيهان النخعي ذكرها ابن أبي الحديد ج 3 ص 163
وفي أيام المنصور سنة 144 ه ، لما مروا ببني الحسن على النجف وهم عبد
الله بن الحسن ابن الحين . . وإبراهيم بن الحسن - وعلي بن الحسن .
والحسن بن جعفر بن الحسن بن لحسن وسليمان وعبد الله ابنا داود
ابن الحسن بن الحسن وكانوا ثلاثة عشر رجلا قال عبد الله لأهله أما
ترون في هذه القرية " وأشار إلى النجف " من يمنعنا هذه الطاغية
انتهى
وبالنظر لما تقدم كانت في النجف قرية عامرة في غير موضع بلدة النجف
اليوم إذا لم يكن في ذلك العهد عمارة حول القبر الشريف ولا هو ظاهر معلوم .
‹ صفحة 51 ›
ويساعده قول بعض اللغويين . قال في تاج العروس عند ذكر النجف :
وقال أبو العلا العرضي النجف قرية على باب الكوفة .
ما قاله المؤرخون عن النجف
1 - جاء في كتاب البلدان لليعقوبي طبع ليدن ص 309 بعد ذكر الكوفة
ووصفها ( قال والحيرة منها على ثلاثة أميال والحيرة على النجف والنجف كان
ساحل بحر الملح ، وكان في قديم الدهر يبلغ الحيرة وهي منازل آل بقيلة وغيرهم )
2 - وفي معجم البلدان للياقوت الحموي عند ذكر الحيرة قال : -
( الحيرة مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له
النجف )
3 - وجاء في صبح الأعشى ج 4 ص 333 للقلقشندي بعد ذكر
الحيرة وضبطها وتحديدها :
( وقال : في العزيزي مدينة قديمة على ثلاثة أميال من الكوفة وكانت
منازل آل النعمان بن المنذر وبها تنصر المنذر بن امرئ القيس وبنى بها
الكنائس العظيمة والحيرة على موضع يقال له النجف )
‹ صفحة 52 ›
4 - وجاء في تأريخ الطبري ج 1 ص 73 ما نصه :
( جلس النعمان يوما في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه
من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب وعلى الفرات مما يلي
المشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع فأعجب ما رأى من
الخضرة والنور والأنهار )
5 - وجاء في تأريخ العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ج 1 ص 204
طبع مصر سنة 1908 ما نصه :
( كانت الحيرة على شاطئ الفرات والفرات يدنو من أطراف البر حتى
يقرب من النجف فلما تبسط النعمان في العيش رأى أن يتخذ مجلسا عاليا
يشرف منه على المدينة فاتخذ الخورنق على مرتفع يشرف منه على
النجف وما يليه من البساتين والجنان والأنهار )
‹ صفحة 53 ›
الباب الثالث
ما قاله الرحالون عن النجف
1 - جاء في رحلة ابن جبير في ص 166 ما نصه .
( وأصبحنا بالنجف وهو بظهر الكوفة كأنه حد بينها وبين الصحراء
وهو صلب من الأرض منفسح متسع للعين فيه مزاد واستحسان
وانشراح ) وفي ص 168 بعد انتهائه من زيارته للكوفة قال ما نصه .
" وفي غربي مدينة الكوفة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير
الشأن المنسوب لعلي بن أبي طالب " رض " وحيث بركت ناقته وهو
محمول عليها مسجى ميتا على ما يذكر ثم يقول في هذا المشهد بناء حفيل
على ما ذكر لنا لأنا لم نشاهده بسبب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن
ذلك لأنا لم نبت فيها سوى ليلة السبت وفي غذائه رحلنا "
2 - وجاء في رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 109 ما نصه
نزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب ( ع ) بالنجف وهي مدينة حسنة
في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها
بناء ولها أسواق حسنة نظيفة دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا
سوق البقالين والطباخين والخبازين ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين
والقسارية ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون
أنه قبر علي " ع " وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة
‹ صفحة 54 ›
وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزليج عندنا لكن لونه أشرق ونقشه أحسن
ذكر الروضة والقبور التي فيها
ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية
من الشيعة ، ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر
مرتين في اليوم ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة وعلى بابها
الحجاب والنقباء والطواشية فعندما يصل الزائر يقول إليه أحدهم أو
جميعهم وذلك على قدر الزائر ينفقون معه على العتبة ويستأذنون له
ويقولون عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضعيف يستأذن على
دخوله للروضة العلية فإن أذنتم له وإلا رجع - وإن لم يكن أهلا لذلك
فأنتم أهل المكارم والستر ثم يأمرونه بتقبيل العتبة وهي من الفضة وكذلك
العضادتان ثم يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير
وسواه وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبار والصغار ، وفي
وسط القبة مسطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة
المحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر
منه شئ وارتفاعها دون القامة . وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن
أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام والثاني قبر نوح عليه الصلاة
والسلام والثالث قبر علي رضي الله تعالى عنه وبين القبور طسوت ذهب
وفضة فيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك
‹ صفحة 55 ›
ويدهن به وجهه تبركا ، وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة وعليه
ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان
مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير وله أربعة أبواب عتباتها فضة وعليها
ستور الحرير . ولهذه الروضة كرامات ثبت بها عندهم فمنها : أن في ليلة
السابع والعشرين من رجب وتسمى عندهم المحيا ويؤتى إلى تلك الروضة
بكل مقعد من العراقيين وخراسان وبلاد فارس والروم فيجتمع منهم
الثلاثون والأربعون ، ونحو ذلك فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا
فوق الضريح المقدس والناس ينتظرون قيامهم وهم بين مصل وذاكر
وتال ومشاهد للروضة فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك
قام الجميع أصحاء من غير سوء وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله
علي ولي الله ، وهذا أمر مستفيض عندهم سمعته من الثقاة ، ولم أحضر
تلك الليلة ، لكن رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من
أرض الروم والثاني من أصبهان والثالث من خراسان ، وهم مقعدون
فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنهم أناس من البلاد ويقيمون سوقا
عظيمة مدة عشرة أيام وليس بهذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال .
وإنما يحكم عليهم نقيب الأشراف وأهلها تجار يسافرون في الأقطار وهم
أهل شجاعة وكرم ، ولا يضام جارهم صحبتهم في الأسفار فحمدت
‹ صفحة 56 ›
صحبتهم ، وخزانة الروضة عظيمة فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته
ذكر نقيب الأشراف
ونقيب الأشراف مقدم من ملك العراق ومكانه عنده مكين
ومنزلته رفيعة وله ترتيب الأمراء الكبار في سفره وله الأعلام
والأطبال وتضرب الطبلخانة عند بابه مساء وصباحا وإليه حكم هذه
المدينة ولا والي بها سواه ولا مغرم فيها للسلطان ولا لغيره وكان
النقيب في عهد دخولي إليها " نظام الدين حسين بن تاج الآوي نسبة
إلى بلدة آوة من عراق العجم " وكان قبله جماعة يلي كل واحد منهم بعد
صاحبه ، منهم جلال الدين ابن الفقيه ومنهم قوام الدين بن طاووس
ومنهم ناصر الدين مطهر ابن الشريف الصالح شمس الدين محمد من
عراق العجم وهو الآن بأرض الهند من ندماء ملكها ومنهم أبو غرة
ابن سالم بن مهنا بن جماز بن شيحة الحسيني المدني .
‹ صفحة 57 ›
ما قاله الرحالة صاحب جريدة * السفير *
السيد عبد الرحمن شرف التي كانت تصدر في الإسكندرية
تحت عنوان رحلته في ( الشرق المجهول ) بعددها المرقم 30
والمؤرخ 18 ديسمبر سنة 1928
لم يكن في ( مدينة النجف ) خلال بسط النفوذ التركي عليها
رغم جودة هوائها وحسن مناخها أي أثر من آثار الحضارة والعمران
وكلما تمتاز به هذه ( المدينة ) المقدسة هو وجود ضريح الإمام علي بن
أبي طالب فيها وقد عني بتشييد هذا الضريح وتنسيقه وزخرفته في صورة
تبهر الألباب وتسبي العقول أشهر مشاهير مهندسي الفرس وكان ذلك
تحت إشراف ملوك إيران وأمراء الهند وعظمائهم ولقد زاد في جمال
ذلك البناء الفخم بعض سلاطين آل عثمان وحكام العراق أما الضريح
فقائم في مقصورة مربعة طول كل منها ثلاثة أذرع بوجه التقريب على
ما أذكر وهكذا ارتفاعه . وهذه المقصورة تعلوها قبة شاهقة عظيمة
يزين سقفها نقوش هندسية بديعة ، وآيات من الكتاب العزيز وأحاديث
نبوية تختص بآل البيت وكلها محلى بالذهب الأبريز ولهذه القبة من
الخارج شكل قلما يوجد له نضير بين قباب الأضرحة والمساجد أيضا
في العالم كله ، إذ أنها مكسوة بطبقة نحاسية تعلوها طبقة ثانية من
‹ صفحة 58 ›
الذهب الخالص ويبلغ سمك هذه الطبقة الذهبية ثلاث ( مليمترات )
على ما أكد لي بعض الفنين المطلعين على بنائها .
وهكذا شرفات المآذن الكبيرة والمحيطة بالقبة الذهبية فإذا ما أشرقت
شمس بأشعتها على تلكم القبة والمأذنتين قد تجد إلى ( النجف ) وهو على بعد أميال
منها بريقا يأخذ بالأبصار ، وتألقا يشع النور في الفضاء ، ويرتفع إلى عنان
السماء أما الأموال التي أنفقت في سبيل كساء القبة وحدها بطبقة ذهبية
فتقدر بمبالغ طائلة جادة بها نفوس ملوك الفرس وأمراء الهنود وسواهم
من أثرياء الشيعة ، ويحيط بضريح الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) رواق
واسع لطواف الزائرين ، ولهذا الطواف وكذا الزيارة نظام ينفذه أناس
عديدون وفي الرواق المذكور من الزخرف ونفيس الآثار القيمة
ما يدهش العقول ومدخل الرواق محلى بطبقة من الذهب الإبريز أما بابه
فمصنوع من الفضة وحوله فناء واسع يحيط به سور عظيم شيدت
إلى جوانبه غرف عديدة خصص بعضها لسكن القائم على صيانة الضريح
ورؤية شؤونه والبعض الآخر لتعليم الأطفال وبيع الكتب وغير هذا
من المتاجر ، ويوصف أمين الضريح ( بالكليدار ) وهي كلمة فارسية
معناها حافظ المفتاح ولا بد أن يكون من الأشراف الذين توارثوا
سدنة الضريح ولهذا الأمين نفوذ كبير لدى الخاصة والعامة .
‹ صفحة 59 ›
الباب الرابع
بيان عن أسماء النجف
لبقعة النجف أسماء كثيرة وإليك ما هو المشهور منها :
1 - النجف
تشير الكتب التأريخية بأن النجف الحالي هو ظهر الكوفة قديما والذي
يعبرون عنه بلسان البر وكان يقع بين نهر السدير والغدير حتى يصل إلى
البطن فما قرب من الفرات يسمى الملطاط وما قرب من البطن يسمى النجاف .
فالنجف القديمة هي الأرض التي انفصلت من الكوفة وانحاز عنها
الضهر حتى يصل إلى الحيرة وقديما كانوا يطلقون الاسم على نجف الحيرة
كما يطلقون الاسم على نجف الكوفة .
وقد وردت في كثير من الأخبار بأن تربة النجف كانت تمتاز بنقاءة
الهواء وصفاء الجو وطيب المنبت حتى أن قسما من خلفاء بني العباس
كالسفاح والمنصور والرشيد وغيرهم كانوا يتخذونها مكانا لنزهتهم في
أيام الربيع كما أن قصورهم كانت أيضا تشرف على النجف كقصر أبي
الخصيب وقصر الأبيض وحتى ديارات الأساقف كانت واقعة
‹ صفحة 60 ›
بين قصر أبي الخصيب والسدير ، وأن هذا مما يدل على ما لهذه
التربة من مكانة في نفوس عظماء رجال الأجيال قديما وحديثا
ويروى عن الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق " ع " إن النجف
كانت جبلا عظيما وهو الذي قال ابن نوح " سآوي " إلى جبل يعصمني
من الماء " ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه فأوحى الله إليه يا
جبل أيعتصم بك مني فتقطع قطعا إلى بلاد الشام وصار رملا دقيقا
وصار بعد ذلك بحرا عظيما وكان يسمى ذلك البحر " ني " ثم جف بعد
ذلك فقيل ني جف فسمي بنيجف ثم صار بعد ذلك يسمونه نجف لأنه
كان أخف على ألسنتهم أما النجف من حيث اللغة فقد ذكر في الباب
الأول ص 40 من كتابنا هذا
2 - الغريان
تثنية الغري وهو المطلي الغراء ممدود وهو الغري الذي يطلى به
والغري فعيل بمعنى معول والغري الحسن من كل شئ يقال رجل
غري الوجه إذا كان حسنا مليحا فيجوز أن يكون الغري مأخوذا من
كل واحد من هذين * والغري نصب كان يذبح عليه العتائر والغريان
‹ صفحة 61 ›
طربالان وهما بنا آن كالصومعتين بظاهر الكوفة قرب قبر علي
بن أبي طالب ( رض ) وقد حدث عنها هشام بن محمد الكلبي
قال : حدثني شرقي بن القطامي ، قال بعثني المنصور إلى بعض
الملوك فكنت أحدثه بحديث العرب وأنسابها فلا أراه يرتاح لذلك
ولا يعجبه قال - فقال لي رجل من أصحابه يا أبا المثنى أي شئ الغري
في كلام العرب ، - قلت - الغري الحسن والعرب تقول هذا رجل غري
وإنما سميا الغريين لحسنهما في ذلك الزمان وإنما بني الغريان اللذان في
الكوفة على مثل الغريين بناهما صاحب مصر وجعل عليهما حرسا فكل
من لم يصل لهما قتل إلا أنه يخيره خصلتين ليس فيهما النجاة من القتل
ولا الملك ، ويعطيه ما يتمنى في الحال ثم يقتله فغبر بذلك دهرا قال :
فأقبل قصار من أهل أفريقية ومعه حمار له وكذين فمر بهما فلم يصل
فأخذه الحرس فقال : مالي فقالوا - لم تصل للغريين - فقال لم أعلم ،
فذهبوا به إلى الملك ، فقالوا هذا لم يصل للغريين - فقال له ما منعك أن
تصلي لهما ، قال : لم أعلم وأنا رجل غريب من أهل أفريقية أحببت أن
أكون في جوارك لأغسل ثيابك وثياب خاصتك ، وأصيب من كنفك
‹ صفحة 62 ›
خيرا ولو علمت لصليت لهما ألف ركعة فقال له تمن فقال : وما أتمنى ،
فقال - لا تتمن الملك ولا أن تنجي نفسك من القتل وتمن ما شئت -
قال فأدبر القصار ، وأقبل وخضع وتضرع وأقام عذره لغربته فأبى أن
يقبل فقال إني أسألك عشرة آلاف درهم فقال علي بعشرة آلاف درهم ،
قال وبريدا - فأتى البريد فسلم إليه وقال إذا أتيت أفريقية فسل عن
منزل فلان القصار فادفع هذه العشرة آلاف درهم إلى أهله ، ثم قال له
الملك تمن الثانية فقال أضرب كل واحد منكم بهذا الكذين ثلاث
ضربات واحدة شديدة وأخرى وسطى وأخرى دون ذلك ، قال ، فارتاب
الملك ومكث طويلا ثم قال لجلسائه ما ترون ، قالوا نرى أن لا تقطع
سنة سنها آباؤك قالوا فبمن تبدأ - قال أبدأ بالملك ابن الملك . . الذي سن
هذا ، قال فنزل عن سريره ، ورفع القصار الكذين فضرب أصل قفاه
فسقط على وجهه فقال الملك ليت شعري أي الضربات هذه والله لئن
كانت الهينة ثم جاءت الوسطى والشديدة لأموتن فنظر إلى الحرس -
وقال أولاد الزنا تزعمون إنه لم يصل وأنا والله رأيته حيث صلى خلوا
سبيله واهدموا الغريين - قال فضحك القصار حتى جعل يفحص برجله
من كثرة الضحك . . .
قلت أنا فالذي يقع لي ويغلب على ظني أن المنذر لما صنع الغريين في ظاهر
الكوفة سن تلك السنة ولم يشرط قضاء الحوائج الثلاثة التي كان
‹ صفحة 63 ›
يشرطها ملك مصر والله أعلم ، وأن الغريين بظاهر الكوفة بناهما المنذر
ابن امرئ القيس بن ماء السماء وكان السبب في ذلك أنه كان له نديمان
من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن نظلة والآخر عمر بن مسعود ثملا
فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان
في ظهر الكوفة ودفنهما حيين فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه
فيهما فغمه ذلك وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان
، فقال المنذر ما أنا بملك إن خالف الناس أمري لا يمر أحد من وفود
إلا بينهما وجعل في السنة يوم بؤس ويوم نعيم يذبح في يوم
بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطربالين فإن رفعت له الوحش طلبتها
الخيل وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ما يعن ويطليان
بدمه ولبث بذلك برهة من دهره وسمى أحد اليومين يوم البؤس وهو
اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره وسمى الآخر يوم النعيم
يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم فخرج يوما
من أيام بؤسه إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر وقد جاء
ممتدحا فلما نظر إليه قال هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد فقال عبيد أتتك
بحائن رجلاه فأرسلها مثلا فقال له المنذر أو أجل قد بلغ أناه ، فقال -
رجل ممن كان معه أبيت اللعن أتركه فإني أظن أن عنده من حسن
القريض أفضل ما تريد من قتله فاسمع حسنا فاستزده وإن كان
‹ صفحة 64 ›
غيره قتلته وأنت قادر عليه فأنزل فطعم وشرب ثم دعا به المنذر فقال :
له زدنيه ما ترى ، قال أرى المنايا على الحوايا ، قال له المنذر أنشدني ،
فقد كان يعجبني شعرك فقال عبيد حال الجريض دول القريض بلغ الحزام
الطيبين فأرسلها مثلين فقال له بعض الحاضرين أنشد الملك هبلتك أمك فقال
عبيد وما قول قائل مقتول فأرسلها مثلا أي لا تدخل في همك من لا يهتم بك
. . قال المنذر قد أمللتني فارحمني قبل أن آمر بك قال عبيد من عزيز
فأرسلها مثلا فقال المنذر أنشدني قولك * أقفر من أهله ملحوب *
فقال عبيد : -
أقفر من أهله عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد
عنت له منية تكود * وحان منهما له ورود
فقال له المنذر أسمعني يا عبيد قولك قبل أن أذبحك . . فقال : -
والله إن مت ما ضرني * وإن عشت ما عشت في واحده
فأبلغ بني وأعمامهم * بأن المنايا هي الواردة
لها مدة فنفوس العباد * إليها وإن كرهت قاصدة
فلا تجزعوا لحام دنا * فللموت ما تلد الوالدة
فقال المنذر ويلك أنشدنا فقال : -
هي الخمر بالهزل تكنى الطلا * كما الذئب يكنى أبا جعده
فقال المنذر يا عبيد لا بد من الموت وقد علمت أن النعمان ابني لو عرض
‹ صفحة 65 ›
لي يوم بؤسي لم أجد بدا من أن أذبحه فأما إن كان لك وكنت لها فاختر
إحدى ثلاث خلال ، إن شئت فصدتك من الأكحل وإن شئت من
الأنجل وإن شئت من الوريد ، فقال عبيد - أبيت اللعن ثلاث خلال
كساحيات ، واردها شر وارد ، وحاديها شر حاد ومعاديها شر معاد ، فلا
خير فيها لمرتاد إن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر حتى إذا ماتت لها
مفاصيلي ، وذهلت منها ذواهلي ، فشأنك وما تريد من مقاتلي فاستدعى
له المنذر الخمر فشرب فلما أخذت منه وطابت نفسه وقدمه المنذر
أنشأ يقول :
وخيرني ذو البؤس في يوم بؤسه * خلالا أرى في كلها الموت قد برق
كما خيرت عاد من الدهر مرة * سحائب ما فيها الذي خيرة أنق
سحائب ريح لم توكل ببلدة * فتتركها إلا كما ليلة الطلق
ثم أمر به المنذر ففصد حتى نزف دمه ، فلما مات غرى بدمه الغريين
فلم يزل على ذلك حتى مر به في بعض أيام البؤس رجل من طئ يقال له
حنظلة فقرب ليقتل فقال أبيت اللعن أني أتيتك زائرا ولأهلي من
بحرك مائرا فلا تجعل ميرتهم ما تورده عليهم من قتلي ، قال له المنذر
لا بد من قتلك - فسل حاجتك تقضى لك قبل موتك ، فقال : تؤجلني
سنة أرجع فيها إلى أهلي فأحكم فيهم بما أريد ثم أسير إليك فينفذ في
أمرك ، فقال له المنذر ومن يكفلك إنك تعود فنظر حنظلة في وجوه
‹ صفحة 66 ›
جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال :
يا شريك يا ابن عمرو * هل من الموت محاله
يا شريك يا ابن عمرو * يا أخا من لا أخا له
يا أخا المنذر فك اليوم * رهنا قد أناله
يا أخا كل مضاف * وأخا من لا أخا له
إن شيبان قبيل * أكرم الناس رجاله
وأبو الخيرات عمرو * وشراحيل الحماله
رقباك اليوم في المجد * وفي حسن المقالة
فوثب شريك وقال - أبيت اللعن يدي بيده ودمي بدمه إن لم يعد
إلى أجله -
فأطلقه المنذر فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤسه
ينتظر حنظلة فأبطأ عليهم فقدم شريك ليقتل فلم يشعر إلا وراكب قد
طلع فإذا هو حنظلة وقد تحنط ، وتكفن ومعه نادبته تندبه ، فلما رأى
المنذر ذلك عجب من وفائه - وقال ما حملك على قتل نفسك فقال : أيها
الملك إن لي دينا يمنعني من الغدر ، قال - وما دينك ، قال النصرانية ،
فاستحسن ذلك منه وتنصر أهل الحيرة فيما زعموا . .
وروى الشرقي بن القطامي ، الغري الحسن من كل شئ وإنما
سميا الغريان لحسنهما وكان المنذر بناهما على صورة غريين ، كان بعض
‹ صفحة 67 ›
ملوك مصر بناهما ، وقرأت على ظهر كتاب سيبويه للمبرد بخط
الأديب عثمان بن عمر الصقلي النحوي الخزرجي ما صورته ، وجدت
بخط أبي بكر السراج رحمه الله على ظهر جزء من أجزاء كتاب سيبويه
أخبرني أبو عبد الله اليزيدي - قال - حدثني ثعلب قال : مر معن بن زائدة
بالغريين فرأى أحدهما وقد شعث وهدم فأنشأ يقول :
لو كان شئ له أن لا يبيد على * طول الزمان لما باد الغريان
ففرق الدهر والأيام بينهما * وكل إلف إلى بين وهجران
ونزل الفرزدق بالغريين فعراه بأعلى ناره ذئب فأبصره مقعيا يضئ
ومع الفرزدق مسلوخة فرمى إليه بيد فأكلها فرمى إليه بما بقي فأكله
فلما شبع ولى عنه فقال
وليلة بتنا ضافنا * على الزاد موشي الذراعين أطلس
تلمسنا حتى أتانا ولم يزل * لدن فطمته أمه يتلمس
فلو أنه إذ جاءنا كان دانيا * لألبسته لو أنه كان يلبس
ولكن تنحى جنبه بعد ما دنا * فكان قاب قوسين أو هو أنفس
وقال أبو الطفيل بن عامر بن واثلة الليثي الكناني المتوفى سنة 110 هـ
يذكر الغريين :
ألا طرقتنا بالغريين بعد ما * كللنا على شحط المزار جنوب
‹ صفحة 68 ›
أتوك يقودون المنايا وإنما * هدتها بأولانا إليك ذنوب
ويظهر من بعض كتب السير والتأريخ أن أحد البنائين هدم ولم
يبق حتى اسمه وبقي الآخر وهو القائم المائل كما في بعض الأحاديث
والقائم انحنى كما في حديث آخر وهو الوجه في تسمية البقعة باسم ( الغري )
3 - المشهد
المشهد : هو المكان الذي تجتمع فيه الخلق إما لعقد اجتماع كبير أو
لمشاهدة محفل عظيم ، غير أن كلمة مشهد أخيرا اقترنت فقط بالعتبات
المقدسة بالنظر لاحتشاد الزوار في أيام الزيارات المخصوصة من جميع
الأقطار الإسلامية وخاصة الشيعية منها قصدا لمشاهدة مراقد الأئمة
الأطهار والتبرك بها ، فسمي مثلا المشهدان ( كربلاء والنجف ) كذلك
المشهد في إيران ( مرقد الإمام علي الرضا ) ( ع )
أما المعروف الآن في جميع الأقطار الإسلامية بأن كلمة مشهد
أصبحت أخيرا مقرونة بالنجف فقط فإذا قلت نجفي أو مشهدي
فكلاهما تعطيك معنى واحدا لمسمى واحد . وهذا الاسم شائع في العراق
قديما وحديثا ، وقال أبو إسحاق الصابي يمدح عضد الدولة عند زيارته
الحرم العلوي ويذكر المشهد :
توجهت نحو ( المشهد ) العلم الفرد * على اليمن والتوفيق والطائر السعد
تزور أمير المؤمنين فيا له * ويا لك من مجد منيخ على مجد
‹ صفحة 69 ›
وقال السيد علي خان صاحب السلافة عند زيارته المرقد العلوي يذكر المشهد
يا صاح هذا ( المشهد ) الأقدس * قرت به الأعين والأنفس
والنجف الأشرف بانت لنا * أعلامه والمعهد الأقدس
والقبة البيضاء قد أشرقت * ينجاب عن لألأ بها الحندس
4 - وادي السلام
اشتهرت بقعة النجف المقدسة باسم وادي السلام لما لهذه الاسم من
قدسية بنظر المسلمين يتعلق باليوم الآخر ، وقد ذكرته لنا كتب اللغة
والكتب الدينية الأخرى ، وجميعها ثبتت بأن ظهر الكوفة هو وادي
السلام المقصود ( بجنة عدن ) وإليك بعض ما قاله علماء الإسلام
المجتهدين بصدد ذلك .
جاء في مجمع البحرين ومطلع النيرين للطريحي في مادة سلم :
( وادي السلام اسم موضع في ظهر الكوفة يقرب من النجف وفي
الخبر قلت أين وادي السلام قال ظهر الكوفة ، وفي الحديث إنها لبقعة
من ( جنة عدن ) وجاء في بشارة الزائرين ص 54 لحجة الإسلام المرحوم
الشيخ عبد الحسين مبارك بنفس المعنى - وجاء أيضا في مجلة البذرة العدد
الثامن ص 514 عن وصف وادي السلام ) كما يلي . ووادي السلام في النجف
الأشرف واد فسيح الأرجاء - مترامي الأطراف ، فيه ألوف القبور ما بين
قائم الرسم ومندثرة رقدت فيها الدهور والأباد وسكنت
‹ صفحة 70 ›
في طواياه ملايين من بني الإنسان . . . واد يبعث الروع والوجل في
الأفئدة . من تلك القبور الماثلة دكاكها تتمثل المنايا مكشرة عن أنيابها ،
فأي قلب لا يزفر أو أي صدر لا يخرج من أعماقه تنهداته وحسراته !
وما أصدق الشاعر بقوله :
سر إن اسطعت في الهواء رويدا * لا اختيالا على رفات العباد
فكم من جناجن صدر طحنت وكم من أشلاء أبليت فكان منها تراب
هذا الوادي الأقدس إذن فما أطهرها من تربة وما أنقاها ! !
بالموت تخضد شوكة الإنسان ، فالنفس الصعبة المراس القوية
الشكيمة تخضع ذلا واستكانة عند جبروت الموت فتتساوى تلك
النفوس في ملكه وفي ديموقراطية سلطانه . . . في الأرماس المزدحمة في
هذا الوادي هدأت النفوس في سباتها العميق بعد أن أتعبتها الأيام ،
فالشاعر الذي كان ينفح الناس بعبقاته ويشيع في الأمة روحه الفذة ،
والعالم الذي كانت تزدحم الأفكار والحقائق في دماغه وأفاد الأمة
بسديد آرائه وناضج أفكاره ، والفنان الذي صور الحياة ببأسائها وتعسائها ،
والزاهد الذي عزف عن متع الحياة وصدف عن متعها ، فمضى لسبيل
ربه نقي السريرة طاهر الضمير ولم يتحمل آثام المجتمع ، وهؤلاء كلهم
جروا في مضامير الحياة وعند مرحلة كانت هدأتهم الأخيرة :
ضجعة الموت رقدة يستريح * الجسم فيها والعيش مثل السهاد
‹ صفحة 71 ›
رفرفي يا ملائكة الرحمن بأجنحتك الخفية على هذه الأجسام المتعبة
وحلقي بنفوسها إلى سماء القدس واستقري بها في رياض السندس .
حلقي بها إلى حيث الأزل والنعيم فإنها حرية بالنعيم والخلود . . .
فيا وادي السلام . كم ضممت بين جوانحك أرواحا صغيرة ، ففي
حفرك المظلمة توسد التراب رجال أعزة أذلة ، فأولئك أعزة بأعمالهم
الصالحات . . . أعمال تركوها غزرا ناصعة على جبين الدهر وهؤلاء هم
للخلود ولهم حميد الذكرى ، إذا المرء بأعماله وبما خلف ، وهؤلاء أذلة
بمقترفاتهم الصالحات مقترفات رانت على أفئدتهم وما لهم إلا سوء المنقلب !
في اضمار حفرك سكن الأجداد والأباء وركنوا إلى عالم الهدوء
والسكون حيث لا عراك ولا ملاحات .
فيك أيها القبر الفتي المجدود والفقير الكدور المحروب فلا القصر
الشامخ المتطاول ولا الكوخ الحقير المتواضع وإنما هي ضراعة القبر .
أيها الوادي إنما أنت شبح ماثل للعظة والعبرة ، ورسم قائم للحزن
والخشوع ، تعلو الصيحة من جنباتك والصراخ يسمع من كل ناحية
منك ، فتلك تندب شجوا ولدها في ميعة الصبا اخترمه الموت فذوي
غصنة الرطيب وكانت ترتجيه يجلو لها حلكة الدنيا بجبينه الوضي . .
وأخرى تنحب أخا كانت تأمله الساعد القوي في كشف ضراء الدنيا
فهي ترسل الدموع مدرارا من ذوب القلب فتسقط على تراب قبره
‹ صفحة 72 ›
فتضيع بين طيات التراب . . . وأخرى مكبة على قبر تشمه وهي تبكي
حظها العاثر وتنثر دررا ناصعة وفي الأحشاء نار لا يخبو أوارها - تبكي
حييبا عصره الردى فطواه بين دفتي القبر وهي ما تزال على هذا الدأب
حتى تأخذ الشمس بلم أذيالها عن الكون فتقفل راجعة إلى البيت .
أسماء النجف الأخرى ( الطور ، براثا ، الظهر ، الجودي ، الربوة )
وجاء في بشار الزائرين ( الطور والنجف والظهر ومقبرة براثا ووادي
السلام والجودي والربوة وغير ذلك من أسمائهم تشير إلى موضع واحد
هو الذي اشتراه إبراهيم الخليل وأمير المؤمنين عليهما السلام )
وإيضاحا لهذه الأسماء نورد ما يلي كما جاء في بشارة الزائرين أيضا :
1 - رواية سليمان بن نهيك عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى
( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) قال الربوة نجف الكوفة والمعين
الفرات ) .
2 - المقصود من الجودي في قوله تعالى واستوت على الجودي على
رواية وعلى أخرى هو الفرات وجبل بالموصل على غيرها وأنه الربوة كما
سمعت في رواية ابن نهيك وهو مسجد الملائكة كما في رواية عن أمير
المؤمنين صلوات الله عليه قال : لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا الآدم
سجدوا على ظهر الكوفة .
3 - ومنها عن موسى بن بكير عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن
‹ صفحة 73 ›
أبيه عن آبائه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إن الله اختار
من البلدان أربعة فقال عز وجل والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد
الأمين ( التين المدينة المنورة والزيتون بيت المقدس وطور سينين
الكوفة وهذا البلد الأمين مكة )
4 - المروي في البحار في باب فضل النجف وماء الفرات عن أبي
الحسن الحذاء قال : قال أبو عبد الله عليه السلام إن إلى جانبكم مقبرة
يقال براثا يحشر منها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر ، وفي
القاموس ( البرث الأرض السهلة أو الجبل من الرمل ، السهل أو أسهل
الأرض وأحسنها جمع براث ) انتهى ، ومسجد براثا معروف بالقرب
من الزوراء فيما بين الكرخ وبلاد الكاظمية عليها السلام ،
5 - الظهر: ظهر الكوفة يقال له اللسان وهو فيما بين النهرين
عين بني الجراء فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي البطن
فهو النجاف .
قال ابن النجار في كتاب الكوفة وكان يقال لظهر الكوفة اللسان
وما ولي الفرات منه الملطاط وأنشد لعدي بن زيد :
هيج الداء في فؤادك حور * ناعمات بجانب الملطاط
آنسات الحديث في غير فحش * رافعات جوانب الفسطاط
‹ صفحة 74 ›
ثانيات قطائف الخز والديباج * فوق الخدور والأنماط
موقرات من اللحوم وفيها * لطف في البنان والأقساط
شد ما ساءنا حداة تولوا * حين حثوا نعالها بالسياط
فرق الله بينهم من حداة * واستفادوا حمى مكان النشاط
مثل ما هيجوا فؤادي فأمسى * هائما بعد نعمة واغتباط
بانقيا
واشتهرت النجف أيضا قديما باسم بانقيا كما ورد في معجم البلدان
وقد أشرنا إلى هذا الموضوع ص 46 من كتابنا هذا .
ويعتبر هذا الاسم عاما لغير البقعة أيضا ومما قاربها كما جاء ذكره
في الفتوح الإسلامية ومعجم البلدان وفتوح البلدان للبلاذري .
وقال ضرار بن الأزور الأسدي يذكر بانقيا وجرحه بها أيام الفتح .
أرقت ببانقيا ومن يلق مثلما * لقيت ببانقيا من الجرح يأرق
وجاء في أرجوزة السماوي
في تسمية النجف ومحلهالنجف اسم للمكان المرتفع * أو اسم عين بالمياه تندفع
أو المسناة بجنب الشاطي * أوني وجف في لغة ( الأنباط )
فالني ماء عندهم وجفا * واستعملوا اللفظ الذي قد خفا
‹ صفحة 75 ›
واختص في مدفن خير الخلق * بعد محمد عظيم الخلق
وسمي ( الغري ) باسم قائم * كان هناك في زمان قادم
أو قائمين ولذا يثني * لفظ الغري باعتبار المعنى
وسمي المشهد حيث القاصد * يشهد ما ليس له يشاهد
أو حيث حل تربه الشهيد * وامتاز فيه السيد العميد
( ووادي السلام ) حيث الوادي * بجنبه لحزبه كالنادي
( والذكوات البيض ) والذي أرى * تصحيفه من ربوات فجرى
وظهر كوفان وخلف الخندق * فتلك سبعة له أو ترتقي
ويشير إلى بانقيا
وكان إبراهيم قد شراه * من أهل بانقيا لما يراه
وجاء أيضا في ص 6 من الفصل الثاني بما يخص الطور والجودي
ففي حديث الفرحة المسطور * بأنها من قطعات الطور
وأنها كانت من الجودي * أو هو هي في خبر مروي
وفي حديث في الكتاب ثان * بأنها من روضة الجنان
أو هي روضة الجنان الوعسا * لضمها من النبي النفسا
وحديث أنها المبتهج * للقائم المهدي حين يخرج
‹ صفحة 76 ›
وادي السلام
لمعالي العلامة الشهيد الشيخ علي الشرقي النجفي
سل الحجر الصوان والأثر العادي * خليلي كم جيل قد احتضن الوادي
فيا صيحة الأجيال فيه إذا دعت * ملايين آباء ملايين أولاد
ثلاثون جيلا قد ثوت في قرارة * تزاحم في عرب وفرس وأكراد
ففي الخمسة الأشبار دكت مدائن * وقد طويت في حفرة ألف بغداد
طلبت ابن عباد فألفيت صخرة * وقد رقشت هذا ضريح ابن عباد
وكم كومة للترب من حول كومة معلمة هذا الزعيم وذا الهادي
وما الربوات البيض في أيمن الحمى * وقد خشعت إلا نضائد أكباد
خليلي هجسا واختلاسا بخطوكم * فلم تطأوا إلا مراقد رقاد
فذو الزهو خلى الزهو عنه وقد ثوى * وظلت على الغبرا سيادة أسياد
وكم من هموم في التراب وهمة * وكم طويت فيه شمائل أمجاد
أعقباك يا دنيا قميص وطمرة * بحفرة أرض من خرابات زهاد
عبرت على الوادي فسفت عجاجة * فكم من بلاد في الغبار وكم ناد
‹ صفحة 77 ›
وأبقيت لم انفض عن الرأس تربه * لأرفع تكريما على الرأس أجدادي
ذهبنا إلى القلال نسعى كرامة * أتقبل أجداد زيارة أحفاد
وهل رادع للناس عن كسر قلة * إذا عرفوها من ضلوع وأعضاد
وجئنا لحي يضربون قبابهم * على رائح عن حيهم وعلى الغادي
قباب عليها استهزأ الدهر ما بها * سوى الحجر المدفون والحجر البادي
ألا أيها الراكب المجعجع في الحمى * إلى أين مسرى ظعنكم ومن الحادي
حدوج عليها روعة فكأنها * وقد سجدوا فيها محاريب عباد
فيا منبت الأجساد عشبا على الثرى * فهل تطلع الأرواح مطلع أوراد
وهل لعبت في الراقدين حلومهم * بأطياف أفراح وأطياف أنكاد
محال على الأرواح دفن بتربة * ولكنما هذي القبور لأجساد
مضت نشأة الأرحام في ظلماتها * واضوء منها نشأتي بعد ميلادي
ولي نشأة أجلى وأعلا فإنني * لتهيئة في النشأتين وإعداد
وما هذه الأجساد من بعد نزعها * سوى قفص خال وقد أفلت الشادي
طباع الفتى فردوسه أو جحيمه * وفي طي أخلاقي نشوري وميعادي
‹ صفحة 78 ›
الباب الخامس
بيان عن فضل النجف والتختم بحصبائها
ومجاورة قبر أمير المؤمنين " ع "
النجف الأشرف دار السلام ومجتمع أرواح المؤمنين بعد
الموت وبقعة من جنة عدن ، وفضلها لا ينكر وشرفها الذاتي والعرضي
من طريق المعقول ظاهر جلي لذوي البصائر والعقول من حيث اتخاذه
مرقدا لسيد الوصي صلوات الله عليه واختياره مدفنا لبدنه المقدس
واختيار نوح ( ع ) وغيره من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام الدفن
فيه الكاشف ذلك عن شرفه الذاتي وإلا كان اختيار الدفن فيه ونقل
عظام آدم " ع " من سرنديب أقصى الهند إليه بلا مخصص من هنا قال
العلامة الطباطبائي في " الدرة " - :
أكثر من الصلاة في المشاهد * خير البقاع أفضل المعابد
لفضلها اختيرت بمن بهن حل * ثم بمن قد حلها سما المحل
‹ صفحة 79 ›
وفي رواية عن المفضل بن عمر عن الصادق " ع " قال : وهو يعني
الغري قطعة من الجبل كلم الله عليه موسى تكليما ، وقدس عليه عيسى
تقديسا ، واتخذ عليه إبراهيم خليلا ، واتخذ محمدا حبيبا ، وجعل للنبيين
صلوات الله عليهم سكنا .
المروي عن أبي أسامة عن أبي عبد الله الصادق " ع " قال سمعته يقول
الكوفة روضة من رياض الجنة فيها نوح وإبراهيم وقبور ثلاثمائة وسبعين
نبيا وستمائة وصي وقبر سيد الوصيين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين .
وعن " حسان بن مهران " قال : سمعت أبا عبد الله " ع " يقول : قال
أمير المؤمنين " ع " " مكة حرم الله والمدينة حرم رسول الله " ص "
والكوفة حرمي لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه الله " .
وعن أبي بكر الحضرمي عن الباقر " ع " قلت له - أي البقاع أفضل
بعد حرم الله وحرم رسوله - فقال : الكوفة يا أبا بكر هي الزكية
الطاهرة فيها قبور النبيين والمرسلين وغير المرسلين والأوصياء الصادقين
وفيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبيا إلا وقد صلى فيه ، وفيها يظهر
عدل الله وفيها يكون قائمة والقوام من بعده وهي منازل النبيين
والأوصياء والصالحين ،
وعن موسى بن بكير عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عن
‹ صفحة 80 ›
آبائه قال :
قال رسول الله " ص " إن الله اختار من البلدان أربعة فقال عز وجل
" والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين " التين المدينة
والزيتون بيت المقدس وطور سينين الكوفة وهذا البلد الأمين مكة "
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله " ص " الكوفة جمجمة
العرب ورمح الله وكنز الإيمان .
وفي البحار عن الحسن بن علي عليهما السلام قال ، لموضع الرجل
بالكوفة أحب إلي من دار بالمدينة .
وعن الصادق عليه السلام قال :
- من كان له دار بالكوفة فليمسك بها
- هذه مدينتنا ومحلتنا ومقر شيعتنا
- اللهم ارم من رماها وعاد من عاداها
- أربع بقاع ضجت إلى الله يوم الطوفان البيت المعمور فرفعه الله
إليه والغري وكربلاء والطوس
- أول بقعة عبد الله عليها ظهر الكوفة لما أمر الله الملائكة أن
يسجدوا لآدم فسجدوا على ظهر الكوفة .
- إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة
‹ صفحة 81 ›
وإن إلى جانبها قبرا لا يأتيه مكروب فيصلي عنده أربع ركعات إلا
أرجعه الله مسرورا
- نحن نقول بظهر الكوفة قبر ما يلوذ به ذو عاهة إلا شافاه الله .
ما أم قبر المرتضى راجيا * يأمل كشف الضر إلا نجا
فطف به ملتثما تربه * ولذ به ماليل هم دجا
تجد به حرزا منيعا وفي * أكنافه يرتع طرف الرجا
في التختم بحصبائها
روى الشيخ في التهذيب بإسناده إلى المفضل عن أبي عبد الله
الصادق ( ع ) قال : - أحب لكل مؤمن أن يتختم بخمسة خواتيم بالياقوت
وهو أفضلها وبالعقيق وهو أخلصها لله ولنا وبالفيروزج وهو نزهة
الناظر من المؤمنين والمؤمنات وهو يقوي البصر ويوسع الصدر ويزيد
في قوة القلب وبالحديد الصيني ، وما أحب التختم به ولا أكره لبسه
عند لقاء أهل الشر ليطفي شرهم وأحب اتخاذه فإنه يشرد المردة من الجن
والإنس ، وما يظهره الله بالذكوات البيض بالغريين قلت يا مولاي وما
فيه من الفضل قال عليه السلام من تختم به وينظر إليه كتب الله له
بكل نظرة زورة أجرها أجر النبيين والصالحين ولولا رحمة الله لشيعتنا لبلغ
الفص منه ما لا يوجد بالثمن ولكن الله رخصه عليهم ليتختم به غنيهم
وفقير